التّحيّر أوّل منازل الوصول

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 5:20 صباحًا
التّحيّر أوّل منازل الوصول

بقلم مادونا عسكر/ لبنان

“طوبى لمن حار” (ابن عربي)

يقول الشّيخ عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي في كتاب المناظر الإلهيّة: “الحيرة هي عين الثّبوت. ونهاية ما يعبّر عنه في هذه الحيرة وهذا العجز بأن يقال: إنّه يجد كمالاته الإلهيّة الّتي هي له، على ما هي عليه من عدم النّهاية الّتي يعجز العلم عن الإحاطة بها من حيث أنّها لا نهاية لها”. ويقول الشّيخ السّراج الطّوسي في كتاب اللّمع: “والحيرة بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأمّلهم، وحضورهم وتفكّرهم، تحجبهم عن التّأمّل والفكرة. والتّحير: منازلة تتولّى قلوب العارفين بين اليأس والطّمع في الوصول إلى مطلوبه ومقصوده، لا تطمعهم في الوصول فيرتجوا، ولا تؤيسهم عن الطّلب فيستريحوا، فعند ذلك يتحيّرون”.

وبين الحيرة والتّحيّر يغرق ابن الفارض في حوار داخليّ عميق ذي اتّجاهات ثلاثة. الأوّل باتّجاه الحبيب والثّاني باتّجاه القلب والثّالث باتّجاه الذّات، فيبدو حواراً متكاملاً لكنّه يصبّ في وحدة العشق. الوحدة الّتي تمتزج فيها الذّات مع نور العشق الجاذب الّذي يتوق إليه العاشق وهو سابح فيه. إنّه رجاء الرّؤية والعذاب الّذي يمزّق قلب العاشق حتّى يبلغ الدّهشة. وتبلغ الحالة العشقيّة أوجها عند اشتعال القلب من شدّة الاشتياق لكنّ العاشق لا يكتفي ويطلب المزيد. بل إنّه من شدّة العشق يثمل ويسأل مزيداً من الثّمالة:

زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً وارحمْ حشًى بلظى هواكَ تسعَّراً

في طلب المزيد من التّحيّر لذة الشّوق الكامنة في القلب الّذي يرجو قرب القرب ورؤية المحبوب. لكنّه يعلم أنّ الرّؤية قد تحجب عنصر الشّوق حيث إنّه إذا رأى بطل الرّجاء. ويتألّم بشدّة في هذا النّزاع، بين نار التّوق ورغبة الرّؤية. لعلّ هذه الحالة هي ذروة العشق، كأنّ العاشق أمام مرآة يهمّ للمس اليقين لكنّ الزّمان والمكان يحاصرانه.

فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي: لن تَرَى وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقة ً

في الوعي العشقيّ إدراك تام لطبيعة الحبيب، بمعنى أنّه يستحيل لقاؤه حسّيّاً في قلب الزّمن. لكنّ هذا الأمر لا يلغي السّؤال، فالعاشق يريد أن يرتاح من عذاب الاشتياق لأنّه بلغ ما بلغه من يقين تام بحضور المعشوق. وللحضور قوّة تستحوذ على الحواس أكثر ممّا يُظنَ. فيشعر العاشق كأنّه على بعد خطوة من هذه الرّؤية، وما يلبث أن يأسره المكان. فيضيق ذرعاً ويلتمس الرّؤية كظامئ في الصّحراء إلى قطرة ماء. فالرّؤية هنا ليست بالمعاينة الماديّة بقدر ما هي تنعّم بالجمال الأعلى. فالعاشق يرى ضمناً، لكنّه يريد أن يرى حقّاً (وإذا سألتك أن أراك حقيقةً). واستناداً إلى قول ابن الفارض نفهم أنّه ينعم برؤى القلب لكنّه يرجو رؤية وجهاً لوجه. ما يحيلنا إلى قول القدّيس بولس: “فإنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذ وجهاً لوجه.

(1كورنثس 12:13). في الآن تتجلّى المعرفة العميقة في القلب فيتراءى المحبوب الحبيب واضحاً للعمق الإنسانيّ. لكن حينئذٍ، عند امتزاج العاشق بالمعشوق يكون اللّقاء وجهاً لوجه.

تلتبس المعاني عند ابن الفارض من جهة تعريف الحياة، ولهذا الالتباس فهم خاص عند الصّوفيّة أو في النّزعة الصّوفيّة. فمفهوم الحياة عند العاشق مغاير للمفهوم العام. ولعلّه لا يرى في هذه الحياة إلّا موتاً بانتظار الحياة الحقيقيّة.

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة ، فَمُتْ بِهِ صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

الغرام، العذاب الشّديد، هو الحياة، أي أنّ ما يحياه العاشق ليس سوى أنفاس تساعد الجسد على رجاء الحياة بالفعل. كأنّ الغرام رحلة مقدّسة نحو الحبيب، والموت به حياة. وعلى الرّغم من شقاء هذه الرّحلة وعذاباتها إلّا أنّها حقّ للعاشق وحقّ له أن يموت عشقاً وألماً وإلّا انتفى مفهوم الحياة. فالحياة الظّاهريّة ليست سوى قشرة، تنهار بطرف عين. لكنّ في عمق العاشق حياة أبديّة، بها يحيا ومنها يستقي عشقه وإليها يصبو. ويمسي عاشقاً رسولاً بل نبيّاً ومثالاً يحتذى به، بل كتلة عشق تتنقّل في العالم تبشّر بالحبيب. فعناصر العشق، الشّوق، والألم، والرّجاء تُخرج العاشق من العالم وتفصله عن المحسوس مجازاً. فيتأمّل التّاريخ الإنسانيّ بشفقة ويسعى جاهداً لإرشاده للطريق المستقيم، طريق العشق. فهو العالم بقيمة الحياة، والمتيقّن أنّها تبدأ هنا لتكتمل مع الحبيب. وكلّ ما دون ذلك أيّام تمضي هباء.

قُل لِلّذِينَ تقدّمُوا قَبْلي، ومَن بَعْدي، ومَن أضحى لأشجاني يَرَى

عنّي خذوا، وبيَ اقْتدوا، وليَ اسْمعوا، وتحدَّثوا بصبابتي بينَ الورى

وفي غمرة العشق، والشّوق المستعر، تتجلّى العلاقة متفرّدة بين العاشق والمعشوق. العلاقة السّرّ الّتي لا يدركها سواهما. ونرى أنّ ابن الفارض يكشف عن بعض هذا السّرّ فبعد الظّمأ إلى الرّؤية ينكشف له شعاع من النّور في خلوة مع الحبيب، حتّى إذا ما رأى ما يقوى على رؤيته بلغ الدّهشة والذّهول، وغرق في الثّمالة بعد الشّرب من كأس المحبّة. إنّه سرّ الجمال الأعلى غير المنطوق به. فالرّائي يتمتم إذ يعاين الجمال ولا يقوى على التّعبير أو الوصف. وينطبع جمال الجمال على وجه العاشق، فيصير معروفاً عند النّاس كما عند الحبيب. فالبحث عنه هو البحث عن الجمال، وكلّ من بحث عن الجمال كان يبحث عنه. وكلّ من لامس طرفه فهم سرّ الجمال. وكلّ من عشقه انطبع بجماله حتى امتزج به وحيا في دهشة الأبد واستحالت لغته إلهيّة:

فأدِرْ لِحاظَكَ في مَحاسِن وَجْهِهِ، تَلْقَى جَميعَ الحُسْنِ، فيهِ، مُصَوَّرا

لوْ أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورَة ً، ورآهُ كانَ مهلَّلاً ومكبِّراً

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.