الأربعاء. أغسطس 12th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الإنسان بين العلم وفلسفة المحبّة

1 min read

بقلم مادونا عسكر /  لبنان

 

نظرة في كتاب “قرد أم إنسان؟” للأب اسيبرو جبّور(*)

“في حبّ وفيٍّ لبني الإنسان أجد ذاتي، كشخص، على طريق النّموّ والتّكامل، على طريق التّمدّد إلى أقصى الممكن البشريّ.” (الأب اسبيرو جبّور)

العلماء نوعان، واحد يسعى إلى تحقيق أهدافه العلميّة بمعزل عن الإنسان. فيجتهد في سبيل أن يثبت نظريّاته وتأمّلاته على حساب الكرامة الإنسانيّة. وأمّا الثّاني فينطلق من الحبّ الإلهيّ معتمداً على موهبة الرّوح القدس ويعي تماماً أنّ كلّ ما يملكه من ذكاء وحكمة ومعرفة، وإنّما هي نعم إلهيّة سُكبت في شخصه من أجل خدمة الإنسان والكرامة الإنسانيّة.

“العلم ينفخ ولكنّ المحبّة تبني.” (1كو 8: 1)، ذاك ما يرنو إليه العالِم المخلص إلى الرّبّ فيدرك أنّه مهما بلغ من معرفة وعلم يبقى محدوداً ناقصاً، لا يمسك من الحقيقة إلّا تمتمات. فلا ينحرف عن إيمانه ولا يدّعي المعرفة المطلقة ويستبعد الله ويخلق إلهاً على صورته يخضعه لحقيقة ملتبسة. ما يتيه عنه العلماء الّذين يعتقدون أنّهم بلغوا كلّ الحقيقة بعلمهم ونظريّاتهم، فيؤثّرون على عقول النّاس ويستميلونهم ليجدوا في العلم كلّ الحقيقة. بيد أنّ الأب اسبيرو جبّور يبيّن لنا في كتاب “قرد أم إنسان؟” أهميّة البحث العلمي من ناحية خدمة الإنسان لا من ناحية تهشيمه وتشويه فكره وإيمانه.

يعرض الأب اسبيرو في هذا الكتاب العمق الإنسانيّ على المستوى الفكريّ والنّفسيّ والرّوحيّ، ليبيّن للقارئ الإنسان اللّغز الّذي مهما شرّحناه علميّاً وماديّاً من العسير أن نبلغ عمقه ببساطة ونكتشف تناقضاته وصراعاته وكيفيّة حركته الدّيناميكيّة. بمعنى آخر، وكأنّي بالأب اسبيرو يقول إنّ العلم فسّر الطّريقة الّتي ينمو بها الإنسان، وكيفيّة حركة الخلايا والأعضاء ونموّها زمنيّاً ومكانيّاً، لكنّه لم يقل لنا ما هي الحياة.

لا يبتغي الأب اسبيرو إثبات أصول الإنسان الإنسانيّة لا الحيوانيّة بقدر ما يرنو إلى إظهار إنسانيّة الإنسان، والتّوغّل في تفاصيل الجمال الإلهيّ المطبوع فيها. ومن خلال تركيزه على مفهوم الشّخص يبيّن قدسيّة الإنسان الّذي يعلو كلّ خليقة. “متى قلنا إنّ الإنسان من جماد أو من حيوان مهّدنا لمعاملة الإنسان كما نعامل الحيوان، فتعود استباحة دمه واردة. متى اعتبرنا الإنسان آلة في معمل، أو حجراً في بناية أو مؤسّسة أو حزب، أو إدارة من أيّ لون كانت سحقناه تحت شعار التّسميات المتعدّدة الألوان. فمهما سمت أيّة فلسفة مثاليّة أو واقعيّة، فإنّها ترتكب أخطر انحراف متى قبلت بسحق الإنسان أو طمس حرّيّته الرّصينة، أيّاً كان السّبب.” (ص 8-9). وفي عرض للكثير من الفلسفات والنّظريّات يهدف الأب اسبيرو إلى تحريك تحليل القارئ دون أن يعطيه نتائج سهلة. سيغرق القارئ في الكتاب وينفتح ذهنه، وقد يراجع البعض شكوكهم في قبول نظرية مساواة الإنسان بالحيوان. لأنّهم ومن خلال هذا الكتاب، سيَلجون عالمهم الإنسانيّ ليرفضوا قطعاً هذه المساواة ويقتنعوا بالأصول الإنسانيّة للإنسان وبكونه على صورة الله ومثاله.

ما يعني أنّ التّفكير كوسيلة لبلوغ حقيقة ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الكرامة الإنسانيّة والحذر من الجنوح إلى سحقها دون الأخذ بعين الاعتبار أنّ الأصول الإنسانيّة صورة على مثال الصّورة الإلهيّة. وما يعني كذلك، أنّ احتقار الإنسان يبدأ في التّفكير علميّاً دون رعاية الكرامة الإنسانيّة، فيميل البعض إلى اعتبارها مجرّد حالة أو حقلاً للتّجارب يستخدمها ليحقّق نتائجه العلميّة.

إذا ما تحوّل العلم إلى إله يخضع له العلماء وبالتّالي الإنسان، استحال التّقدّم الإنسانيّ ضعيفاً على الرّغم من التّقدّم العلميّ السّريع الّذي لا يستطيع الإنسان نفسه مجاراته اليوم. لذلك نرى واقعيّاً أنّ التّكنولوجيا تطوّرت بشكل سريع إلّا أنّ الإنسان تراجع إنسانيّاً. ولئن كان الإنسان شخصاً يتمتّع بجوهر خاصّ مغاير للحيوان، فإنّ المساواة بين الإنسان والحيوان مستحيلة. إنّهما عالمان مختلفان . وهذا هو الأهمّ، لأنّ نشاط الإنسان فكريّاً هو الّذي يجعله ذا مرتبة بين كائنات لا مرتبة لها”. (ص 27).

تكدّست النّظريّات الباحثة في كنه الإنسان وعجزت أن تصل إلى فهم حقيقيّ لهذه الترّكيبة اللّغز. “لا يمكن وضع تعريف واضح للشّخص، كلّما توهّمت أنّي أمسكت به هرب منّي. حتّى حدسي مشوب بغموض كبير. نحن أمام أهمّ ما فينا. ومع هذا فنحن نجهله.” (ص80). وأهمّ ما فينا، بل قيمتنا الإنسانيّة نابعة من قول الرّبّ بعدما خلق الإنسان: “هذا حسن جدّاً”. هذه العبارة مساوية لمفهوم الجمال كقيمة لا كمبدأ حسّيّ ماديّ. وبهذا يلتقي الأب اسيبرو مع كلّ الفلسفات الأخرى الدّاعية إلى النّظر في الإنسان وأهميّة وجوده في هذه الحياة مفارقاً كلّ نوازعه الأرضيّة نحو آفاق من الإنسانيّة الرّحبة الّتي تؤكّد جماليّة الخلق الإنسانيّ.

———————

(*) الشّمّاس اسبيرو جبّور: علامة فارقة ظهرت في القرنين العشرين والحادي والعشرين. ولد في المزيرعة اللّاذقيّة سنة 1923. محامٍ، لاهوتيّ، أديب، لغويّ، عالم نفس، سياسيّ تاريخيّ ومرجع لكلّ إنسان يبحث عن الحقيقة. ارتسم شمّاساً في الثّالث من تشرين الثّاني 1972. قدّيس حيّ في الكنيسة الأورثوذكسيّة، سكب اللّاهوت الأورثوذكسي في صيغ وتعابير موجزة فريدة معبّراً عنه بأسلوب فذّ ماثل فيه تعبير العظام من الآباء. مؤلّفاته عديدة منها: يهوه أمّ يسوع، تجلّيات في دستور الإيمان، الأعياد السيّديّة، الأناجيل والرّسائل، التّهيئة الإكليريكيّة والرّعاية، الكتاب المقدّس والكنيسة، الله والعالم، الاعتراف والتّحليل النّفسيّ، المحبّة في اللّاهوت والتّحليل النّفسيّ، سرّ التّدبير الإلهيّ، الله محبّة، دعوا الأطفال، الحكمة في التّربية، الأيقونات، القدّيسون هم التّائبون، لماذا نحن ساقطون، وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *