الرجال مثل الحب لا يموتون

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 18 نوفمبر 2018 - 6:18 مساءً
الرجال مثل الحب لا يموتون

بقلم نور محمد يوسف

شموس نيوز – خاص

كان غسان الأسطورة وكانت غادة السمان وكانا مثالا لجنون الحب العاقل . يكتب لها الرسائل الكثيرة ويرسلها بالبريد العادي الذي يستغرق وقتا حتى يصل . وكانت تقرأ الرسائل وتعيد قراءتها بصمت العاشقين الواثقين من دفق مشاعر الآخر تمتنع عن التعليق عليها إلى أن تحين لحظة الحقيقة فتجيب على الرسائل دفعة واحدة بعد عشرين عاما من اغتيال غسان كنفاني فتنشر رسائل الحب الأبدي التي كتبها غسان لغادة مرفقة بالأصل مع مقدمة صغيرة معبرة تختصر ما جال في صدرها ونزيف صامت للمشاعر .

وعندما تنوي أن تختار الأجمل بين رسائل غسان كنفاني لغادة السمان تحتار في القرار لأنها كلها جميلة ومعبرة ومشاعر شاردة متبعثرة على ورق . وتشعر أنك يجب أن تختار جميع الرسائل لأن لكل واحدة منها عبير خاص ونكهة خاصة . فمن هي غادة السمان التي فتن بها غسان كنفاني ؟

غادة السمان وعبير الياسمين الدمشقي:

المرأة الدمشقية مميزة ومثقفة وفاتنة وتعرف معنى الحياة وهذا ما دفع أبي الكاتب السوري محمد عبد الكريم يوسف ليطلق مشروعه الخالد ” من لم يتزوج سورية مات أعزبا”. وللسبب نفسه أصبح غسان كنفاني الكاتب الفلسطيني الذي يفيض إحساسا وحضورا على الساحة الأدبية في لبنان أسير الفاتنة السورية المتمردة غادة السمان ويكتب لها أجمل سطور العشق وفنون الفتون في حب عاقل مجنون.

غادة أحمد السمان (1942) كاتبة وأديبة سورية . ولدت في دمشق لأسرة شامية ، ولها صلة قربى بالشاعر السوري نزار قباني . والدها الدكتور أحمد السمان حاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في الاقتصاد السياسي ، وكان رئيسا للجامعة السورية ووزيرا للتعليم في سورية لفترة من الوقت . تأثرت كثيراً بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة . كان والدها محبا للعلم والأدب العالمي ومولعا بالتراث العربي في الوقت نفسه ، وهذا كله منح شخصية غادة الأدبية والإنسانية أبعادا متعددة ومتنوعة . سرعان ما اصطدمت غادة بقلمها وشخصها بالمجتمع الشامي الدمشقي الذي كان ” شديد المحافظة ” إبان نشوئها فيه .

أصدرت مجموعتها القصصية الأولى “عيناك قدري” في العام 1962 واعتبرت يومها إحدى الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة ، مثل كوليت خوري وليلى بعلبكي ، لكن غادة استمرت واستطاعت أن تقدم أدبا مختلفا ومتميزا خرجت به من الاطار الضيق لمشاكل المرأة والحركات النسوية إلى آفاق اجتماعية ونفسية وإنسانية واسعه وقد ساعدها في تطوير أعمالها الأدبية معرفتها الجيدة للأدب الإنكليزي والروايات العالمية الأخرى التي كانت تطالعها بالإنكليزية . تخرجت من الجامعة السورية في دمشق عام 1963 وحصلت على الإجازة في الأدب الإنكليزي، ثم حصلت على شهادة الماجستير في مسرح اللامعقول من الجامعة الأمريكية في بيروت . عملت غادة في الصحافة وبرز اسمها أكثر وصارت إحدى أهم نجمات الصحافة هناك يوم كانت بيروت مركزا للإشعاع الثقافي في العالم العربي والعالم . ظهر أثر ذلك في مجموعتها القصصية الثانية ” لا بحر في بيروت” عام 1965.

ثم سافرت غادة إلى أوروبا وتنقلت بين معظم العواصم الاوربية وعملت كمراسلة صحفية ، لكنها عمدت أيضا إلى اكتشاف العالم ، وصقل شخصيتها الأدبية بالتعرف على مناهل الأدب والثقافة هناك . وظهر أثر ذلك في مجموعتها الثالثة “ليل الغرباء” عام 1966 التي أظهرت نضجا كبيرا في مسيرتها الأدبية وجعلت كبار النقاد آنذاك مثل محمود أمين العالم يعترفون بها وبتميزها. ورغم أن توجهها الفكري أقرب إلى الليبرالية الغربية ، إلا أنها ربما كانت حينها تبدي ميلا إلى التوجهات اليسارية السائدة آنذاك في بعض المدن العربية ، وقد زارت عدن في اليمن الجنوبي في عهدها الماركسي وافردت لعدن شيئا من كتاباتها.

كانت هزيمة حزيران 1967 بمثابة صدمة كبيرة لغادة السمان وجيلها . يومها كتبت مقالها الشهير “أحمل عاري إلى لندن” ، وكانت من القلائل الذين حذروا من استخدام مصطلح “النكسة” وأثره السلبي على الشعب العربي وهذا المقال أغضب عددا من الحكومات العربية منها . لم تصدر غادة بعد الهزيمة شيئا لفترة من الوقت لكن عملها في الصحافة زادها قربا من الواقع الاجتماعي ، وكتبت في تلك الفترة مقالات صحفية غنية كونت تراثا دسما لمواد أدبية كتبتها لاحقا.

في عام 1973 (بعد عام واحد من اغتيال غسان كنفاني) أصدرت مجموعتها الرابعة “رحيل المرافئ القديمة” والتي اعتبرها البعض الأهم بين كل مؤلفاتها حيث قدمت بقالب أدبي بارع المأزق الذي يعيشه المثقف العربي والهوة السحيقة بين فكره وسلوكه . في أواخر عام 1974 أصدرت روايتها “بيروت 75” والتي غاصت فيها

بعيدا عن القناع الجميل لسويسرا الشرق إلى حيث القاع المشوه المحتقن ، وقالت على لسان عرافة من شخصيات الرواية “أرى الدم.. أرى كثيرا من الدم” وما لبثت أن نشبت الحرب الأهلية اللبنانية بعد بضعة أشهر من صدور الرواية.

مع روايتيها “كوابيس بيروت ” و” ليلة المليار” كرست غادة السمان نفسها إحدى أهمّ الروائيين والروائيات العرب . ويعتبرها بعض النقاد الكاتبة العربية الأهم حتى من نجيب محفوظ.

أهم أعمالها الأدبية : أعلنت عليك الحب ، زمن الحب الآخر ، الجسد حقيبة سفر، السباحة في بحيرة الشيطان، ختم الذاكرة بالشمع الأحمر ،اعتقال لحظة هاربة ، مواطنة متلبسة بالقراءة ، الرغيف ينبض كالقلب ،ع غ تتفرس ، صفارة إنذار داخل رأسي ، كتابات غير ملتزمة ، الحب من الوريد إلى الوريد ، القبيلة تستجوب القتيلة ، البحر يحاكم سمكة ، تسكع داخل جرح ، محاكمة حب ، عيناك قدري ، لا بحر في بيروت ، ليل الغرباء ، رحيل المرافئ القديمة ، زمن الحب الآخر، القمر المربع ، بيروت 75، كوابيس بيروت ، ليلة المليار ، الرواية المستحيلة (فسيفساء دمشقية)، سهرة تنكرية للموتى (موزاييك الجنون البيروتي) ، يا دمشق وداعاً (فسيفساء دمشقية) حب ،أعلنت عليك الحب، اشهد عكس الريح ،عاشقة في محبرة ،رسائل الحنين إلى الياسمين، الأبدية لحظة حب، الرقص مع البوم ،الحبيب الافتراضي ، و لا شيء يسقط كل شيء ،الجسد حقيبة سفر، غربة تحت الصفر، شهوة الأجنحة، القلب نورس وحيد، رعشة الحرية وأعمال أخرى .

لماذا نشرت غادة السمان رسائل غسان كنفاني إليها ؟

سألت نفسي هذا السؤال ولم أجد له جوابا. لو كنت مكان غادة السمان لما نشرت هذه الرسائل لأنها تخصني وحدي والرجل لم يعد موجودا ولا علاقة للآخرين بها وكنت قد أوصيت بنشرها بعد وفاتي لتبقى ذكرى عطرة للتاريخ وعندما قلبت المسألة من وجهة أخرى رأيت أن غادة نشرتها لأنها تعتبرها جزءا من تراث الرجل العظيم ويجب على محبيه والمجتمع أن يعرف الجانب الجميل والإنساني والمجنون من حياته ، وربما أرادت الكاتبة الرائعة أن ترد على رسائله بطريقتها الخاصة وأن تعبر له عن شكرها العميق له على مبدأ نزار قباني ” والنساء ظنون”.

رشا حلوة ، الكاتبة الفلسطينية تقول: “بعيدًا عن مضمون الرّسائل ، والتي ارتبطت فيها بفترة ما من حياتي ، خاصة حين قرأتها لأوّل مرة. لكني أعتقد بأن الكتاب الذي تضمن الرّسائل ، كان عاملًا مساعدًا بشهرة غادة السمّان، وذلك لأهمية غسّان كنفاني الإنسانيّة والسّياسيّة والثّقافيّة. مشكلتي اليوم مع الرّسائل أنها نُشرت أصلًا،

خاصة أن الطّرف الثّاني في المعادلة لم يكن له أي رأي بمسألة النّشر، وبالتالي هنا تكمن كل المشكلة. كيف يمكن أن أنشر نصوصًا خاصّة وحميميّة بلا موافقة صاحبها؟ هي ليست نصوصًا كتبها إنسان قاصدًا يومًا ما أن يقرأها الناس.. هي نصوص خاصّة كتبها لشخص ما، كي يحتفظ بها هو، لذاكرته.. وليس للنشر. الأمر بهذه البساطة”.

عبد الله البياري، كاتب فلسطيني آخر ، يقول:” إن السؤال حاد وعنيف، وبالذات إنه يسقط حكم قيمي وأخلاقي على علاقة مركبة حميمية وخاصة. شخصيًا وبعيدا عن موقف يبدو مسبقا من تحقيق يفترض يكون موضوعيا لا قيميا، أرفض تمامًا ما فعلته غادة السمان.. ببساطة واختصار. فكرة نشر رسائل خاصة بينهما ، وإن كان مرفوضًا من ناحية المبدأ من بعضنا (أنا منهم)، إلا إنه لا يسمح لي بالطعن فيها بالتسلق وغيره. السؤال الموضوعي يكون عن علاقة غادة السمان بكنفاني “.

إيزيس خليل ، صحفية وكاتبة مصرية ، تقول: “الموضوع معقد قليلا ، وله علاقة برؤيتها للعلاقة، وطالما كانت هذه الرسائل سرية، كان من المفترض أن تحتفظ بجزء من خصوصيتها، لكن نعود ونقول أنها يمكن اعتبارها تراث أدبي. الأزمة فقط أنها بالغت في الاستعراض فأفسدته الفكرة. وهنا نقف أمام معضلة الشخصي والعام في حياة المبدع عموما وتداول أوراقه الشخصية بعد رحيله وهذه مسألة جدلية تماما ولا قول نهائي فيها”.

إن وافقنا غادة أحمد السمان على نشر الرسائل أم لا فإن النشر ينقلنا كقراء ونقاد من مسألة الشك والتخمين إلى العالم الواقعي وهو أن غسان كنفاني كتب الرسائل وجمعتها غادة السمان وقرظتها بإهداء أولي ومقدمة أولية كانت في غاية الحب والشوق والحنين لأيام مرّت سريعا كالسهم ولم يكن بالإمكان اعادتها للقوس .

مشاعر منثورة على ورق:

يقول غسان لغادة:” غادة يا حياتي، أنتِ، بعد، لا تريدين أخذي، تخافين مني أو من نفسكِ، أو من الناس أو من المستقبل، لست أدري ولا يعنيني أنك لا تريدين أخذي، وأن أصابعك قريبة مني تحوطني من كل جانب، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة، تريدها وتخشاها، ولا تطلقها ولا تمسكها، ولكنها تنبض معا، أعرف حتى الجنون، قيمتك عندي، أعرفها أكثر وأنت غائبة.”

ويخبرها في مكان آخر :” أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك ، و أستطيع أخذك بمقدار ما ترفضين ذلك”

ويبوح لها في رسالة مميزة قائلا:” تعرفين أنني أتعذب، وأنني لا أعرف ماذا أريد، تعرفين أنني أغار وأحترق وأشتهي وأتعذب. تعرفين أنني حائر وأنني غارق في ألف شوكة برية، تعرفين ورغم ذلك فأنت فوق ذلك كله تحولينني أحيانا إلى مجرد و تافه آخر”.

ويقول في رسالة أخرى: ’’إنني على عتبة جنون، ولكني أعرف قبل أي إنسان آخر أن وجودك معي جنون آخر له طعم اللذة” .

ويقول: ’’ها أنذا متروك هنا كشيء على رصيف انتظار طويل” .

ويقول في رسالة أخرى : “غادة، عندما أمسكت الورقة لأكتب، كنت أعرف أن شيئاً واحداً فقط أستطيع أن أقوله، وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئاً محتوماً وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إني أحبك”.

“إني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشائين، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة، وبأنه سيغير شيئاً من حقيقة الأشياء”.

أما غادة فتجيب: “نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، جسده المهترئ بالنقرس لا يرسمه جيداً، ولا يعبّر عنه، ولكنه حر يفعل ذلك بإتقان، وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزمن أستعيده حياً، ويطلع من حروفه كما يطلع الجني من القمقم، حاراً ومرحاً في صوته الريح… يقرع باب ذاكرتي، ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين، وأوراقه وإبرة «أنسولينه» وصخبه المرح، ويجرّني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة بلا أقنعة…ونتبادل الرسائل أيضاً”..

وتقول في مكان آخر عن الرسائل :” حولوا الآن صفحة نفوسكم الهائجة الأمواج إلى صفحة بيضاء كالشاشة، وفوقها سترتسم كلماته كلسع النار والجليد معا ، تذكروا، أنا لست هنا لأرثيه بل لأشهر صوته على الذاكرة كالخنجر. وكل ما سأفعله هو )مونتاج ) صغير للذكريات ، وكل ما سأقوله لن يتجاوز ما يقوله معلق إذاعي يبذل جهدا غير بشري كي يكون محايدا وبشريا أمام شريط من أحداث له طعم المعجزة. لماذا (المونتاج) ؟ لأن الذاكرة عين بملايين الأجفان نسدلها كالستائر جفنا بعد الآخر على ما كان ، وسأرفع اليوم جفنا واحدا لأن المجال لا يتسع لمزيد . ولأن الذاكرة

حنجرة بملايين الأصوات اخترت لكم منها إيقاعا واحدا هو صوت المذيع المحايد ، فصوت غسان ليس بحاجة إلى كورس إغريقي من الندابات .

“كنت ممتلئة بك، راضية مكتفية بك، ولكن زمننا كان مثقوبا، يهرب منه رمل الفرح بسرعة”. غادة السمان

“ولم أقع في الحب، لقد مشيت اليه بخطى ثابتة، مفتوحة العينين حتى أقصى مداهما، إني واقفة في الحب، لا واقعة في الحب، أريدك بكامل وعيي”. غادة السمان

نماذج من المراسلات بين غادة السمان وغسان كنفاني:

“عزيزتي غادة، أراكِ دائما أمامي، أشتاقكِ، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك، فأغرسك أكثر في تربة صارت كالحقول، التي يزرعون فيها الحشيش، مأساتي ومأساتك أنني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها، وأعمق من أن تطمريها” غسان كنفاني.

“أنت من جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين، ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال” غسان كنفاني.

“أيها البعيد كذكرى طفولة، أيها القريب كأنفاسي وأفكاري أحبك، وأصرخ بملء صمتي: أحبك” غادة السمان

“غادة، عندما أمسكت الورقة لأكتب، كنت أعرف أنّ شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله، وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل اليّ الآن أنها كانت شيئا محتوما وستظل كالأقدار التي صنعتنا: اني أحبك. عاشقان في الشمس !” غسان كنفاني

“إلى الذين لم يولدوا بعد

هذه السطور التي أهداني إياها ذات يوم وطنيّ مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، أهديها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة، وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل ولكن سيظل يحزنهم مثلي أن روبرت ماكسويل دفن في

القدس في هذا الزمان الرديء، بدلا من أن يدفن غسان كنفاني في يافا.” غادة السمان

“غسان من الرجال الذين لا يمكن قتلهم.. “غادة السمان

لعل أشهر المراسلات في الأوساط الأدبية التي أبصرت النور وأثار نشرها معارضة الكثيرين كانت تلك المراسلات التي تبادلتها غادة السمان مع الأديب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني . صحيح أن طبيعة العلاقة لم تكن واضحة بسبب غياب نصف الحقيقة ونشر رسائل طرف واحد هو غسان، الا أنّ عذوبة الكلمات المنشورة أوشت بعاطفة تراوحت بين مد و جزر وبين وصل وصد.

لم تتهرب غادة من الاعتراف بأن غسان كان «أحب رجالها الى قلبها»، لكنها في الوقت ذاته و رغم كل مشاعر الود رفضته حيث أنه كان متزوجا وأبا لطفلين. جاء في احدى المراسلات :(غادة يا حياتي، أنتِ، بعد، لا تريدين أخذي، تخافين مني أو من نفسكِ، أو من الناس أو من المستقبل، لست أدري ولا يعنيني أنك لا تريدين أخذي، وأن أصابعك قريبة مني تحوطني من كل جانب، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة، تريدها وتخشاها، ولا تطلقها ولا تمسكها، ولكنها تنبض معا، أعرف حتى الجنون، قيمتك عندي، أعرفها أكثر وأنت غائبة).

رغم أن رسائل غادة قد احترقت في جملة ما احترق من مقتنياتها خلال الحرب الأهلية ـ كما تقول ـ الا أن القارئ لرسائل غسان كنفاني وحدها سيستجلي فيها حبا رقيقا لا محدودا، ويتعرف على وجه جديد للرجل القوي الصلب ولرمز تحدٍ ونضال من رموز القضية الفلسطينية والأدب المقاوم.

كانت النهاية الحزينة لذلك الحب المستحيل حين اغتال الموساد غسان كنفاني العاشق لقضيته و لغادة الا أن ما خطه قلمه في سبيل ما أفرط في عشقه بقي خالدا لم تطله يد النسيان ولو بعد غيابه بسنوات.

“دونك أنا في عبث، أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيرا بجريمة لم يرتكبها”. قالها غسان كنفاني لملهمته ليظهر جانبه الذي لا يعرفه الكثيرون في عالمه السياسي والأدبي، جانبه العاشق ذو القلب المرهف، لقد قالها لزهرته الدمشقية.

حكاية غسان حكاية الرجال الذين يشبهون الحب لا يموتون أبد الدهر .حكاية غسان وغادة حكاية الحب العاقل المجنون ، حكاية يجدر بنا أن نضيفها إلى قاموس الحب العاقل والوفاء الإنساني.

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.