إخــــــــــــلاص .. !! 

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 9 أغسطس 2018 - 9:05 مساءً
إخــــــــــــلاص .. !! 

رؤية درامية من مجموعة “شيزوفرينيا بريئة” .

بقلم سميحة المناسترلي – مصر

بوابة شموس نيوز – خاص

ذُهِل الحاج عبد القوى عندما رفع ناظريه فجأة فأبصر مساعده “أمين ” يختطف ورقة صغيرة من يد زوجته الثانية ،والتى لا يتعدى عمرها عمر إحدى بناته .
غَض طرفه سريعاً ؛ حتى لا يلحظ ما قد رآه بأم عينه , وافتعل الدهشة وقال متسائلاً : الله ! أهلا .. أهلا إيه النور ده كله يا نور .. خطوة عزيزة , نورتى المحل والمول كله إنت مش قلتى رايحه للوالدة النهارده .. خير إن شالله ؟ !!
نظرت إليه “نور” بارتباك سرعان ما أخفته بذكاء بالغ ،وقالت بدلال يلتف بجمال يجمع ما بين حياء بنت البلد وسرعة بديهة ،اكتسبتها من تعليمها المتوسط مع بعض القراءات المتنوعة؛ ف”نور” فتاة طموحة وقعت تحت وطئة آلة الزمن والظروف الصعبة ،مثلها مثل أية كثيرات ممن ساكنات العشوائيات ،إنتظرت الفرصة المناسبة لإقتناصها؛ حتى تستطيع الهروب من الفقر والمعاناة لتطفو على سطح المجتمع “بحلال ربنا “.
كانت فرصتها مع الحاج “عبد القوى” ،الذى لم يصمد أمامها كثيرا فتزوجها رغم اعتراض إخوته وبعض المقربين له ، خاصة وأن زوجته الأولى سيدة كُمَل ،تمتاز بالعقل والحكمة ،وما زالت تحتفظ بمسحة وفيرة من الجمال , لكن المفاجاة كانت موافقة زوجته على هذه الزيجة لتأكدها ” بخبرتها وحنكتها فى الحياة أنها كانت ستتم فى جميع الأحوال ، لذا فإن موافقتها نوعاً من الذكاء ، المهادنة لما اعتبرته نزوة طارئة ستأخذ وقتها وتمضى ،ومحافظةً على الإمبراطورية التى كوَّنتها مع الحاج، خلال رحلة العمر، وثقة بإن موقفها هذا سيقابل بالتقدير والاندهاش من الحاج، وهذا ما تسعى دوماً إليه .. أمَّا بالنسبة ل”نور” والحاج فقد كانت الصفقة واضحة للطرفين ،هو بالنسبة إليها خطوة أو سلمة لتستطيع الاعتماد على نفسها ،وهى تعلم تماماً أن نهاية هذه العلاقة آتية لا محالة وإن لم تكن منه .. فستكون منها هى نفسها ؛ فالحاج – فى نظرها – لا يستحق من حياتها سوى سنوات قليلة، مرهونة بمدى شطارتها فى استنفاد ما تستطيع منه مادياً و عينياً بما يكفل لها بداية حياة مترفة لها ولأهلها بعد الإنفصال, فهو- كما تعلم – يغوى النساء ؛ لكنه متمسك بزوجته الأولي والكل يعلم ذلك لأنها سبب سعده ووش الخير عليه ،وهذا إعتقاد راسخ داخله يعلمه كل مَنْ حوله .
فى لحظة قامت “نور” باختلاق سبب واهٍ لمجيئها للمحل، وأظهر لها الحاج بأنه قد اقتنع تماماً به ،وتمنى لها يوما سعيدا مع أسرتها بل سمح لها بقضاء الليلة عند أمها المريضة ،تأكيداً لاقتناعه وتعاطفه معها .
أمَّا أمين مساعد الحاج “عبد القوى ” تابعً الحوار بكل انتباه ، دون أن يُظهر هذا لمن حوله بالمحل ، ساعده على ذلك ازدحام المكان ،فالحاج عبد القوى من أكبر تجار القماش فى الحسين والأزهر،ويمتلك عدة فروع فى القاهرة والأقاليم.
رسم الحاج “عبد القوى “على وجهه قناع العمل باقى اليوم , وظل ذهنه شارداً يفكر و يحلل هذا المشهد الصادم الذى رآه . ف”أمين” بالنسبة له كابن بار منذ سنوات ،واحتل فى قلبه مكانة عميقة ،وكان يتمنى من أولاده أن يقتدوا به فى منهج انتمائه الشديد للعمل و إخلاصه النادر للحاج .. هو لا تعنيه المرأة “فنور” بالنسبة له متاع وينتهى، ولكن يظل الوفاء والإخلاص والتلاحم بين الرجل والرجل في نظره ،هو الندرة علي مستوى العلاقات الإنسانية المستمرة ، وتظل الثقة هى نقطة الارتكاز ومحوره .. فقد كان من المفترض بعد هذه العِشروالسنين الطويلة ،أن يكون هوالسند له فى كبره ، ويده اليمنى فى عمله وسندا لأولاده من بعده .. لقد وصل التفكير بالحاج فى يوم ما أن يقوم بتزويجه إحدى بناته .. وهنا تريث فى تفكيره بعض الشىء ورجع بذاكرته لذلك اليوم فتأكد أنه بالفعل قد لمَّح “لأمين “بهذا الأمر بالنسبة للبنت الكبرى منذ عامين؛ خاصة أنه حاصل على شهادة عالية ،و لكنه فضَل أن يعمل فى هذا المجال , كونه ابن المرحوم “الحاج عبد الصبور” صديق عمره،والذى كان بنفس المجال ، ولكن تدهور به الحال ، قبل وفاته .. وقد تملص “أمين ” من تلميحات الحاج ذلك الحين , وهنا بدأت التساؤلات و الهواجس تتهافت على ذهن الحاج “عبد القوى “وتتلاعب به وتساءل في نفسه: هل “أمين “كان على علاقة مع زوجتي نور منذ ذلك الوقت ؟ ! هل “أمين” يخدعنى ويخون ثقتى به من زمن طويل ؟ و إلى أى مدى ؟ !! هل اقتصرت خيانته على اقتناص عرضه فقط أم أنها تضمنت باقى ممتلكاتي ؟ !! ألم يشعر بقيمة ما أعطيته له خلال هذه السنوات منذ صداقتى لوالده عندما كان لا يزال طفلاً صغيراً .. ألم يقدِر كل اهتماماتى به أولم يشعر بقيمتها على مدار السنين ؟ !!
كل هذا وعشرات من الأسئلة تراقصت أمامه وهو يمارس عمله بصورة طبيعية جدا، راسماً الضحكة المصطنعة ،والاهتمام بالآخرين، حسب خبرة العمر،والسنين التى اكتسبها خلال رحلة الحياة.
استأذن الحاج عبد القوى من أمين ،تاركاً المحل فى عهدته معتذراً عن عدم حضوره بالفترة المسائية .. نظر أمين فى عين الحاج محاولاً قراءة أفكاره ،ولكنه لم ينجح فى سبر أغوار ستة وستين عاماً مليئة بالخبرة و التجارب ،من خلال نظرة واحدة غير مكتملة النضج .
ذهب الحاج إلى صومعته عند زوجته إخلاص؛ فهى ملاذه فى الشدائد وكاتمة أسراره ، فجلس معها وأفضى إليها بشكوكه وبما رأى .. تألمت لألمه ثم أشارت عليه بمنتهى العقل والحكمة بالتأكد مما رآه قبل اتخاذ أى قرار ” قالت هذا – خوفاً عليه -وليس تعاطفاً مع” نور” .
وسريعاً ما اتخذت هى بعض الخطوات .. وأرسلت مَنْ يراقب نورا فى منزل أهلها، كما أرسلت مَنْ يضع أمين تحت ناظريها والتأكد من خطواته فى تلك الليلة .
فى المساء كان عند الحاجة ” إخلاص ” الخبر اليقين وهو أنه ثَّمة مقابلة قد حدثت بين أمين ونور تلك الليلة فى أحد الكازينوهات الراقية على النيل ،وقد تخلت نور عن حجابها وكانت فى منتهى الأناقة ولم تستمر المقابلة أكثر من ساعة اختطفها أمين من وقت عمله فى المحل .
هنا توددت الحاجة إخلاص إلى الحاج ، وأفهمته بأسلوب رقيق أنه حان الوقت للتخلص من نور، ومواجهة أمين بما حدث قبل تطور العلاقة لأكثر من ذلك ، فاليوم فى أماكن عامة ولا ندرى ماذا سيحدث غداً .. سرح الحاج قليلاً ؛فهى رفيقة دربه وأولى زوجاته ونِعمَ الرأى والمشورة دوماً فى أحلك المواقف وأصعبها .
فى اليوم الثانى ذهب الحاج إلى العمل ، وكان كل شىء طبيعيا للغاية إلى أن انتهى وقت العمل المسائى .. عندها سأل أمين أن يغلق المحل والحسابات ويأتى بكل ما يتعلق بالحسابات فى الفترة الأخيرة إلى مكتب الحاج بالبيت .
ذهب الحاج عبد القوى إلى منزل الحاجة إخلاص ، حيث مكتبه الخاص المحتوى على كل خصوصياته وعمله من أسرار، معطياً لزوجته أمراً بإخلاء الجناح الخاص بمكتبه ،سواء من الأولاد أو الشغالات , فأطاعت الزوجة فوراً ،فهى تعى تماماً أهمية وسرية ما هو مقدم عليه بعد قليل .
بعد ساعة جاءه أمين متوجساً خيفة ، فهو نفسه قد لمح الحاج يضبطهما عندما تبادلا قصاصة الورق .. جلس الحاج يتلاعب بأمين كالقط عندما يتلاعب بالفأر الصغير قبل الإجهاز عليه ، فهو يعلم نقاط ضعفه تماماً .
بعد انتهاء الحسابات مع أمين ، واطمئنان الحاج بالنسبة لشغله و محلاته ،وأن حساباته لم تمس ولم تصلها يد الخيانة من أمين، بدأ الدخول معه فى مسائل شخصية، إلى أن وصل لموضوع زوجته نور، فكان السؤال الصادم المفاجئ “لأمين” قائلاً : وإنت علاقتك “بنور” مراتى من إمتى ؟ !! قالها الحاج “عبد القوى ” بنظرة حادة واثقة مباشرة فى عينى أمين ،متربصاً يريد إلتقاط أى محاولة هروب من عينيه ،ليتحقق له الأثر الذى يريده .. فهو بمثابة اعتراف كامل للحاج ” فأمين” لا يستطيع مجابهة نظرات الحاج بالكذب ،لا فى ذلك الموقف ولا فيما قبله ؛لأن أمين كان يعشق الحاج ،هو مثله الأعلى ،وليس والده الراحل ؛ فوالده كان ملتزماً بزواجه و بيته، شخصية مستكينة وكانت شخصية الحاج عبد القوى قوية وذات بصمة لدى الجميع
فى لحظة انهار أمين واعترف للحاج بعلاقته مع “نور” منذ فترة بسيطة ، سارداً على الحاج ما حدث ،وطبيعة العلاقة التى لم تتطور لأكثر من مقابلات ومكالمات تليفونية ورسائل على الموبايل فقط لا غير , أقسم على هذا ،وهو يبكى منهاراً أمام الحاج الذى يلاحقه بالأسئلة .. وأمين يجاوب بكل صراحة ووضوح بلا مواربه .. .
إلى أن حان وقت السؤال المهم وهو ( لماذا فعلت ذلك ) ؟ !! .. قالها الحاج عبد القوى بكل ما أوتى من ضعف تجاه أمين وبعاطفة جياشة كأب مصدوم يلوم ابنه ويؤنبه .. متحكماً في دمعة تقف متحجرة فى عينيه , فما كان من أمين إلا أن خارت قواه ،ركعاً أمام الحاج ،باكياً بصوت مسموع ،مفعم بأنين التائب عن الذنب ،وقد بللت دموعه ركبتى الحاج ندماً واسترحاماً ،إذا بيد الحاج تربت على كتف “أمين ” الذى قال مفاجئاً الحاج بكلماته : أنت السبب يا حاج , انزعج الحاج عبد القوى ورفع يديه مندهشاً بتساؤل !! فى حين أوضح له أمين أنه يتخذه قدوة ومثلاً أعلى بحياته .. حبه لهذا العمل وإخلاصه له ،المعاملة الحسنة ،والحفاظ على شرف الكلمة بينه وبين التجار , حتى حبه للنساء والجنس الناعم استقاه منه ،من خلال تصرفاته وحكاياته له .. لكنه أخطأ حينما فكَّر أن يتقمص دوره ،ويعيد نفس قصة الحاج وزواجه من الحاجة “إخلاص “بعد طلاقها من المعلم عبد السلام – رحمه الله – مستعطفاً : اغفر لى يا حاج زلتى فأنا لست الحاج عبد القوى ،ونور ليست كالحاجة إخلاص حاش لله ،خطيئتى هى حبى لك ،ومحاولة محاكاتك فى كل شىء حتى فى الخطأ ..
نظر إليه الحاج نظرة الوالد لابنه ..سهم قليلاً .. كمن أفاق على قرار مصيري مفاجئ وصاعق، متصلاً على “نور” رامياً عليها يمين الطلاق .. وسط مشاعر ذهول من “أمين”.. و موجهاً سؤالاً مباشراً له: أيه رأيك يا أمين فى بنتى “قمر” ؟ تراقصت الفرحة في عيني “أمين ” .. ثم أفاق وهو يلثم يد الحاج شاكراً، غير مصدقاً ، مكفكفاً دموعه .. حين أخبره الحاج بانه فى انتظاره باليوم التالي ليقوما بالتنسيق لإجراءات فرحه على إبنته “قمر” . خرج الحاج من المكتب تاركاً الدفاترفى يد “أمين” وهو وسط فرحة عارمة.. وزغاريد الحاجة “إخلاص” تزف عودة الحاج لأحضان لبيته محتفلة بزفاف ابنتها على “أمين” .

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.