الأثنين. ديسمبر 9th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

البيـريستـرويكـا العـربيـة

1 min read

المفكر أحمد كرفاح


المفكر العربي الأستاذ أحمد كرفاح  – الجزائر – شموس نيوز

إن الحرية السياسية في المذهبية الإسلامية تتجسد في مبدأ الشورى الذي يعمل في إتجاهين ٠أولهما أساسي ويتمثل في إنشاء السلطة وفي إنتقالها وتداولها وما تتطلبه العملية السياسية من أدوات تنظيمية وعلى رأسها الأحزاب السياسية الشرعية التي تمثل إحدى الضرورييات العملية والواقعية للعملية السياسية٠ ثم بعدد قيام السلطة ووضوح مهامها وتوصيف وضائفها ورسم إختصاصات ومسؤوليات موظفيها ٠ تؤدي الحرية السياسية دورها كفن من فنون الحكم٠ فيكون من الواجب على الحكام أن يستشير المحكومين في المسائل التي تدخل في إختصاصاته إلا أنه ليس ملزم بإتباع الرأي المشور به٠ بل يكون له الخيارلأنه هوالذي يتحمل مسئولية القرارفي نهاية المطاف٠ إذن فالحرية السياسية هناتعد ذات قيمة سياسية إيجابية لماتنطوي عليه وتتطلبه من وسائل وإمكانات تنظيمية تؤدي في نهاية المطاف إلى حماية الشخصية الإنسانية ٠ لفتح المجال لإنطلاق هذا الأخير صوب تحقيق مبدأ الخلا فةالعمومية٠ وما يتطلبه هذا المبدأ من خلق حضارية وإنسانية رشيدة تكفل للشخصية الإنسانية هناءة العيش في الدنيا وطيب المقام في الآخرة٠ ثم أعود فأقول إن إدراك القيمة الإيجابية للحرية السياسية يتطلب منا تربية الفرد عليها منذ صغره بحيث لا يصل إلى مرحلة المسؤولية إلا ويكونن قد تشبع بها ٠ وبهذا تكون الشورى طابع الجماعة وأداة لإدارة الحككم وتداولة بصورة سليمة٠ ومن هنا فإننا ندرك الأسباب التي تعوق إزدهار الحرية السياسية في العالم العربي ٠ خاصة وأنه لن يتحقق ما يسمى بالديموقراطية اليوم إلا بإلتقاء الحاكم والمحكوم في مفهوم الشرعية وما تصدر عنها منن مشروعية بإقامة النظام السياسي الرشيد٠ على أساس تدرج السلطات ورقابة مبدأ الشرعية ٠ وكذا بالعدل في توزيع ناتج الدخل القومي من جهة والسماحح للرأي العام بتوجيه وضبط حركة النظام الإجتماعي العام على ضوء القواعد الشرعية من جهة ثانية والسماح من قيام نظام تعدد الأحزاب السياسية ٠ التي تمثل إحدى الضروريات العملية للرقابة على السلطة وتداولها بطرق سلمية ٠ وكذا قيام جماعات الضغط التي تمثل سلاحا سلميا من أسلحة الكفاح الشعبي للدفاع عن مصالح قائمـة أو للحصول عللى مصالح جـديدة ٠ وفي الأخير يمكن القول بأن الحرية اللسياسية هي الشرط الأول والأساسي لبناء الشخصية السوية القادرة على النهوض من الكبوة الحضارية التي يحياها العالم العربي في الوقت الراهن٠ إذن فالحرية السياسية هي الضمان الجوهري للخروج من محنة التخلف والتبعية وهي طبعا أساس العودة إلى الذات٠ فالحرية السياسية لكي تبنى على الأسس القانونية والواقعية يجب أن تضطلع المؤسسات التربوية والتعليمية وقادة الفكر والرأي بمهمة تربية الشعوب العربية على الشورى لأن الله دلنا على تغير الأوضاع والأحوال يتم بتغير الأنفس وأن إصلاح المحكومين أو فسادهم يفضي إلى إصلاح الحآكمين أو فسادهم٠ والأمم الحية لاتفرز إلا نظاما صالحا أما الأمم التي تذهب ريحها فتكون مرتعا خصبا لفرزالمستبدين٠كما أن إرساء نهج الديموقراطية على أساس مبدأ المشاركة من طرف المواطنين والعمل على توسيع هذا المبدأ يشمل حتى المرأة الجزائرية، وليتيح فرص تمثيل متوازنة لمختلف ولايات الوطن يتطلب اليوم بذل جهد واهتمام كبيرين من الآن، وهذا لإعداد المواطن الجزائري وتهيئته بصورة متكاملة لما فيه صالح شعبه، تهيئة ذات بصيرة متكاملة ونافذة وتقدير سليم للأمور ليتمكن من خدمة بلده ومن المشاركة في صنع القرار الصحيح على كل المستويات التي تختلف باختلاف موقعه في البنيان الاجتماعي، وهذا ما يتطلب قبل كل شيء ديمقراطية متكاملة الجوانب التنظيمية والمؤسسية، فهذه الديمقراطية متكاملة الجوانب هي التي توفر مشاركة فاعلة وواسعة للمواطن الجزائري في صنع الحاضر وصياغة المستقبل في مختلف المجالات، وهذا طبعا من خلال مجلس شعبي وطني يمثل فيه كل ولاة الوطن وأيضا من خلال مجلس الأمة، وهنا نفتح قوسا بالنسبة للمجلس الأخير، يعني مجلس الأمة، يجب أن يكون هذا المجلس يضم خبرات جزائرية متميزة وعلى نحو يفسح المجال للمرأة الجزائرية والشباب للاضطلاع بدور حيوي، وعلى أساس هذا التقدير الرفيع للمواطن الجزائري على المسؤولين في الهيئة التنفيذية (أعضاء الحكومة) وكذا المسؤول الأول في البلاد، الانتقال والقيام بجولات إلى المناطق والولايات، وجعل هذه الجولات سمة من السمات المميزة والفريدة بين المسؤول والمواطن على طول البلاد وعرضها، فخلال تلك الجولات التي ينتظرها المواطن عادة في كل سنة ليعبّر عن تقديره وولائه وعرفانه لمسؤوليه، تجرى المناقشات حول العديد من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وبرامج الحكومة وأولوياتها بما في ذلك ضرورة العمل على تنويع مصادر الدخل الوطني وتشجيع الصناعة والتجارة والسياحة وإيضاح الإنعكسات الدولية، وآثار العولمة على الاقتصاد الوطني وكيفية التعامل مع كل ذلك، وكذلك حول الاقتصاد الوطني السليم وكيفية تحقيقه من خلال التعاون والتنسيق بين القطاع العام والقطاع الخاص والركائز التي ينبغي الاستناد إليها لتحقيق ذلك، والبحث عن الرؤية الاستراتيجية الكامنة في الشخصية الجزائرية مع عوامل القوة بالغة الأهمية في التاريخ والحضارة والتراث الجزائري، وهذا في إطار تتفاعل فيه كل الجهود وتلتقي فيه وتتضافر الأيدي في وحدة وطنية قوية وصلبة وإرساء قواعد المشاركة الوطنية المستمرة والواسعة النطاق في ظل مسؤولية البناء وبعث روح التضامن والتكافل والشعور بالهوية الوطنية من جهة، وإرساء واستكمال أسس الدولة العصرية ودعائم الاقتصاد الوطني القادر على النمو الذاتي واستكمال البنى التحتية في مختلف المجالات وفي كل الولايات. من جهة ثانية، ومن أجل هذا كله تتم الجولات والزيارات الميدانية وتعقد المشروعات
ومواقع العمل والإلتقاء بين المسؤولين والمواطنين للتطلع على المشاكل التي يعانيها المواطن الجزائري وتطرح الآراء بشكل تلقائي وعفوي مباشرة خلال هذه اللقاأت مع المواطنين حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ثم تتحول إلى واحدة من أهم أدوات التنمية السياسية للمواطن عبر ما يطرحه المسؤول من نماذج ومواقف وحلول عملية، كما يمكن القول بأن هذا الدور الحيوي الذي يجب أن يحرص عليه المسؤول، وهو الإلتقاء المباشر بالمواطنين والانتقال إليهم في القرى والجبال والصحاري والتجمعات الصغيرة المنتشرة على امتداد أرض الجزائر الطيبة ومعايشتهم والحديث إليهم والاستماع منهم في لقاأت مفتوحة يشارك فيها الجميع وتطرح خلالها مختلف القضايا والموضوعات التي تهم الوطن والمواطن دون حواجز وبروتوكولات في صيغة جزائرية فريدة للمشاركة الوطنية، حيث يطرح المواطنون ما يجول بخواطرهم أمام مسؤولهم الذي يجب أن يتحدث فيها المسؤول إلى مواطنيه وفتح الحوار بعد ذلك بتلقائية وعفوية يلتمس المسؤول من خلاله نبض واهتمامات المواطنين مع توجيههم نحو الأولويات الوطنية اقتصاديا واجتماعيا في مختلف المجالات الأخرى، وهذا ما يعزز مسيرة التنمية الوطنية ويمنحها دوما المزيد من الحشد للطاقات الوطنية سواء في الإطار التنظيمي أو على المستوى الاجتماعي الجماهيري الواسع. وعبر هذه الرؤية الاستراتيجية، ستتسع عملية المشاركة ويلعب كل مواطن دوره في عملية البناء والتنمية تحقيقا لمزيد من فعالية المشاركة وزيادة آثارها خاصة عندما تكثر هذه اللقاأت مع المواطنين، ومتابعة احتجاجاتهم وحل الصعوبات وإيضاح أية أمور يطرحونها، ما يزيد من تحقيق التفاعل والتكامل المستمرين بين المسؤول والمواطنين في مناطق إقامتهم بالانتقال إليهم ومعايشتهم، ما يجعل المواطن يحظى بالعناية واسعة النطاق في مختلف المجالات ليكون قادرا على القيام بدوره كشريك في عملية البناء الوطني مع الإيمان بقدرة المواطن على المساهمة والمشاركة وعلى العطاء والإبداع وتحمّل المسؤولية الوطنية ومع العمل على تسليحه بكل عوامل النجاح وتوعيته بالفكر الثاقب والرؤية بعيدة النظر والإرادة الصلبة، وهذا في ظل اقتصاد وطني أساسه العدالة ومباءئه مبادئ الاقتصاد الحر وقوامه التعاون البنّاء المثمر بين القطاع العام والقطاع الخاص، وهذا ما يؤدي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطن، حيث من خلال هذه الصيغة الفريدة تمتد دائرة الديمقراطية ويتسع الأداء ليشمل الكثير من أبناء الوطن، بحيث توسع هذه الزيارات السنوية، مادامت عبارة عن حوافز وطنية سنوية، تتسع لمختلف القضايا التي تهم الوطن والمواطن وفي مختلف المجالات، وعلى نحو يؤكد التواصل الرابط بين أبناء المجتمع وحفز المواطن على المشاركة في إدارة شؤونه بغض النظر عن مكان إقامته سواء كان في العاصمة أو في إحدى المناطق النائية، كما لا يفوتني القول بأن تحمّل متاعب ومصاعب السفر من أجل الوصول إلى المواطن والتعرّف على احتياجاته والإستماع إليه والإستجابة لمطالبه وفق الإمكانيات المتاحة يزيد من التآزر والتلاحم على كل المستويات في إطار الأسرة الجزائرية المترابطة والمتحابة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يجب الحرص على مواصلة خطوات العمل جنبا إلى جنب في جهود متوازنة ومنتظمة في مجالات التنمية المختلفة لتحقيق المزيد من البناء والتطوير ولتعزيز الأمن والأمان لهذا الشعب الأبي الذي يعتز بماضيه العريق، ويباهى بحاضره المشرق ويخطو بثقة وتفاؤل نحو مستقبله الواعد المضيء، لذا يجب وضع المواطن هو أداة التنمية وصانعها، وهو إلى جانب ذلك هدفها وغايتها. وفي هذا الإطار الواضح والمتكامل ستتضافر الجهود لرعاية المواطن الجزائري في كل المجالات التعليمية والتأهيلية والتدريبية والعمل على إيجاد فرص العمل المناسب للمواطن، وتوفير الرعاية له عندما يواجه ظروفا صعبة أو طارئة انطلاقا مما عرف به المجتمع الجزائري دائما من تكامل وترابط عميقين مع العناية والرعاية لمختلف شرائح المجتمع خاصة تلك الشريحة التي تجسد الأمل الواعد للأمة في المستقبل ألا وهي شريحة الشباب التي تمثل رصيد القوة في المجتمع الجزائري وطاقته الحيوية التي تنطلق بهم وتعود إليهم عملية التنمية الوطنية وثمارها.
هذا ما يجعلنا نقول إن تنمية الطاقات والموارد البشرية في بلادنا يجب أن يشكل هدفا محوريا وقاعدة أساسية لجهود التنمية الوطنية، وأن تحظى عملية التكوين والتدريب باهتمام عميق ومتواصل من جانب المسؤول الأول في البلاد، انطلاقا من القناعة بأن العنصر البشري سيظل هو حجر الزاوية في حياتنا المعاصرة مهما بلغت التكنولوجية من تطور، فسيظل الإنسان سيدها.
ومن هنا يمكن القول بأن من أبرز عوامل النجاح في بناء دولة عصرية وقوية واقتصاد متطور هو اهتمام المسؤول بالمواطن ومنحه الأولوية الأولى باعتباره قطب الرحى الذي تدور حوله كل الأهداف وتحقق من أجله كل المنجزات وتعد في سبيل تنشئته وإعداده مختلف الخطط والبرامج والمناهج، إنها الحقيقة التي يجب أن يؤديها كل فرد ويعمل في ضوئها كل مسؤول، كما يجب أن تحظى العلاقة الحميمة بين المسؤول والمواطن بالرعاية والعناية حتى تترعرع المحبة والعطاء اللامحدودين ليمتد بشجرته الوراقة إلى كل ربوع الأرض الجزائرية الطيبة، وعبر الاستجابة القوية والواسعة لكل ما يحدده ويراه المسؤول، خاصة وأن المواطن هو أداة التنمية بمختلف أساليبها ووسائلها من توفير الحياة الكريمة للفرد والمجتمع بقدر ما تكون تنمية ناجحة جديرة بأن يسعد القائمون عليها ويفخروا بنتائجها الجيدة ويعتزوا بآثارها الطيبة، ذلك ما يجب أن يؤمن به كل جزائري وما يسعى دائما إلى الحقيقة.
لكن قبل هذا، يمكن القول بأن البداية بالتعليم هو البوابة الحقيقية لبناء التقدم، لذا فإن تطوير التعليم لتحقيق التنمية البشرية المستمرة هو عملية يجب أن تكون متواصلة لسد احتياجات التنمية من الكوادر الوطنية المؤهلة من ناحية والإعداد للمستقبل للدخول في المراحل القادمة ونحن مسلحين بالوعي الذاتي بالهوية الوطنية وقادرين في الوقت نفسه على التفاعل مع أدوات العصر في كل المجالات من ناحية ثانية، لأنه من السمات المؤهلة والمتخصصة القادرة على الإطلاع بدورها في مجالات التنمية الوطنية٠هذا طبعا ويبقى القول بأن الوضعية التي نعيشها اليوم ما هي إلا حلقة من السلسلة التي بدأت بأزمة ،1962 لقد خرج الشعب الجزائري منهكا من حرب التحرير، فلم يقاوم بالقوة المطلوبة عملية إبعاده تدريجيا من النظر في شؤون البلاد، وهذه الأحداث كانت منتظرة، والخشية اليوم أن تدخل البلاد في دوامة من الصراع الذي لا يبقى ولا يذر إن لم نسارع في إيجاد حل عادل وعاجل، لأن هذه الأحداث قد دلت على أن الجزائر أصبحت بحاجة إلى تغيرات جذرية في الأفكار والأشخاص والممارسات لا سيما إشراك الشعب في إدارة شؤونه، ذلك أن أية حكومة لا تتعاون مع الشعب لا يمكن أن تحقق شيئا. ومادام مستقبل الجزائر بيد شبابها الذي لم تدنسه بعض الممارسات السياسية المتعفنة، فإننا نرى أن الذين تولوا مسؤوليات في السابق وأوصلوا البلاد إلى هذه الأزمة حتى وإن كانوا قد لعبوا دورا تاريخيا كبيرا في تحرير الجزائر، فإنهم قد شاخوا وتخلفوا عن ركب المجتمع الجزائري الذي يتغير ويتقدم ويطالب بالأفضل، لأن هناك أفكارا ولدت، وأن هناك نقاشات فتحت، وأن هناك من يطالب بحقوقه ويحاكم جيلا آخر، وهذا بلا شك سيجعل الأمور أفضل، أقول هذا لماذا؟
لأن الواجب الوطني يفرض علينا كمواطنين جزائريين مخلصين لهذا البلد الطاهر وهذا الشعب العريق والأصيل، المشاركة في البحث مع المخلصين عن شيء من المنطق في معالجة شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بعيدا عن الانحياز الأعمى والمغالطات الجدلية من أجل الوصول إلى حقيقة الداء واكتشاف الدواء الذي هو في رأينا ونظرنا الديموقراطية في معناها الصحيح تحقيقا لهدفين إثنين نحرص عليهما ونعمل على تحقيقها في أقرب وقت ممكن.
الأول: أن تعرف الجزائر طريقها إلى علاج مشاكلها بجدية دون أن تترك نفسها لمزيد من التجارب العشوائية الفاشلة.
الثاني: أن نجنب البلاد ونجنب الشعب الجزائري الذي تحمّل حتى الآن فوق طاقته من تراكم المشكلات وآثارها وحتى لا ينزلق إلى مخاطر أخرى قد تعطل مسيرته نحو المستقبل، فالوقت لا يزال متسعا لعملية إصلاح حقيقية قبل فوات الأوان. وإذا كنا نؤمن بأن الديمقراطية كفيلة بالخروج من المأزق، فإن علينا أن ندعو كل صاحب رأي أن يضع رأيه أمام الشعب، وعلينا جميعا أن نقبل بما يختاره الشعب.
منطلقات المرحلة:
1ـــــ الثوابت الوطنية: نحن نرى أن الثوابت الوطنية، الإسلام واللغة العربية والأمازيغية والنظام الجمهوري، هي ركائز أساسية تبنى عليها وحدتنا الوطنية، وهي تمثل روح التشريع في الجزائر، وبالتالي فإن أي تشكيلة سياسية لا بد أن تبني مشروعها وبرنامجها على هذه الركائز الأساسية، وإذا خرجت عن هذا الإطار فإنها تكون قد خرجت من كيان الشعب الجزائري، شريطة أن لا تستعمل هذه الثوابت كشعارات لتحقيق أغراض حزبية ضيقة، بل إن هذه الثوابت تمثل الروح بالنسبة لأي مشروع تتبناه أية شريحة من شرائح المجتمع الجزائري، وهذا معناه أن كل مشروع يقام في الجزائر يجب أن يقام في إطار المبادئ الإسلامية، وهذا محافظة على أمانة أسلافنا التي وردت في بيان أول نوفمبر ٠1954
2ـــــ الدستور: يجب أن يكون الدستور الجزائري صادر عن إرادة الشعب، تعده لجنة مختصة يختارها الشعب ويثق فيها، وهذا معناه أن يكون الدستور صادرا عن إرادة الشعب لكي تلتزم به الحكومة وليس الحكومة هي التي تصدر الدستور لتفرضه على الشعب، لذا نرى أنه يجب تشكيل لجنة مختصة من أساتذة القانون العام وعلماء الشريعة وعلم النفس والاقتصاد والاجتماع لمراجعة واقتراح تعديل الدستور، وهذا التعديل يقوم على عدة ضمانات.
إننا نعهد بالمهمة لمن هو أجدر بالقيام بها، وهم علماء الاختصاص، احتراما لعلمهم وتقديرا للعلم في ذاته على أن تمارس هذه اللجنة عملها بعيدا عن الوعود بالمناصب لكي تجعل أمانة المواطن ومسؤولية العلم هذا الدستور الذي تقترحه هذه اللجنة يحظى برضى الشعب، كما أن الدستور في دولة ديمقراطية حقيقية يتضمن في نصوصه طريقة تعديل أي حكم من أحكامه بشرط أن تثبت التجربة ضرورة هذا التعديل، وأن تصدر نزولا عند رأي الأغلبية، وهذه الطريقة تجتمع لها عدة مزايا أهمها إتاحة الفرصة الكافية أمام التطبيق الفعلي لكل حكم من أحكامه وعدم التسرع في التشريع، إلى جانب التسليم للأغلبية بأنها صاحبة القرار. ومع أهمية النص المراد تعديله يشترط الدستور الديمقراطي أغلبية تتناسب مع هذه الأهمية، فهناك نصوصا يحتاج تغيرها إلى الأغلبية المطلقة، كما أن هناك مواد أخرى يتم تعديلها بنسب تتفق مع أهمية التعديل.
أقول هذا لماذا؟
لأن الدستور هو القانون الأساسي للدولة، وبصفته النظام الأساسي لها فهو يكتسي أهمية لأنه يمثل الإطار القانوني الذي يتحرك المجتمع الجزائري في نطاقه وتستمد أجهزة الدولة المختلفة أسس ونطاق عملها ودورها وتحتكم إليه كذلك، ومن ثم فإنه لم يكن مصادفة أن يصدر هذا النظام بعد قرن وثلاثين سنة من الاستعمار وبعد خمسين سنة من الاستقلال تقريبا، يعني بعد خمسين سنة من العمل والجهد الشاق، يقنن الكثير من القوانين منذ أن استقرت عليه حركة المجتمع الجزائري خلال تلك السنوات من ناحية، وليتجاوب مع تطلعات وطموحات المواطنين ومتطلبات المرحلة المقبلة للتنمية الوطنية من ناحية ثانية، وليجيب على كل التساؤلات بوضوح ودقة، وتجرد من ناحية ثالثة.
إن نظرة سريعة لما احتواه النظام الأساسي للدولة من مبادئ وقواعد وأحكام، ولما يمثله من أسس في مختلف القوانين التي تصدر في الجزائر، كافية بأن يوفر أقصى حماية وضمانات للحفاظ على حرية الفرد وكرامته وحقوقه وعلى نحو يكرس حكم القانون على أرفع المستويات المعروفة دوليا، ولا غرار ذلك فقد احتل الإنسان الجزائري دوما مركز الاهتمام ومقدمة الأولويات، ومن ثم فإنه يكرس واقعا قائما عاشت وتعيش فيه الجزائر أكثر من أنه يوجد أوضاعا جديدة، ومع ذلك فإن النظام الأساسي للدولة يتمثل في الإطار القانوني المرجعي الذي يحكم عمل السلطات المختلفة ويفصل بينها وعلى أساسها وفي ظله تتحدد كل القوانين والخطوات والسياسات الأخرى ولذلك منذ أن تم إصداره أصبح مرجعا وأساسا لكل ما صدر بعده من قوانين، وهذا يعني أن هذا النظام جاء لتأكيد المبادئ التي وجهت سياسة الدولة في مختلف المجالات خلال الحقبة الماضية وتصميما على مواصلة الجهد من أجل بناء مستقبل أفضل يتميز بمزيد من المنجزات التي تعود بالخير على الوطن والمواطنين وتعزيزا للمكانة الدولية التي تحظى بها الجزائر ودورها في إرساء دعائم السلام والأمن والعدالة والتعاون بين مختلف الدول والشعوب. ومن جهة ثانية، فإن النظام الأساسي للدولة عادة يشكل مع الرؤية المستقبلية للاقتصاد جناحي الانطلاق إلى آفاق المستقبل، إذ أنهما يشكلان معا ليس فقط الرؤية الواضحة والمتكاملة لما ينبغي القيام به، ولكن أيضا الأساس الذي تعمل في نطاقه كل القوى والهيئات والأجهزة الوطنية والمواطنين كذلك، وصولا إلى الغايات الكبرى التي يحددها المسؤول والقاضي الأول في البلاد، كما لا ننسى بأن النظام الأساسي للدولة هو الذي يبلور أسس وقواعد حكم القانون ودولة المؤسسات ومبادئ العلاقات مع الدول الأخرى، وفي ضوء ذلك يتكامل بناء الوطن داخليا وخارجيا٠٠٠ يتبع
ا