الانتصار على المأساة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 23 مارس 2018 - 1:26 صباحًا
الانتصار على المأساة

بوابة شموس نيوز – خاص

لودفيغ فان بيتهوفن

( الانتصار على المأساة )

” الجزء الأول”

تأليف مجموعة من المفكرين

ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

مراجعة سوسن علي عبود

مقدمة :

تعد قصة بيتهوفن إحدى قصص الانتصارات الشخصية على المأساة وانجازا بشريا فيه ما يكفي من السمو والعبقرية . ولم يعرف تاريخ الموسيقا العالمية رجلا استطاع أن يتفوق عليه في الإبداع والعبقرية والتأثير .

بيتهوفن من أعظم الموسيقيين الذين عرفهم العالم وقد استحوذ على احترام واستحسان جميع الأذواق حتى أولئك الذين لا يحبون موسيقاه. وإذا أخذنا هذه الحقائق بعين الاعتبار فإننا لا نجد من تفوق على بيتهوفن في الإنتاج الموسيقي الذي أبدعه . لقد استمد بيتهوفن موسيقاه من روح القرن الثامن عشر وأعطاها بعدا واتجاها راديكاليا جديدا . كما خرق في موسيقاه الكثير من قواعد عصره الموسيقية وكان يبرر أفعاله بأعذار موسيقية معقولة . ورغم كل ما قيل عن الرجل العبقري فإن موسيقاه تستمر بالتأثير على موسيقيي العصر الحديث ومؤلفاتهم .

سنواته الأولى :

كانت بداية حياة بيتهوفن سيئة الطالع .فقد ولد في مدينة بون في 17 كانون الثاني عام 1770 م . وهو ابن مغن وأجير مجهول الهوية وغامض في مقاطعة كولونيا . يقال أن والده كان عنيفا ومتقلب المزاج وكان يعود إلى منزله كل مساء مخمورا فيتجه نحو ولده النائم بيتهوفن ليوقظه ويطلب منه أن يغني ويعزف له الموسيقا. وهناك حكايات تقول بأن والد بيتهوفن كان يجبر صغيره على عزف الكمان أثناء احتسائه الخمر والمسكرات . ورغم كل هذه القسوة و الاهانات لم يكره الصغير بيتهوفن الموسيقا وإنما طور مهاراته وازداد إحساسه بالموسيقا رهافة وتفتحت أفقه الموسيقية .

في سن السابعة ، بدأت الدلائل تظهر على بيتهوفن على أنه موسيقي واعد فقد تقدم عزفه كثيرا وشرع يظهر أمام الجماهير . وبعد عام تقريبا ، بدأ الموسيقي كريستيان غلوب نيف بتدريب بيتهوفن الصغير جديا. كان تقدم بيتهوفن سريعا في تعلم الموسيقا وشعر بالفرحة العارمة والفخر الشديد عندما ظهرت إلى النور حركاته

التسعة على البيانو وسجلت في دليل الموسيقا باسم لويس فان بيتهوفن الذي يبلغ التاسعة من عمره .

في عام 1787 م قابل بيتهوفن موزارت أثناء زيارة موزارت لمدينة فيينا والتي كانت في ذلك الوقت مركز الموسيقا العالمية . لقدا بدا بيتهوفن ثقيلا وقصيرا وجلفا وشعره أسود اللون وغير مرتب يرسم تعابير حادة على وجهه الداكن . في حين بدا موزارت مرتبا وأنيقا. استقبل الرجل الطفل بيتهوفن بكل حفاوة لكن في نفسه شيء من الشك حول موهبته لكن عندما بدأ بيتهوفن العزف على البيانو ظهرت موهبته وفاحت براعته للعيان. عندئذ وقف موزارت من ساعته وقال : ” انظروا يا سادة إلى هذا الغلام الصغير . سيأتي يوم يجبر العالم أجمع للحديث عنه .”

التحضير للعظمة :

قل تأثير والد بيتهوفن عليه بعد وفاة والدته . لكن الأب المخمور دوما سرعان ما بدأ يضع الخمر أمام بيتهوفن وأخويه الصغيرين وأخته البالغة من العمر عاما واحدا . ثم بدأ الوضع يسوء في العائلة ، الأمر الذي أجبر بيتهوفن الصغير للذهاب إلى مكان عمل والده وطلب من سيده أن يعطيه نصف مرتب والده ليتمكن من إعالة الأسرة وهذا التصرف بما فيه من جرأة وحماس وضع بيتهوفن في مكان جيد في المستقبل. وفي عام 1792 م ، توفي والد بيتهوفن الذي لم يشعر أحد بالحزن عليه بسبب تصرفاته ، وقد علق رب عمله قائلا : ” سوف ينقص راتبه من دخل منتجي الخمر.”

ساعد بيتهوفن أسرته لمدة أربع سنوات وكون العديد من الأصدقاء مثل ستيفان فون بريونغ ، صديق العمر ، والدكتور فرانز فيفلر الذي كتب أول سيرة ذاتية له ، والكونت فيرناند فون فالديشتاين ، الذي قدم له بيتهوفن مقطوعته الشهيرة ” سوناتا بيانو ” عام 1804م.

في عام 1792 م مر الموسيقي هايدن بمدينة بون وهو في طريقه إلى فيينا حيث قابل بيتهوفن وتأثر بأعماله تأثرا شديدا . لقد شعر هايدن بوضوح بموهبة بيتهوفن وقال إنها تحتاج للتوجيه قبل التطوير .

لهذا السبب غادر بيتهوفن مدينة بون باكرا في تشرين الثاني عام 1792 ليدرس التأليف الموسيقي مع هايدن في مدينة فيينا ولكن إذا كان هايدن يريد السيطرة على موهبة بيتهوفن وتوجيهها فمعنى ذلك أنه دخل في معركة خاسرة بالتأكيد. لقد كانت موسيقا بيتهوفن تخطو بسرعة نحو القرن القادم وتأثر كثيرا بالأحداث السياسية القاسية التي كانت سائدة في أوروبا كما تأثر بالتوتر الاجتماعي الذي عصف بأوروبا إبان الثورة الفرنسية .

لقد أدرك هايدن ، الذي كان واضعا للاتجاهات الموسيقية أثناء شبابه ، أن بيتهوفن يسير في نفس الطريق من دون تردد.

كانت الأسابيع الأولى في مدينة فيينا قاسية جدا على بيتهوفن فقد كانت الفرص شبه معدومة ولم تتحقق الآمال التي كان يرجوها. شعر بيتهوفن بالضيق وجاشت في صدره روح العصر السائدة و نادى بالمساواة الاجتماعية إذ كان عليه أن يعيش في كوخ من التنك والصفيح في دار الأمير ليشنوسكي.

وبعد فترة قصيرة منحه الأمير شقة مفروشة وأخبر جميع خدمه بأن جرس بيتهوفن يجب أن يجاب بسرعة وقبل جرس الأمير . لقد عزف بيتهوفن البيانو بكل قوة ممكنة وفي تلك الفترة كان عازفو البيانو يصطفون بجانب بعضهم البعض أمام الجمهور الذي يختار أفضل العازفين وألمعهم . وفي كل جولة كان بيتهوفن يفوز على خصومه جميعا ونتيجة محبة الناس صار له الكثير من الأعداء في مدينة فيينا .

تقاطر النبلاء للاستماع إلى عزفه سيما وأن مؤلفاته الموسيقية كانت تنسكب انسكابا في حفلات فيينا وبرلين وبراغ والمراكز الأخرى المهمة . وقد درت عليه هذه الحفلات بعض النقود التي مكنته من شراء شقة خاصة . وبذلك يعد بيتهوفن أول مؤلف موسيقي يعيش حرا باختياره من دون الاعتماد على الأنصار. في الحقيقة ، عزف بيتهوفن على البيانو هو الذي أطلق شهرته باكرا في العشرينات من عمره .

بداية الصمم :

شاء القدر أن يوقف مسيرة بيتهوفن كعازف ماهر على البيانو ويظهر ذلك في رسالة كتبها بيتهوفن إلى صديقه كارل أميدا في 1 حزيران 1801م حيث اعترف بأنه يعاني من أعراض الصمم :

“….كنت أتمنى لو أنك هنا. لأن صديقك بيتهوفن يعاني حياة بائسة بسبب الطبيعة والخالق ومستاء من الأخير كثيرا لأنه خلق الإنسان سريع العطب تجاه أتفه الحوادث , إن أعظم عطايا الله – السمع – قد تراجع لدي كثيرا….”

يتضح لنا أن بيتهوفن كان يدرك المشكلة لمدة ثلاث سنوات . وكان يتجنب الأصحاب حتى لا يكتشف الناس هذا الضعف فيه فآثر العزلة . أما الأصحاب فقد عزوا ذلك إلى الانشغال الشديد والنسيان . لقد كتب رسالة إلى صديقه فاغلر يقول فيها :

” …كيف أقول للناس وأنا موسيقي أنني أصم . إن استطعت سوف أتحدى القدر . ورغم ذلك أنا أتعس مخلوقات الله .: أنا أعيش في الموسيقا فقط وأعمل في ثلاث أو أربع مقطوعات موسيقية في وقت واحد….”

لو كان العديد من الناس مكانه لفكروا في الانتحار . وهذا ما فكر فيه بيتهوفن في وقت من الأوقات . لكن طبيعته العنيدة أعطته القوة والصلابة لمواجهة الصمم بطريقة ديناميكية بناءة . لقد كتب بيتهوفن في رسالة أخرى إلى صديقه فاغلر بعد خمسة أشهر من الرسالة الأولى التي كانت مفعمة باليأس حيث يظهر بيتهوفن عنيدا وقويا لا يستسلم ويحارب القدر. واعتبر أن حالة الصمم التي تعرض لها هي تحد يجب التغلب عليه :

“….حررني من نصف هذا المرض وأنا سأكون إنسانا كاملا وناضجا . أنا أشعر بالسعادة الغامرة على هذه الأرض . وأنا لا أتحمل الشعور بالتعاسة. سوف أمسك القدر من عنقه. لن يقدر على الانتصار علي . آه…كم أنت جميلة أيتها الحياة . وكم جميل أن تعيش فوق هذه الحياة ألف حياة ….”

لم يكن هناك بد من ترك مهنته كموسيقي ماهر على البيانو . لقد انغمس في التأليف الموسيقي وهذا درّ عليه دخلا أكثر مما كان يحصل عليه من العزف على البيانو خصوصا بعد أن حازت مؤلفاته على أذواق الجماهير . في عام 1802 م أرسله طبيبه إلى مدينة هيليجنستادت الواقعة خارج مدينة فيينا آملا أن السلام والهدوء الريفي سوف يريح سمعه . لقد أيقظ المحيط الريفي في بيتهوفن حب الطبيعة والريف وأعاد إليه الأمل والتفاؤل فأبدع أشهر سيمفونية تمثل الريف وشمسه (السيمفونية الثانية ). لكن عندما اكتشف أنه لم يتحسن عاد اليأس إليه . ومع حلول فصل الخريف شعر أن يتراجع عقليا وجسديا لدرجة أنه خشي أن لا يمضي الشتاء . لذلك كتب وصيته وترك تعليمات بأن لا تفتح إلا بعد وفاته. تعكس هذه الوصية حالة بيتهوفن العقلية أكثر مما عكسته موسيقاه التي كتبها , ونحن لا نلاحظ تأثير حالته العقلية في موسيقاه إلا في الأعمال التي ألفها مؤخرا . يقول :

“…….أيها الناس الذين تتهمونني بالحقد والعناد وكره البشر . إنكم تظلمونني لأنكم لا تعلمون السر في ذلك . منذ صغري وقلبي يفيض بمشاعر اللطف والطيبة. لقد كنت مستعدا لانجاز أعمال عظيمة. أنا الآن مريض منذ ست سنوات . لقد خُدعت وصُدمت بهزات عديدة على أمل التحسن . لكن كان علي مواجهة علة أبدية . لقد كان علي أن أنعزل بنفسي وقد أسيء فهمي لأنني لم أقل للناس (تحدثوا بصوت أقوى لأنني أصم ). أسارع بسرور للقاء الموت وعلى الرغم من هذا القدر القاسي. كنت أتمنى لو أنه تأخر كثيرا. لكنني راض لأن الموت هو الوحيد الذي سيخلصني من هذا الألم الدائم . تعال إذا أيها الموت وسوف أقابلك بشجاعة …”

هيليجنستادت ، 6 تشرين الأول 1802م

لقد كان مرض بيتهوفن مؤلما وقاسيا . في البداية كان يأتي متقطعا وضعيفا وعرضيا . لكنه في عام 1801 م يخبرنا بيتهوفن أن التشويش في السمع صار دائما. وصار لا يسمع الكلام الخفيض وصار الصراخ هو المفضل لديه. ثم تبين فيما بعد أن المرض خطف الأصوات الناعمة ثم الأصوات القوية وبعد ذلك بعشر سنوات صار بيتهوفن أصم بشكل كامل.

بيتهوفن في مرحلة النضوج :

كان بيتهوفن في مرحلة النضوج رجلا قصير القامة ، حسن البنية . ثم صار شعره داكنا ثم رماديا ثم أبيضا ثم كثيفا ثم فوضويا غير مرتب . تختلف الروايات حول لون عينيه . ويقال أن بشرته كانت مصابة بالبثور . لقد كان فمه نزقا في مرحلة الشباب ثم صار ثابتا فيما بعد وكأنه في مرحلة تعبير دائمة . ونادرا ما كان بيتهوفن يعتني بمظهره الخارجي. لقد كان يتجول في شوارع فيينا وشعره يخرج منفلتا من تحت قبعته .

كان بيتهوفن قليل الصبر متهور ومتعصب لأرائه وأحيانا غير منطقي. ثم أضاف الصمم عنصر الشك والارتياب المرضي . لقد كان يسيء فهم التعابير الوجهية وكان يتهم أصدقاءه الأوفياء بالتآمر وعدم الولاء. وكان ينفجر غاضبا تجاه أقل المشكلات إثارة ، وأحيانا يثور ويطرد أصدقاءه متهما إياهم بعدم الجدارة وأنهم لا يستحقون صداقته. وكان يكتب لهم رسالة في اليوم التالي معتذرا لهم عن سلوكه ويصفهم بالنبل والطيبة ويقول أنه أساء التصرف معهم .

حياة عاصفة :

بعد عودته من مدينة هيليجنستادت صارت موسيقاه أكثر عمقا فقد بدأ بيتهوفن يخلق عالما موسيقيا جديدا. وفي صيف عام 1803م بدأ العمل بالسيمفونية الثالثة “إيروكيا” وهي أغنية النصر التي تمجد نابليون بونابرت . لقد كانت تطابق محتواها في الثورية . وكانت معزوفة قصيرة لغتها غير متآلفة ولم يتقبلها الجمهور بسهولة للمرة الأولى . فقد كسرت هذه السيمفونية الشكل السيمفوني المعتاد وأسست شكلا موسيقيا جديدا ومنطقيا ومقنعا. ثم صارت هذه السيمفونية بحق إحدى معجزات بيتهوفن .

يروي ستيفان فون بريونغ الذي كان يعيش مع بيتهوفن شيئا يخص السيمفونية الثالثة ” إيروكيا ” حيث يقول أنه في كانون الثاني عام 1804م وصلت أخبار تقول بأن نابليون المدافع عن الحريات العامة والحقوق الشعبية قد توج إمبراطورا . وعندما عرف بيتهوفن بالخبر ، غضب كثيرا واتجه مسرعا إلى نص السيمفونية التي حملت الإهداء إلى نابليون بونابرت وشطب اسم نابليون من الإهداء بعنف وغضب ظاهرين لدرجة أن شدة القلم مزقت الورقة من شدة الهيجان والغضب.

وعندما سئل عن السبب في تصرفه أجاب بيتهوفن قائلا : ” هو الآخر ليس أكثر من إنسان وسوف يصير دكتاتورا ويعصف بحقوق الناس . ” وهذا ما حدث.

في السنوات التالية وتحديدا بين عامي 1804- و1808 م عاش بيتهوفن في مدينة فيينا حياة توصف بأنها حالة من الاهتياج والزئير المتوحش فقد كانت علاقاته تعاني من التشتت والتشظي والانقسام وكانت موسيقاه في هذه الأثناء تنمو بسرعة وقوة .

لقد أحب بيتهوفن العديد من النساء لكنهن كن جميعهن من الطبقات الراقية ومن النوع صعب المنال ولذلك لم يتزوج قط .

اكتملت سيمفونياته الخامسة والسادسة مع حلول صيف عام 1808 م . ونجد أن السيمفونية الخامسة تمسك بخناق القدر أما السيمفونية السادسة ” الريفية ” فقد كانت تصويرا جميلا للحياة الريفية في قرية هيليجنستادت وهذه الأعمال وغيرها مدت اسم بيتهوفن وشهرته عبر الآفاق.

في تموز عام 1812 م كتب بيتهوفن رسالة إلى امرأة غير معروفة يسميها “الحبيبة الخالدة ” وتعد هذه الرسالة بحق بليغة الحب وعميقة الإحساس تماما بنفس القدر الذي كانت فيه وصيته بليغة الحزن والأسى . يقول:

“…..يا ملاكي… يا كلي … يا أنا ….هذه الكلمات الصغيرة أكتبها اليوم وبقلم الرصاص …وأسأل نفسي لماذا يأتيني هذا الألم الشديد عندما تتكلم الضرورة ؟ لم يستطع حبنا الاستمرار والصبر رغم التضحية والقناعة . أيمكنك أن تتغيري؟ لا. أنا لست لك كليا …وأنت لست لي كليا ..”

لقد كانت الرسالة السابقة مفعمة بالحيوية والحركة والتدفق. فهل أرسلت للسيدة المقصودة أم لم ترسل ؟ لا ندري . هل كانت السيدة حرة أو متزوجة ؟ هل كانت الرسالة مكتوبة مسبقا أم لا ؟ لا ندري .

رغم كل ذلك ، لقد وجدت الرسالة في أحد الأدراج السرية في مكتب بيتهوفن بعد وفاته .

في تشرين الثاني عام 1815 م توفي أخ بيتهوفن ” كاسبار كارل ” وبعد ذلك تتابعت الأحداث المأساوية التي أوقفت بيتهوفن عن التأليف الموسيقي.

لقد كان موت أخيه والصمم وصوت مدافع نابليون أهم العوامل التي ساعدت في استفحال مرض بيتهوفن .

في عام 1823م اكتملت السيمفونية التاسعة ” الكورال” . وفي هذه الأثناء صار بيتهوفن أصم بشكل كامل . تبدأ السيمفونية بمشاهد حادة ومليئة بالألم , وعلى الرغم من الصمم . أصر بيتهوفن على قيادة الأوركسترا. ولكن غاب عنه أن القائد الحقيقي للأوركسترا كان يجلس في مكان لا يراه بيتهوفن . وعندما انتهت الحركة الأخيرة من السيمفونية لم يدرك بيتهوفن أن الموسيقا قد توقفت ، ولم يسمع انفجار الجمهور بالتصفيق الحاد تحية له . فتقدم منه أحد المغنين وأمسكه بذراعه وأداره برفق وحنان نحو الجمهور ليرى الاحتفاء المهيب بالعبقري الذي انتصر على مأساة صممه.

الأيام الأخيرة

في خريف عام 1826م ، أخذ بيتهوفن شقيقه كاسبار كارل إلى مدينة نيكسدروف لقضاء عطلة واسمها كما يقول بتهوفن مشتق من صوت الفأس . وهنا زار المقاهي وفي إحدى المرات وجد على طاولته صورة مرسومة لبيتهوفن المسكون بالعبقرية وعليها تعليق قصير يقول :

” ….في الساعة الخامسة والنصف ، كان يجلس على الطاولة يضرب الزمن بقدميه ويديه ويهمهم ثم يكتب . وبعد الفطور يسرع نحو الخارج ويتجول في الحقول. ينادي ويلوح بذراعيه ثم يتحرك ببطء ثم يسرع كثيرا ثم يتوقف فجأة ليخرج شيئا من جيبه ويكتب ….”

في كانون الثاني ، عاد بيتهوفن إلى فيينا مع أخيه حيث أصيب بالتهاب الرئة وبعد أن شفي تماما ، أصيب بالتهاب الكبد. في شهر آذار ، ساءت حالته بشكل مأساوي فاجتمع حوله الأصدقاء المخلصين مثل ستيفان ، صديقه المخلص الذي أحضر عائلته مع صديقه شوبرت وقدموا له كل الاحترام . وفي الساعة الخامسة وخمس وأربعون دقيقة من بعد ظهر 26/آذار/ 1827 م حدثت عاصفة قوية فامتلأت غرفة بيتهوفن بالضوء واهتزت للرعد :

“…. فتح بيتهوفن عينيه ورفع يده اليمنى لعدة ثوان بتعابير صارمة وقاسية على وجهه ، وعندما عادت يده إلى مكانها ، أغمضت عيناه نصف إغماضة أخيرة حيث لم يسمع منه كلمة أو دقة قلب بعد ذلك الحين ….”

لقد كان شوبرت وهومل أحد عشرين ألف شخص حزنوا على بيتهوفن ومشوا في جنازته حيث ووري الثرى في مقبرة وورينغ . وفي عام 1888 م نقلت رفاة الرجل إلى زينتالغروف في مدينة فيينا حيث يوجد مدفن عظيم للموسيقيين الكبار ورقد إلى الأبد بجانب صديقه الصدوق شوبرت .

خاتمة :

لقد أحدث بيتهوفن ثورة في الموسيقا الكلاسيكية حيث كسر القواعد التي كانت سائدة لعدة قرون وأثر في جميع الموسيقيين الذين أتوا بعده. لقد قدّم للناس موسيقا رائعة أعطته الشهرة والخلود .

المصادر :

The Great Composers , London , 1985.

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.