الثلاثاء. أغسطس 20th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – سلوك (1)

1 min read

مادونا عسكر/ لبنان

لا يمكن للكاتب أن يتحوّل إلى لغة ما لم يكن قد تخطّى إنسانيّته وانتقل من مشروع إنسان إلى إنسان. ما يحتاج مسيرة طويلة من التّأمّل الصّامت، والتّقييم الذّاتيّ الموضوعيّ، والصّدق اللّامتناهي مع النّفس، وتبصّر خباياها وجوانبها المظلمة ونواحيها المستنيرة. لذلك لا يسعنا اعتبار كلّ من يكتب أو يبوح أو يعبّر عن مشاعره وهواجسه كاتباً، ما لم يقبض على عمق الألم في نفوسنا، وما لم يزلزل جذور كياننا.

يقول شوبنهاور: “إنّ الكتب لا تعمّر طويلاً. وحدها تبقى تلك الّتي يضع فيها المؤلّف نفسه”. وهذا ما ينطبق على كتب أنسي الحاج لاسيّما كتاب “كان هذا سهواً”. فمن “ميتافيزيك ودين” إلى “ذات”، وضع أنسي ذاته في عمق أعماقنا وغاص في ثناياها، بل كان يغوص في نفسه ويتأمّلها ويتأمّل من خلالها الإنسانيّة. وفي القسم الثّالث من هذا الكتاب تحت عنوان “سلوك”، يكشف أنسي عن السّلوك الإنسانيّ بتركيبته الغريبة العجيبة، ويذهب إلى أدقّ التّفاصيل المحرّكة لهذا السّلوك. فهو لا يعالج ظواهر أو عوارض، وإنّما يسلّط الضّوء على الحركة السّلوكيّة النّابعة من السّلوك نفسه، سواء أكان نابعاً من الخوف، أم الظّلم، أم الألم، أم التّواضع، أم التّحرّر…

يظهر لنا أنسي الحاج في “سلوك” خفايا سلوكيّات ظننّا غالباً أنّها إيجابيّة أو سلبيّة، في حين أنّها تخفي في عمقها ما خفيَ عنّا، أو هدفاً لاواعياً. وإذا كان اللّاوعي يستحوذ على جزء كبير من السّلوكيّات فالوعي الدّاعم للسّلوك الإيجابي يحجب لاوعياً سلبيّاً إذا ما بحثنا فيه تطهّر سلوكنا، واستحال أقرب إلى الكمال.

تقول الشّاعرة الأمريكيّة إيميلي دينكسون: “السّلوك هو ما يفعله الإنسان في حياته، وليس ما يفكّر أو يشعر أو يؤمن به.” لكنّنا سنرى مع أنسي الحاج أنّ السّلوك غالباً ما يكون أبعد من فعل خالٍ من الفكر أو الإيمان. إنّه بطريقة ما نتيجة لتأمّل خبرات الحياة، أو تراكم الأحزان والمآسي… فمن سلوك العزلة، إلى الامتنان، والبراءة، والتّفاؤل، والشّرّ، إلى الحديث عن الأقليّات، والإعلام، إلى ما هنالك من سلوكيّات يمكن أن ينتهجها الإنسان، كلّها تنبع من سبب واعٍ أو لاواعٍ، ولكن المهمّ أنّها تحمل في عمقها إنسانيّة تحتاج للخلاص ممّا تراكم في قعرها.

تعتزل لتحبّ الآخر أكثر، لتنفتح عليه بحرّيّة ونقاء، فترى أعماقه قبل ظاهره وتتفهّمه أكثر. الرّؤية من بعيد تهمل تفاصيل الظّاهر لتعاين تفاضيل الباطن، بمعنى أوضح لتبصر إنسانيّة الإنسان. الّذين يعتزلون لا يهربون من الحياة الاجتماعيّة، بل يبتعدون ليقتربوا بطريقة أخرى تتسامى من خلالها إنسانيّتهم. ذاك ما تبلّغنا إيّاه اللّغة الأنسيّة: “عزلة الغياب انفتاح صافٍ على الآخرين، وكلّما نأيت عنهم في انخطافك ازدادت محبّتك لهم وما عاد يعلق في عينيك منهم إلّا شيء في وجوههم يخاطب فيك التّسامح أو الحنين أو الرّغبة” (1)

ولا ريب أنّنا نعرف قدرة الإنسانيّة على إظهار الصّورة المرضية للمجتمع غالباً، لكنّ أنسي يذهب إلى أبعد من هذه القدرة، ليجعل الآخر مرآة تعكس تناقض العمق مع الظّاهر. فيلمع في نفوسنا ما يشبه البرق لينفض عنها غبار الكذب على الذّات. كما يضع الذّات أمام ذاتها لتتبيّن مدى الخداع الّتي تظهره للآخر. “يبلغ شعور الواحد بالامتنان لانخداع الآخر بمزاياه، أحياناً، حدّ التّقوى”(2).

وإذا كانت البراءة ذاك الخلوّ من الذّنب، فلعلّ ذروتها تكمن في الضّحيّة الّتي ينهال عليها الجاني بعنفوان وكبرياء لا مثيل لهما، ظنّاً منه أنّه الأقوى. أو لعلّها تلك الصّفة البهيّة الّتي تتزيّا بالطّهارة المذبوحة على هيكل الألوهيّة الصّنميّة، هنا تبدو الطريدة كما يقول أنسي: “أجمل في كلّ حين من الصيّاد لأنّ عليها ظلال البراءة الّتي ستُغدَر، وانخطاف الوهلة الأخيرة”. (3).

ويلتفت أنسي كذلك إلى ما يحرك الإنسان في نوازعه السلوكيّة، فيرى على سبيل المثال أن التّفاؤل رادع للخوف والتّوجّس، والدّافع المحفّز للاستمراريّة ببصيص نور عن قناعة أنّ النّور مهما كان ضئيلاً فإن الخوف “يتسلّل هارباً في رداء التّفاؤل”(4)

ولعلّ ما يميّز أنسي أنه لا يرى الأمور كما يراها الآخرون، فليس من أشرار في هذا العالم، وإنّما متألّمون يلبسون الشّر للدّفاع عن ظلم تجذّر في النّفس، أو ظلم يُظنّ أنّه مقبل. الشّر ثقل الأحزان المحتشدة في الذّات الإنسانيّة، والّتي لم تلقَ يداً تبلسمها، فتستحيل سجناً ينطوي الإنسان فيه ويختبئ فيه ولكن هذه المرّة ليفجّر حزنه شرّاً في العالم. “لا يعدو الشّرّ كونه عند بعض الأشخاص حزناً متراكماً. ولا يلطّفه ضحكهم إذا ضحكوا. إنّه الضّحك رفقاً بالذّات، وهو أشبه ما يكون بمعطفٍ ورديّ للنّحس.” (5)

وبالحديث عن الأقليّات وجماعة المدافعين عن الأقليّات الدّينيّة والمستغلّين للظّروف السّياسيّة والاجتماعيّة للوصول إلى مآربهم وتحقيق مصالحهم الشّخصيّة، يتعاملون مع أعداد، ويهيّجون ردّات فعلها بمعزل عن عمقها الإنسانيّ مدّعين الدّفاع عن حقوقها. وأمّا أنسي فينظر إلى كلّ فرد، إلى إنسانيّته المعذّبة والمكبوتة والمتألّمة والمقموعة. الفرد أقليّة إذا كانت حقوقه البديهيّة منتهكة، ومعتدى عليها. وهو الّذي لا يجد بشكل خاص من يدافع عنه حتّى ولو أوهموه بذلك، وحتّى لو أحسّ في لحظة ما أنّ زعيماً ما، أو رجل دين، أو سياسيّا، أو قائداً، يهمّه شخصه الإنسانيّ كفرد. إن أنسي يسائل الوعي والسلوك الفرديين قبل الجماعي، ويدعو كل فرد أن يواجه نفسه بالحقيقة ليرى أنه يعيش منذ طفولته “حكاية كبْت نفسيّ وجنسيّ وفكريّ وروحيّ واجتماعيّ ومعيشيّ وسياسيّ متواصل”

عندما يصل الفرد إلى هذه الحقيقة سيعلن كما أعلن أنسي ، “أنا الأقليّات!…” (6).

وأمّا في السّلوك الإعلاميّ “فلم تعد الحقيقة ذاكرة، صارت إعلاماً”. أي أنّ الحقيقة أصبحت ضلالاً ولم تعد تلك القيمة الواجب البحث عنها. الحقيقة الوحيدة هي الكذبة الإعلاميّة الّتي جعلت من الحقيقة أكذوبة كبيرة باسم الكذبة الأكبر “الرأي العام”. فاستغلّ الإعلام سلطته والتّقدّم التّكنولوجي في سبيل إظهار الحقيقة الّتي يريد. “حروب فلسطين ولبنان والعراق وإيران والسّودان والجزائر واليمن وأفريقيا وآسيا وأميركا اللّاتينيّة وأوروبا الشّرقيّة لم تنتج آثاراً أدبيّة مهمّة، لا لأنّ شعوبها ومؤلّفيها فقدوا ذاكرتهم بل لأنّهم لا يمتلكون إعلاماً عالميّاً. إعلامهم لحدودهم ولغاتهم. مساجين في أقفاصهم داخل صحراء، يتبادلون الشّتائم وعدم الإصغاء.” (7)

——————–

(1) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 86

(2) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 87

(3) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 88

(4) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 89

(5) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 90

(6) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 93

(7) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 95

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *