الأربعاء. أكتوبر 16th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

ادخل فرح سيّدك منذ الآن

1 min read

مادونا عسكر – لبنان – شموس نيوز

إذا كان الصّوم مدخلاً إلى التّوبة، وزمناً يعود فيه الإنسان إلى الله، إلّا أنّه يمنح الإنسان أفقاً آخر يتسرّب من خلاله الله بالكامل إلى حياته. وإذا بقي الصّوم عند حدود الانقطاع عن الطّعام وإحياء طقوس موسميّة، فهو لا يتخطّى كونه مجرّد مرحلة خارجة عن إدراك جوهر العلاقة الحميمة مع الرّبّ.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير: “الصّوم هو سبب رُقيّ وتقدّم الشّعوب”. ما يعني أنّ الصّوم يؤسّس لبناء حضارة الإنسان. وللحضارة عناصر تكوّنها، إنْ على المستوى الثّقافيّ أو الفكريّ أو الاقتصاديّ أو السّياسيّ. ولا ريب في أنّ القدّيس باسيليوس يعي تماماً أنّ هذه العناصر تتمحور حول الكرامة الإنسانيّة الكريمة في عيني الله. ولئن كان الصّوم سبباً لرقيّ الشّعوب وتقدّمها فيلزم الإنسان أن يُفرغ داخله حتّى يمتلئ من الله؛ ليتمكّن من تحقيق ذاته وبناء حضارته.

الله نور الأنوار، والحبّ الّذي يحيط بالوجود ويتغلغل فيه، يُرى ويُعاين بالصّوم. أي بالانقطاع عن الخارج لمعاينة الدّاخل. ولا يكون الانقطاع فعل قمعٍ لبشريّة الإنسان، بل إنّه فعل حبّ صرف يتقدّم به الإنسان نحو الله من خلال تدريب الذّات على السّيطرة على كلّ ما هو فانٍ بهدف الارتقاء نحو ما هو باقٍ إلى الأبد. وهنا تتجلّى إنسانيّة الإنسان، تلك الّتي لن تُدرك إلّا باللّقاء بالحبّ. لذلك يقول القدّيس يوحنّا السّلّمي: “مَنْ يتخم معدته بالطّعام يوسّع أمعاءه، ومَنْ يجاهد ويقلّل طعامه يضمرها ويضيّقها، وإذا ضاقت الأمعاء لا تطلب غذاء كثيراً، وحينئذ نصير صوّامين بالطّبع”. وعبارة (نصير صوّامين بالطّبع) تشير إلى أنّ الصّوم حالة دائمة يصير إليها الإنسان، لأنّه إذا عاين الجمال الإلهيّ فكيف له أن يفرّط فيه؟ إنّها حالة القلب الإنسانيّ المنصهر بالقلب الإلهيّ. وكلّ توجّه نحو الله المحبّة، وكلّ فعل يقدّم إليه بقرار حرّ وحبّ كبير لا يؤدّي إلّا إلى الفرح الحقيقيّ. فالصّوم زمن فرح ولا ينبغي أن يُحصر بزمن محدّد. وإذا ما انتهت الأيّام المعدّة للصّوم فالصّوم كحالة حبّ ونور لا تنتهي لأنّها امتداد وجوديّ ويقين فكريّ وروحيّ. وكما أنّ الحبّ حالة لا تعيننا اللّغة على استنباط معانيها، ولا تسعفنا الكلمات لوصفها بدقّة، كذلك الصّوم حالة أعظم من أن تحدّدها الشّروحات. إنّها حالة فرح وحبّ. لذلك يقول الرّبّ في (متّى 18،16:6): “وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا

أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”.

ليس الصّوم استعراضاً للكآبة والتّقوى المرائية، كما أنّه ليس تباهياً بالإيمان، وإنّما الصّوم جوهر العلاقة الحميمة مع الله. تحبّه فتعبّر عن حبّك بالفقر الكامل حتّى تغتني بالكامل. فلا يعود الصّوم انقطاع، وإنّما سلوك تلقائيّ ونتيجة تلقائيّة للحبّ. فإذا أردنا الانغماس في الله فلا بدّ من أن نلج الفقر ونخلي ذواتنا بكلّيّتها حتّى لا يبقى إلّا “هو”. وكأنّ الرّبّ يقول إنّك إذا صمتَ تهيّأ بكلّ جمالك للقائي، أنا محبوبك الإلهيّ.

الصّوم، فعل الحبّ والانفتاح على النّور الإلهيّ، زمن فرح خارج الزّمن، وزمن القلب السّائر على درب الرّبّ. فقر يُغني، وغنىً يرتقي بنا نحو الوجود الحقيقيّ والحياة بالفعل، الحياة في قلب الله.