السبت. يوليو 4th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الاختبارات الإيمانيّة والسّلوك الإنسانيّ عند القدّيس بولس. (1)

1 min read

مادونا عسكر – لبنان – شموس نيوز

في كلّ مرّة يفصل الإنسان بين إيمانه وسلوكه الحياتيّ، يقع في ازدواجيّة تخلص إلى إيمان اعتباطيّ وسلوك مرتبك. والإيمان مسيرة حياة لا يتمّ كماله في هذا العالم، وإنّما يكمل متى عاينّا الرّبّ وجهاً لوجه. فالإيمان علاقة خاصّة بين الإنسان وربّه، تنمو وتثمر بحسب ما يسمح الإنسان للحضور الإلهيّ أن يكون كلّيّاً في حياته. وهذه الكلّيّة لا تقتصر على السّلوك الرّوحيّ وإنّما تشمل كلّ الإنسان. وإذا اختلف السّلوك الإنسانيّ عن السّلوك الإيمانيّ، أي إنّه إذا اقتصر الإيمان على ممارسة الطّقوس والعادات ولم يتبدّل السّلوك الحياتيّ فالإنسان موغل في إيمان واهم وعلاقة مضطربة مع الله. ولعلّها تنتفي كعلاقة لأنّها تحتاج إلى طرفين: الله والإنسان. وفي حين أنّ الله حاضر أبداً والإنسان بالمقابل غير حاضر فعليّاً وإنّما بالظّاهر، تبدو العلاقة ناقصة ومستبعدة من جهة الإنسان. لذلك يقع الفكر في متاهات الشّكّ كلّما واجه حقيقة ما أو نظريّة ما، لأنّه لم يتدرّب على فصل الغاية الفكريّة عن الغاية الرّوحيّة. ولا أعني بالقول فصل الإيمان عن الفكر، وإنّما مراد القول إنّ لكلّ مساره سواء أكان الفكر أم الإيمان. لكنّهما يعملان معاً في سبيل تكوين الإنسان حتّى لا يبقى مشروع إنسان. لكنّ الفكر المستنير بالإيمان أي بالعلاقة مع الله، يكشف للإنسان قوّة حضور الله في العالم وفيض نوره على العقل ليتمكّن من تلمّس الحقائق.

ذاك ما نلاحظه في فلسفة القدّيس بولس، الّذي اهتمّ بتربية الإنسان ككلّ، فكريّاً وروحيّاً، على عكس ما يُظنّ أن الكلام الإنجيليّ روحيّ فقط. والفلسفة البولسيّة فكريّة وروحيّة معاً، ولعلّها تخلق اتّحاداً فكريّاً وروحيّاً ليتجلّى الإنسان الكامل الّذي على صورة الله ومثاله. والكمال هنا لا ينفي عن الإنسان ضعفه أو نقصه البشريّ ، وفي ذات الوقت لا يساويه مع الله، وإنّما هو الكمال بالقوّة بمجرّد الاتّحاد بالله فكريّاً وروحيّاً حتّى يصير كمالاً بالفعل عند معاينة الرّبّ وجهاً لوجه.

إنّ عقل بولس عاين المسيح بشكل أو بآخر، ما يجعلنا نفهم سبب قوله (حياتي هي المسيح). لم يكن يقصد بولس الحياة الّتي نحياها وحسب، ولم يكن يعني الأنفاس الّتي تؤكّد وجوده. وإنّما عنى بولس الكينونة، كينونته الّتي هي المسيح. أي الحياة ككلّ، من لحظة الولادة وحتّى الاكتمال وبلوغ ملء قامة المسيح. ولذلك تجرّأ بولس على القول: “اقتدوا بي، كما أقتدي أنا بالمسيح”. قول لا يجرؤ أحد منّا على قوله.

في الرّسالة إلى أفسس، تتجلّى الفلسفة البولسيّة بوضوح لتعبّر عن أهمّيّة اتّحاد الفكر بالرّوح. “انظروا كيف تسلكون بالتّدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء، مفتدين الوقت لأنّ الأيّام شرّيرة.” (أفسس 16،15:5)

في هذه الآية عنصران مهمّان يحدّدان قيمة الإيمان وفعاليّته وضرورته في كينونتنا: الحكمة والوقت.

لا بدّ من التّنبّه أنّ بولس افتتح الرّسالة إلى أفسس بقوله (كونوا متمثّلين بالله كأولاد أحبّاء). وفي هذا القول نقطة انطلاق تجتمع فيها الكينونة الإنسانيّة بالكينونة الإلهيّة. ومنها نفهم أهمّيّة الحكمة والوقت في الأيّام الشّرّيرة. ولئن تحدّث بولس عن الوقت أدركنا أنّ تعليمه لا يدور في فلك الوهم والإيمان الاعتباطيّ. إنّ بولس يحاكي الوعي الإنساني، الوعي الفكريّ والوعي الإيمانيّ. ولئن تحدّث عن الحكمة المرتبطة بالسّلوك، ارتقى بالإنسان إلى كينونته الإنسانيّة الّتي ينبغي ألّا تهدر الوقت سدىً لتبلغ كمالها.

نحن أمام فكر مستنير (الحكمة) وأمام عنصر الوقت المفترض استخدامه بجدّيّة وعدم استهتار ليكون السّلوك الإنسانيّ ككلّ سلوكاً يليق بالإنسان المخلوق على صورة الله كمثاله. كما أنّنا أمام عنصر ثالث (الأيّام شرّيرة). من اللّافت أنّ بولس لم يقل الوقت شرّير وإنّما الأيّام. وكّأن الأيّام غير مرتبطة بالوقت. ولعلّ الوقت في مفهوم بولس مرتبط بالكينونة الإنسانيّة، أي حياته المرتبطة بالله، وغير المرتبطة بالأيّام. فالوقت وإن كان يتحدّد بالزّمان والمكان إلّا أنّه هبة إلهيّة يستخدمها الإنسان في سبيل بلوغ كماله. فيتّخذ لفظ (الوقت) معنى أشمل وأوسع من لفظ الأيّام الّذي يتحدّد بالوجود في العالم.