السبت. سبتمبر 21st, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الزائر اللعين

1 min read

د محمد حسن – شموس نيوز

غاب عني صديقي الحبيب فترة من الزمن فذهبت لزيارته وهالنى كثرة الزائرين فعلمت ان هناك امرا جللا …وانتحى بي كبير ابنائه وقال لي ان والده مريض بداء عضال وامر الا يدخل عليه احد من عواده الا شخصي الضعيف 
دخلت عليه وهالنى ذلك الشحوب الذي يبدو علي وجهه ونحول جسمه الرقيق فاصابني الهم والحزن فسألته : ماذا بك فابتسم ابتسامته الباهتة الحزينة وقال لي : زارني الزائر اللعين …فانكببت علي صدره وبكيت بكاء حارا وسمع الابناء نشيجي فحضروا مسرعين فاشار اليهم والدهم بالانصراف وظل يربت علي كتفي يواسينى عوضا عن اواسيه وذكرني قائلا الم اقل لك في اللقاء السابق انا الدنيا كالمرأة اللعوب لايرتجي منها طهر ولا شرف

ثم قال لي بدلا من ان نقضي اللقاء معا نبكي علي مرضي سوف احكى لك نماذج ثلاثة عايشتها وعشت معها بكل جوارحي وهي تلخص لك حال الدنيا التى يبكيها الحمقي والمأفونون

الموقف الاول كان لمهندس صديق توفي فجأة في حادث سيارة في الثمانينات ايام كنت في فرانكفورت بالمانيا ..جاءتنى زوجته الي المسجد واشتكت لي من عم الاولاد اليتامى وقالت انه لايريد ان يعطيهم حقهم في الشركة التى كانت بين الاخوين وذهبت الي عم اليتامى اناشده الرحمة والرحم ولكنه كان فظا غليظا وقال لي انه هو من تحمل تنشئة الشركة ورعايتها وان اخاه كان كسولا بليدا …فسألته ولماذا لم تفسخ الشراكة بينكما فقال لي : اشفاقا عليه فقلت له الاولاد الآن احق بالشفقة فرفض فذكرته بالآية الكريمة : ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا …فرد على ردا بذيئا فيه استهانة بالآية الكريمة قائلا : الاموال لا تؤكل يا اخي وانما تستثمر وتوضع في البنوك …وذهبت الي السيدة الحزينة بعد ان جمعنا لها مبلغا من المال لايسمن ولا يغنى من جوع وعلمت انها قبلت العمل مربية اطفال لكي تكفل اطفالها اليتامى

الموقف الثانى كان لصديق كريم يتقي الله ويرعاه ويتقي الله في اهل بيته وفي ليلة سوداء صارحته ابنة شقيقته انهم خرجوا ليلا مع شخص غريب وتناولوا طعام العشاء في مطعم اسماك شهير وان الزوجة ركبت مع هذا الشخص في الذهاب والاياب ليلا بدون علم زوجها …وانفرد الزوج بالزوجة فلم تجد مناصا من المصارحة فسألها : هل قترت معك يوما فردت : لا ..فسألها : الم تتناولي معي طعام العشاء في هذا المطعم عشرات المرات ..فنكست رأسها وردت : نعم فقال لها الم اعزم والدتك واقاربك في هذا المطعم مرات …فقالت : نعم فسألها الا تعلمين ان خروجك مع شخص غريب حرام شرعا فردت : كانت معي اختي فسألها وهل حضور اختك معك مبرر لخروجك مع رجل غريب تحت جنح الظلام واستمتعتم وضحكتم وفرفشتم وتحت احذيتكم شرفي وكرامتي مسحوقة فلم ترد فضربها ضربا غير مبرح ثم طردها من حياته وسحب منها كل امتيازاتها وطردها من المانيا كلها الي مصر 
ثم اردف صديقي : قابلت ذلك الصديق المسكين بعدها بسنوات مصادفة ورأيته دون ان يرانى وكان من الواضح انه يسير وحيدا ليتيح لنفسه حرية البكاء اذ كان يستخدم مناديل ورقية كثيرة وفكرت الا اقطع حرارة احزانه ولكننى اشفقت عليه فواجهته ووجدت عينيه منتفختان من حرقة البكاء فقلت له بعد كل هذه السنين ؟! فقال لي كلمة لا انساها : جروح كرامتى لم تندمل بعد . واصابني الفضول فسألت عنها فقال لي: انتشر خبر طلاقها منى واسبابه ولم يتقدم للزواج منها الارعاع القوم الذين لم تكن ترضي ان يكونوا سائقين لسيارتها …ثم اسر لي هذا المسكين بنكتة محزنة فقال : اريد ان اضحكك في هذا الموقف المأساوي فقلت له : تفضل فقال اتصلت بوالدتها من المانيا اشكو لها مافعلته ابنتها لكى لا تعتقد اننى ظلمتها فردت علي ردا من اعجب الردود : من خرجت معه ليس غريبا انه احد اقاربها ..ادركت اننى ظلمت نفسي مرتين مرة حين ارتبطت بعائلة تفكر بتلك الافكار المنحطة وظلمت نفسي مرة اخري حين طلبت بلسما من احد الجناة الذين سحقوا كرامتى

اما الموقف الاخير هو انني اثناء عودتى في احدي زياراتى لمصر قابلت طبيبا صديقا له شهرة تطبق الآفاق وكان ناشطا سياسيا وعضوا في احد الاحزاب المعارضة وتغيرت رياح السياسة فتم القبض علي الابن الاكبر لهذا السياسي وطلب ابنه الاصغر ان يختليا معا في غرفة المكتب …وبدأ الابن يحمل والده كل الظلم الذي تعرضت له الاسرة وقال له بالحرف: انت السبب في سجن اخى وانت السبب في عنوسة اختي لخوف الناس من الارتباط بنا وانت السبب في هروب الناس من لقائنا … ولم يجد الطبيب الحزين ما يفعله غير ان يبكى وينصرف بعد ان وضعه ابنه متهما محملا بكل اوزار السياسة

وختم صديقي المريض بالزائر اللعين كلامه قائلا هل تظن ان هذه دنيا يبكى عليها احد …ثم همهم طوبي للغرباء لا نامت اعين الخونة والجبناء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *