الأحد. يوليو 5th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الحكم العطائية

1 min read

41) الحكمة الواحدة والأربعون :
(العَجَبُ كلُّ العجب مِمَّنْ يهرب مِمَّا لا إنْفِكَاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء له معه، فإنَّهَا لا تعمى الأبصار ولَكن تعمى القلوب التي في الصدور).
ما لا إنفكاك منه هو الحق تعالى وقضاؤه وقدره، وما لا بقاء له هو الدنيا أو ما تدبره النفس وتقدره، فمن أعجب العجائب أن يفر العبد من مولاه، ويتوجه بالطلب لما سواه، مع أنه لا انفكاك له منه، ولا محيد له عنه، إذ لا وجود له إلا منه ولا قيام له إلا به، فكيف يهرب منه بترك طلب معرفته، وبالتقرب به بامتثال أمره واجتناب نهيه، ويطلب ما لا بقاء له من حظوظ الدنيا الفانية التي إن لم تزل عنها في الحياة زالت عنك بالممات، فاطلب ما يبقى دون ما يفنى. من العجب كل العجب أن يهرب العبد مما لا إنفكاك له عن قدر الله وقضائه، ويطلب ما لا بقاء له من حظوظ تدبيره واختياره، إذ كل ما تدبره وتبرمه فسخه القضاء وهدمه . وهذا كله من عدم فتح البصيرة أو عماها.
42) الحكمة الثانية والأربعون :
(لا ترحل من كون إلى كَوْن فتكون كحمار الرَحَى، يسير والذي ارتحل إليه هو الذى ارتحل عنه، ولكن اِرْحَلْ من الأكوان إلى المكَوّنِ، وإن إلى رَبَكَ المنتهى).
الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى، وذلك كمن زهد في الدنيا وانقطع إلى الله، ويطلب بذلك راحة بدنه وإقبال الدنيا عليه. وكمن زهد فيها يطلب الخصوصية كإقبال الخلق والعز وتربية المهابة في قلوب الناس، أو زهد فيها يطلب الكرامة وخوارق العادات، أو زهد فيها يطلب القصور والحور فهذا كله رحيل من كون إلى كون، فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل والنهار وهو في موضعه، فالذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه، فمن كانت همته الحظوظ النفسانية فحاله حال حمار الساقية في السير دائم، وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب. وما زاد إلا نقصاً مع تعب. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: قف بباب واحد لا لتفتح لك الأبواب، تفتح لك الأبواب، واخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب تنخضع لك الرقاب. قال تعالى: “وإن من شيء إلا عندنا خزائنه”.
43) الحكمة الثالثة والأربعون :
(انْظُرْ إلى قَوْل الرسول صلى الله عليه وسلم : “إنما الأعْمالُ بالنِّياَّتِ وإنما لكل امرئ ما نوى، فَمَنْ كانت هِجْرتُهُ للّه ورسوله فهجرته للّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبهُا أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه”. فافهم قوله صلى الله عليه وسلم: فهجرته إلى ما هاجر إليه، وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فَهْمٍ، والسلام)
الهجرة هي الانتقال من وطن إلى وطن آخر بحيث يهجر الوطن الذي خرج منه ويسكن الوطن الذي انتقل إليه، وهي هنا من ثلاثة أمور: من وطن المعصية إلى وطن الطاعة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن عالم الأشباح إلى وطن عالم الأرواح.
أو تقول من وطن الملك إلى وطن الملكوت، أو من وطن الحس إلى وطن المعنى، أو من وطن علم اليقين إلى وطن عين اليقين أو حق اليقين. فمن هاجر من هذه المواطن قاصداً بهجرته الوصول إلى رضي الله ورسوله، أو الوصول إلى معرفة الله ورسوله فهجرته موصلة له إلى الله ورسوله على حسب قصده وهمته، ومن كانت هجرته إلى حظوظ نفسه وهواه فقد خاب قصده ومسعاه، وغاية هجرته ما هاجر إليه، وكانت هجرته زيادة في جر الوبال إليه، فافهم أيها السامع قوله عليه الصلاة والسلام “فهجرته إلى ما هاجر إليه” وتدبره واعرضه على قلبك ونفسك، وانظر هل فيك بقية من الالتفات إلى ما هاجرت منه، أو فيك حظ سوى ما هاجرت إليه من رضوان الله ورسوله أو معرفة الله ورسوله فإن الله غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سواه، ولن يوصل إليه من بقي فيه بقية من حظه وهواه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *