الثلاثاء. أغسطس 20th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الحبّ لغة الدّخول إلى قلب الله

1 min read

مادونا عسكر – لبنان – شموس نيوز

لن تعرفه هناك ما لم تعرفه هنا.

والمعرفة قيد الحبّ والحسّ. بالحبّ تعرفه لأنّه الحبّ وبالحسّ تعرفه، لأنّه لا يبخل عليك بذاته.

لا بدّ من أنّ كلّ الّذين أحبّوا الله عرفوه حسّيّاً. أي أنّهم شعروا بحضوره يقينيّاً وعاينوه حقيقةَ. لذلك ذابوا عشقاً وهاموا به حتّى الموت. لكن كيف يمكن للإنسان أن يحبّ الله بإنسانيّته؟ وكيف للمتجذّر في الزّمان والمكان أن يخرج من ذاته ويعانق الضّابط الكلّ الّذي لا يسعه مكان ولا يحتويه زمان؟ لعلّ هذه التّساؤلات هي منبع العشق الحقيقيّ، ولعلّها السّبب الرّئيسيّ للألم الّذي يجتاح قلب العاشق المتلهّف للذّوبان في الذّات الإلهيّة.

يحبّ الإنسان الذّات الإلهيّة المبادرة أوّلاً بالحبّ، ويعبّر لها عن حبّه، ويناجيها ويتأمّلها بإنسانيّته، وهو يعي أنّه مهما بلغ من هيام يبقى قلقاً حتّى يستريح في ذروة اللّقاء، أي لحظة الانتقال من الحياة بالقوّة إلى الحياة بالفعل. وما هذا القلق إلّا إمعان في التماس الحضور الإلهيّ الحسّيّ الّذي لا تدركه الحواس الخارجيّة، وإنّما يبلغه الحسّ الإنسانيّ. وكأنّي بالجانب الإلهيّ في الإنسان ينتفض لحضور الله. وكأنّي بالإنسان لا يبلغ إنسانيّته إلّا إذا دفن بشريّته لتحيا إنسانيّته.

إنّ العابدين لله يرقبونه من بعيد ويقتربون منه بخطى ثقيلة، لأنّ الظّاهر يرهقهم، والحرف يأسرهم، والحواس الخارجيّة تمتصّ الضّجيج فلا يميّزون الحضور الإلهيّ. وأمّا العاشقون، فتجذبهم حبال المحبّة الإلهيّة، فيسخّرون الحواس لخدمة المحبّة ويتحرّرون من نير العالم. العبادة مرحلة في حياة الإنسان تنتهي بحلول العشق وتغلغله في الكيان الإنسانيّ. فلا تعود العبادة هي الأساس، وإنّما العشق هو المحرّك الوحيد للإنسان باتّجاه الله. فترتبط إنسانيّة الإنسان بألوهيّة الله، وتعصف نسمة الحياة بالإنسان فتُخرجه من ذاته وتُطلقه حرّاً من بشريّته، فيعاين إنسانيّته الّتي لا يتعرّف عليها إلّا بقدر ما يقترب ممّن نفخ فيه نسمة الحياة. وبقدر ما يقترب يغترب. وبقدر ما يغترب يمتزج بالمحبّة الإلهيّة وينصهر بها. وبقدر ما يغرق في الله ينجو من الضّجيج ويثبت في سلاميّة الصّمت ونضج الرّؤية وفرح الثّبات في الله. لذلك فالإنسان إنسان بمقدار ما ينزف حبّاً للألوهة. والإنسان إنسان بقدر ما يحترق بنار الله حتّى تتلاشى بشريّته وتبقى الإنسانيّة.

إذا كان الله قد صنع الإنسان على صورته كمثاله، فلا ريب أنّ هذا الإنسان معدّ للّقاء بالله. ولا ريب أنّ هذا المرور في العالم ضروريّ للتّعرّف على الصّورة والمثال حتّى تمكن معرفتها في ما بعد. إنّ العاشقين القدّيسين المغمورين بالنّور الإلهيّ عاينوا “السّماء” هنا بإنسانيّتهم، لذلك كانوا يغرقون في الصّلاة لا كظاهر إيمانيّ وإنّما كلغة يتفاهمون بها مع المحبوب الإلهيّ ويعبّرون من خلالها عن حبّهم الّذي تعجز اللّغة الأرضيّة التّعبير عنه. فالصّلاة هي التّعبير لله عن الحبّ بكلام الله. إنّها يد الله الممسكة بيد الإنسان ويد الإنسان المتشبّثة بيد الله.

“السّماء” هي قلب الله. فإذا كان العاشق الهائم بالله يحيا السّماء هنا، فكيف تكون السّماء؟