الشعرالعباسي بين الكلاسيكية والتجديد “2”

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 13 أغسطس 2015 - 10:35 مساءً
الشعرالعباسي بين الكلاسيكية والتجديد “2”

بقلم د. فالح الحجية – العراق

الشعر والأمور السياسة والاجتماعية
لو بحثنا عن اسباب هذا النمو وتطوره واختلافه بين شاعر واخر لوجدنا أن الشعر لم يُتح له أن يحيا حياة مستقلة ليتطور التطور الواسع الذي تساعده عليه الظروف المحيطة به حيث ان بعض الشعراء لم تُتَح لهم الحرية في هذه الحياة التي يعيشونها وبقوا يدورون في فلك صاحب النفوذ ينشدون له ما يريد وحسب مشيئته ، فحُرموا الحرية التي يزدهر الشعر في ظلها، وجاء نتاجهم الأدبي صدى لما يريد هذا الحاكم او ذلك وما يصبو إليه .
إن الشعر العربي في هذا العصر نتيجة لتطوره الواسع وافاقه المتسعة تأثر بكل التيارات والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية و تعكسه كل ما تراءى لها من أمور هذا بالإضافة إلى تطور الثقافة الشعرية . أي بقي الشاعر تابعا لدولة الخلافة وسياستها وكان لهذا أثره على الشاعر الذي جعلته الظروف تابعاً لغيره وجعلت فنية شعره استجابة لما يريده الاخرون مع العلم أن هذا الشعر يحتل المكانة العالية في مجالس الخلفاء، بينما غيره من الشعراء لم يتح له الاقتراب من هذه المجالس والتمتع بما تفيضه من خيرات وهبات ، إلا إذا دس الشاعر عينيه على حماة اللغة وسدنتها الذين يحتلون الصدارة فيها. ولذلك كانت هذه المحافظة الشديدة لدى الشعراء حتى غير العربي منهم لأنه خشى أن يتقدمه الشعراء العرب الأقحاح، سواء أكان ذلك تصدر هذه المجالس التي يجب أن تظل العربية فيها قوية مزدهرة ، أم في ذيوع شعرهم وجريانه على ألسنة الناس، ومن أجل ذلك كان حرصهم على التعمق في سبر اغوار اللغة ، وانتقالهم إلى البادية لمشافهة الأعراب والمحافظة على الصورة المألوفة والمرجوٌ اصالتها للغة العربية ،و كما يريد لها علمائها الذين شعروا بالمكانة العالية التي يتمتعون بها، فاخذوا يبالغون ويتشددون في المقاييس التي يزنون بها الشعر، ولهذا بقي الشعر القديم الجاهلي او الاموي المثل الأعلى الذي وجب على الشاعر في من يحاكيه ويحذو حذوه، فأخذ ينظر إلى التراث القديم نظرة تقديس يصعب معها أي حركة للتطور الشعري فتغلق اغلب المنافذ الاتية منها رياح التجديد.
كان من أسباب سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية والذي له ابلغ الاثر في الناحية الثقافية والادبية ان الامويين اتبعوا سياسة التعصب للعنصر العربي الذي اعتبروه هو النسغ الصاعد او الناقل الحياة إلى جسم الدولة المترامية الاطراف مما أ ّلّب عليها الفئات غير العربية التي اصبحت ضمن حدود الدولة الاسلامية المحكومة من قبلهم اضافة الى ذلك ان العرب انفسهم من اعداء الامويين من العرب مثل العباسيين ومنهم العلويين خاصة قد وضعوا ايديهم بأيدي هذه الفئات غير العربية وتحالفوا معها على اضعاف الهيمنة العربية على مرافق الدولة والعمل على اضعافها ومن ثم اسقاطها ومن اكبر هذه التحالفات – الفارسية العربية – حيث اخذ الفرس يشعرون بقيمة رد اعتبار سلطة الدولة الفارسية فاتخذوا من الإسلام ذريعة لذلك واخذوا يعملون على ا ضعاف العنصر العربي واتخذوا من العلويين والعباسيين شمّاعات يختلفون اليها في تعليقهم عملهم السياسي وشموعا لتنير لهم طريقهم في ذلك . وبدأت تظهر لديهم حركات سياسية سرية في بداية امرها و تحولت بمرور الزمن الى قوة عسكرية تحالفت مع من اراد الاستحواذ على هيبـة الـدولة الامـوية واسقاطـها لامـور يعرفـها الســا سـة المنصفون . وقد عرجنا على ذكرها قليلا لارتباطها بالثقافة الادبية التي شملت كل مناحي الحياة ومنها السياسة.
كما ان للمنازعات الحزبية والتعصب القبلي يد طولى في سقوط الحكم الاموي فتجمعت كل هذه الاسباب والاحوال على بغض العنصر العربي الاموي او ما سار عليه الاموييون اثناء حكمهم واخطاء بعض خلفائهم اثناء حكمهم فتجمعت كلها بقيادة العباسيين وبمعاونة التيار الفارسي وقاموا بثورة انطلقت شرارتها من بلاد فارس لتقضي على الامويين وتسقط حكمهم ولتقوم بدلها الدولة العباسية الجديدة الفتية سنة \ 132 هجرية.
قامت الدولة العباسية في العراق اثر سقوط الدولة الاموية في الشام وكان للفرس اثر عظيم وكبير في قيام الدولة الجديدة وفي سياستها وشؤونها وقد ادى ذلك الى تدخل الفرس بسياسة الدولة وقيادتها وقد ادى ذلك الى اقتباس الكثير من النظم والعادات والتقاليد الفارسية التي حلت محل العربية واخذ الناس في تقليد الفرس في اشياء كثيرة فادى ذلك الى هيمنتهم على بعض المناطق وخاصة في بلاد فارس والثغور الشرقية للدولة الاسلامية فضعف النفوذ العربي وقل تدخلهم في شؤون الحكم والدولة التي اصبح الكثير من رجالاتها وقادتها من الفرس واصبح العربي الذي كان يأنف ان يعمل في بعض الاعمال الحرة التي كان الفرد العربي يحتقرها ولا يزاولها الا مكرها طلبا للعيش والبحث عن لقمة تسد رمقه.
ضعف النفوذ الفارسي في العراق ( دولة الخلافة العباسية ) بعد ان استتب الوضع الحكومي و نتيجة قوة الخلفاء العباسيين في الصدر الاول للخلافة العباسية كالمنصور بقتله ( ابو مسلم الخراساني ) والرشيد بنكبة ( البرامكة ) وضربهم الحركات المجوسية التي ظهرت في وقتهم والقضاء عليها – الا انها انتعشت من بعدهم بعد الرشيد وهؤلاء الخلفاء كانوا انفسهم من اسباب ضعف العنصر العربي في الدولة العباسية بسب زواجهم ازواجا فارسيات وتركيات او روميات فكان اولادهم منهن يميلون كل الميل الى اخوالهم وهذا ما فعله الخليفة المأمون اذ ان امه فارسية حيث قرّب الفرس واعتمد عليهم في الحرب و القضاء على اخيه الامين ( ابن العربية ) وقتله وتسيير د فة الحكم وما فعله المعتصم من بعده و امه تركية اذ قرب الاتراك وتسيير دفة الدولة فيهم مما طمّع هؤلاء وهؤلاء في السيطرة على الحكم بحيث اصبح الخلفاء العباسيون ضعافا من بعدهم بتصرف السلاجقة والبويهيين وجعلوا هؤلاء الخلــفاء كأدوات شــطرنج يتلاعبون فيهم وفي مصائرهم كيفما يشاؤون وظهر التطرف التركي اوالنفوذ التركي بدلا عن الفارسي وظهرت سيطرة الاتراك على الوضع السياسي وربـما الاجتـماعي والثقافي ايضا وساءت حالة المواطن العربي في وطنه وفي بلده في هذا الدور حيث لم يبق للدولة هيبة غير الخلافة وبالاسم والرسم فقط. وكذلك الحال في العصر البويهي .
هذه وغيرها ادت الى تغيير في وجه الشعر العربي حيث ارتفع
صوت الشعر السياسي ضد الامويين ونعي حكمهم المنهار كما تمثلت العصبيات القبلية بين العرب انفسهم واستعر اوارها بين قيسية ويمانية وعدنانية وقحطانية كما ظهرت حركة ( الشعوبية ) قوية جدا. وادت هذه الاحوال الى ظهور خلافات واسعة بين الهاشميين انفسهم وخاصة بين العباسيين والعلويين وصلت الى حد المقاتلة والعصيان والكراهية كما ظهرت الخلافات العقائدية والدينية المذهبية بين الطوائف والنحل المختلفة أي ان الفرقة وصلت في كل شيء نتيجة التوسع الطامي في الدولة الاسلامية وكان لكل فرقة او مذهب او عنصر او قوم او قومية ادباء وشعراء ورجال يقودونها ويحركونها سواء كانت حركات سياسية او دينية او عنصرية او قبلية او ثقافية..
ان الشعر العربي في هذا العصر نتيجة لتطوره الواسع وافاقه المتسعة تأثر بكل التيارات والاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية و تعكسه كل ما تراءى لها من امور هذا بالاضافة الى تطور الثقافة الشعرية .
ومن جانب اخر عنى الخلفاء العباسيون في الثقافة عناية كبيرة وبذلوا المال بسخاء لتطويرها واغدقوه على الشعراء والعلماء والادباء والمفكرين وذوي الالباب والعلوم والثقافة بحيث تطورت كثيرا ومثالا لذلك اذكر ان الخليفة المهدي قد اعطى الشاعر ابا دلامة اربعة آلاف درهم عندما استحسن شعره وعندما علم ان ابا دلامة رزق ببنت اعطاه اربعة الاف اخرى . وقد اعطاه اربعة آلاف ثالثة ليعينه في تربية ابنته .
أما الشاعر سلم الخاسر فيدخل عليه وينشده:
أفنى سؤال السائلين بجوده
ملك مواهبه تروح وتغتدي
هذا الخليفة جوده ونواله
نفدَ السؤالُ وجودُهُ لم ينفدِ
فيعطيه اربعة آلاف درهم ويدخل عليه مرة اخرى يمدحه
فيقول فيه :
إن الخلافة لم تكن بخلافة
حتى استقرت في بني العباس
شُدَّتْ مناكبُ ملكهم بخليفةٍ
كالدهر بخلِطُ لينه بشماس
فيعطيه اربعة آلاف درهم اخرى
ويمدحه ثالثة فيقول :
أليس أحق الناس أن يدرك الغنى
مُرجى أمير المؤمنين وسائله
لقد بسط المهديُّ عدلاً ونائلاً
كأنهما عدلُ النبي ونائله
اليس في هذا الكثير . كانت المنافسة بين هؤلاء الخلفاء واسعة وشجعوا الترجمة من اللغات الاجنبية الى العربية فكانت رافدا جديدا يصب في بحر اللغة العربية فاتسعت الافاق وتبارى الرجال في السباق في ميادين العلم والثقافة والادب واللغة والدين فكان لذلك الاثر الكبير في قيام ثقافة عربية واسعة في هذا العصر ما زالت لحد الان تعد مفخرة من مفاخر الامة العربية وعصورها الذهبية .
كان لسيطرة الاتراك على الدولة العباسية وادارتها زمن الخليفة المعتصم بالله وما بعده اثر بالغ في ضعف الدولة وسيرها في طريق الانحلال والتقهقر فقد عمل الرشيد على تقوية دولته – كما توقع – فتزوج من زوجة فارسية ليقرب الفرس منه ويأمن جانبهم لانهم سيكونون اخوال اولاده منها وهم كثير في دولته اذ يشكلون الجزء الشرقي منها ويتخذهم انصارا له . وتزوج من اخرى تركية الاصل ليقرب الاتراك منه وليشدوا على عضده في صيانة دولته وكانوا كذلك في زمنه فانجب من زوجته ابنة عمه ( زبيدة) ابنه (الا مين) ومن زوجته الفارسية ابنه ( المأمون ) ومن زوجته التركيه ابنه ( المعتصم ) وكان هذا فيما بعد كان سببا من اسباب سقوط الخلافة العباسية وسبب هذا الزواج كان يقصد به توطيد العلاقة بين العرب والفرس والترك كنتيجة للمصاهرة والقرابة الا ان ما اثمره هذا التصاهر كان وبالا على الحياة السياسية الى حد الاقتتال .
بعد وفاة الرشيد اقتتل( الامين )و(المامون) الاخوة بينهم على سدة الحكم واستعان كل منهم باخواله والمقربين منه فاستعان الما مون باخواله الفرس على اخيه الامين في قتاله والوصول الى الخلافة وقربهم اليه واعتمد عليهم في كل امورالدولة وانعكس ذلك حتى في الامور الدينية والمذهبية وتفرق الخلق واقتتل الناس بينهم فكان ما كان و كتب التاريخ خير شاهد على ذلك وما فيها من معارك واحداث .
وبعدها أي بعد وفاة ( الامين) و(المامون) استخلف ( المعتصم) وامه تركية فقرب اليه الاتراك واعتمد عليهم في اغلب مفاصل الدولة العربية الاسلامية وعلى كل حال فقد دخل الى جسم الدولة او جسم الخلافة العربية من ليس منها وعمل على تقويضها كان كل هذا قد بدء في العصر العباسي الاول واستمر وزاد في العصر العباسي الثاني.
وكان في اثناء وجود الاتراك في الحكم كان الفرس يتحينون الفرص لاعادة مجدهم الغابر او السالف فقاموا بقيادة ال بويه بحملة قوية اعلنوا سيطرتهم على بلاد خراسان واكتسحوا الخلافة العباسية في بغداد التي كان الاتراك مهيمنين على الحكم فيها وتنصب (معز الدولة ) الفارسي اميرا على بغداد في ظل الخلافة العباسية التي لم يبق منها الا اسمها ورسمها. اماالخلفاء العباسيون وبمرور الزمن تحولوا الى بيادق شطرنج يلعب بهم اللاعبون من ال بويه من الفرس ومن بعدهم من ال سلجوق من الترك.
نعم لقد انحدر ت قوة وعظمة الدولة العباسية ا و بدأت بالانحدار نحو الاسوء بعد الخلفاء الاشداء فيها مثل المنصور والرشيد … و سيطر البويهيون على الحكم الاسلامي في بغداد سنة \334 هجرية بعد ضعف سيطرة الاتراك عليها وان اغلب هؤلاء الامراء كانوا ضعافا في ادارتهم للدولة فسارت الدولة نحو الانهيار والتقهقر والانحلال ويعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة \ 247 هـجرية بداية العصر العباسي الثاني وفيه استبد القادة الاتراك بالسلطة وأصبح الخليفة العباسي طوع إرادتهم وأسير هواهم وقد عبر عن ذلك احد الشعراء فقال:
خليفـــة فـــي قفــص
بيـن وصيـف وبغـا
يقــول مـــا قــالا لـه
كمــــا تقول الببغا
وأدى ذلك الى ظهور استقلال او انفصال بعض الامارات عن الخلافة العباسية في بغداد فبعد ان كانت خلافة اسلامية واحدة . اصبحت خلافة في بغداد وامارات مستقلة عنها في الاقاليم التابعة لها كالامارة الاخشيدية في مصر التي قامت على اثر انقراضها الدولة الفاطمية التي استقلت عن الخلافة العباسية في بغداد بل نازعتها الخلافة وامتدت اجنحة حكمها شرقا وغربا وكذاك ظهرت امارات عديدة كالامارة الحمدانية في حلب ثم توسعت فشملت الشام كلها تقريبا الا انها بقيت معترفة بالسلطان العباسي عليها اسما فقط .وكذلك مثلها
ا مارات قد نشات في الثغور الشرقية للبلاد الاسلامية وهكذا تفرقت الدولة الاسلامية الموحدة وظهرت خلافات وامارات في البلاد نازعت الخلافة الاصلية في كل امورها وخاصة الثقافية والادبية .
كان هؤلاء خلفاء وامراء هذه الاقاليم قد جمعوا حولهم الشعراء والادباء والعلماء ورجا ل الثقافة والعلم وتباروا فيما بينهم حول جمع كل منهم العدد الاكبر من هؤلاء وبذلوا الاموال لهم منافسة بينهم فاثر هذا في ازدهار كل العلوم وعلى راسها الادب العربي وخاصة الشعر حيث كثرت فنونه وارتفعت رايته وارتقت خيالاته وفنونه . الا ان اللغة العربية بدأت تظهر عليها علائم الضعف في نهاية العصر ويكتنفها الوهن خاصة في الثغور الشرقية من الدولة الاسلامية لعجمية سكانها فبدات تحل مكانها اللغات المحلية او اللغة الاصلية لاهل تلك البلاد مثل اللغة الفارسية التي حلت محل اللغة العربية بعد قرنين من الزمن ودفعت الحالة الثقافية والاجتماعية شعراءهم الى النظم في لغتهم الفارسية كما فعل الشاعران عمر الخيا م وسعدي الشيرازي .
وكذلك ظهرت في البلاد الاسلامية عصبيات اشتد النزاع بينها ومذاهب دينية تقاسمت البلاد ا لاسلامية بينها كما اطلقت الحكومات الاسلامية العنا ن لليهود والنصارى للعمل كيفما يشاؤون وكذلك اختلفت وجوه المعاش وكسب الرزق او الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد وانقسم الشعب بين غني مترف وفقير جائع .
فالقسم الاول وهو الامراء والقادة والتجار واصحاب الاموال والاعمال عاشوا بترف غير معقول في كل امورهم في الملبس والمسكن وهم طبقات الخلفاء والامراء والتجار والشعراء المقربين والاغنياء .
واما السواد الاعظم من الشعب وهم الفقراء في المجتمع فهم راسفون في قيود من فقر مدقع وعيش ذليل وكسب قليل لا يسد اودهم ولا يسمنهم من جوع وقد انعكست كل هذه الاحوال على الادب والشعر في البلاد فكان ادب الاغنياء يتمثل بوصف القصور الفخمة والرياض الزاهرة والغزل والغناء والخمرة واللهو والترف و القسم الاخر يتسم بالشكوى والحنين والبكاء وذم الزمن وصروف الدهر.
اجتمع الشعراء حول الخلفاء والامراء واصحاب النفوذ والجاه فانتشرت الثقافة في هذا العصر امتداد ا لثقافة العصر العباسي الاول والتي آ تت اكلها في هذا العصر فنمت في ذاك و اثمرت او اينعت في هذا وكذلك كان لصناعة الورق اثر عظيم في انتشار الثقافة ككل ونشوء المكتبات العامة والخاصة والمدارس النظامية الحكومية بجانب المدارس الخاصة والتعليم الفردي للابناء الخلفاء و الوزراء … لكل هذا اثر عظيم في تقدم الثقافة ووصولها الى اوج عظمتها في الدولة الاسلامية وتقدم الشعر واتساع افاقه واخيلته وتحسين معانيه فازدهر في هذا العصراكثر من باقي العصور العربية وبلغ شأوته وظهر فحول من الشعراء كالمتنبي وابي العلاء المعري والحمداني وابن النبيه والشريف الرضي وغيرهم ..
لذا يمكننا ان نقول ان هذا العصر هو العصر الذهبي للشعر العربي
بما اوتي فيه من نتاج وتجديد ورقة في النظم والالفة في القول .
ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك انتهجوا نهجهم فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء من اولاد الخلفاء العباسيين ويخلعها ممن يشاء وكثرالخلع . و كثيرا ما يتم بالذل والهوان. حتى كان يوم خلع الخليفة يوم ابتهاج عند الجند وفيه يجري نهب دار الخلافة وفيه يطالب الجند الخليفة الجديد برسم ( بيعته). وكان يجري على الخليفة المخلوع نفقة قد لا تكفيه, فيضطر إلى العيش بالكفاف وربما استعطاف الناس الميسورين .
وكذلك الوزراء فلم يكن حال الوزراء بأفضل من حال الخلفاء فكان الوزير يأتمر بأمر المتغلبين فإذا غضبوا عليه عزلوه وصادروا أمواله وربما يقتلونه وكثيرا ما كان الوزير يُنصب ثم يُعزل, ويتكرر نصبه وعزله مرات عديدة وغالبا ما كان ينتهي عزله بمصادرة امواله ومن ثم قتله ومع ذلك فإن الكثيرين كانوا يطمعون في تولي الوزارة, ويبذلون المال في شتى المجالات في سبيل توزيرهم. كما هو الحال لدينا الان حيث أن الوزارة كانت موردا للثراء الفاحش عن طريق الرشاوى وقيل أن ( محمد بن عبيد الله بن خاقان ) وزيرالخليفة ( المعتضد بالله ) كان يأخذ الرشوة من كل طالب وظيفة وربما عين للوظيفة الواحدة عددا من الموظفين وقيل إنه عين في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة وأخذ من كل واحد منهم رشوة معينة . الا ان بعض الوزراء كان حسن السياسة ذا دهاء وذكاء يستطيع أن ينال من الخليفة أو الأمير البويهي تفويضا بتصريف أمور الدولة وكان أهم هذه الامور ضمان الخراج وتعيين الولاة والعمال والقضاة والكتاب لذا يكون للوزير على من يوليه جبايات يجني منها ربحا وفيرا ويثري به ثراء فاحشا. و من أجل ذلك كانت الوزارة هدفا للدسائس والحسد . وكثر الطامعون في منصب الوزارة, فإذا أفلح الدس وغلب اهله على الوزير عزل هذا الوزير وصودرت أمواله وكان ما يصادر يعد بآلاف الآلاف من الدنانير لذا كان بعض الوزراء يطمرون خزينهم من الاموال والنقد تحت الارض الى أن تنتهي الازمة
و قيل في ذلك:
إذا أبصرت فـي خلع وزير
فقل أبشر بقاصمة الظهور
بأيام طـوال فــي بـلاء
وأيام قصار في سـرور
وكان العرب – ولا يزالون – يتكنـّون – وهي عادة عربية قديمة – بأسماء أكبر أبنائهم فيقال ابو فلان مثلا وكان الخلفاء يتلقبون ب (أمير المؤمنين) منذ عهد الخلفاء الراشدين في زمن عمر بن الخطاب وما بعده وكذلك خلفاء بني امية .
وعندما انتقلت الخلافة إلى بني العباس أضافوا إلى هذا اللقب ألقابا اخرى تدل على صفة يتميز بها الخليفة. فقد عرف عبد الله أبو العباس وهو أول خليفة عباسي بلقب (السفاح) وتلقب أخوه الخليفة عبد الله أبو جعفر بلقب (المنصور) وتلقب ابنه الخليفة محمد بلقب (المهدي) وتلقب الخليفة موسى بلقب موسى (الهادي) والخليفة هارون ب(الرشيد). ولقب الرشيد أولاده الثلاثة: محمد وعبد الله والقاسم بلقب محمد (الأمين) وعبد الله (المأمون) والقاسم (المؤتمن). وهكذا جرت العادة في تلقيب الخلفاء واولادهم .
ولما استبد القادة الأتراك بالسلطة فرضوا على الخليفة ان يطلق لقب على من بيده السلطة منهم لقب ( أمير الأمراء) ولماء جاء من بعدهم البويهيون الزموا الخليفة العباسي ان يطلق عليهم ألقابا فيها معنى الاعتراف بسلطانهم فلقب أحمد بن بويه بلقب (معز الدولة) ولقب أخوه علي بلقب (عماد الدولة) ولقب أخوه الحسن بلقب (ركن الدولة), وهكذا كثرت الالقاب في الدولة كعضد الدولة وجلال الدولة وبهاء الدولة وفخر الدولة. حتى ان منهم من لقب ( السلطان ) ا و ( شاهنشاه ) أي (ملك الملوك ) ثم سرت هذه الحالة في امراء الدويلات المستقلة .وهكذا كثرت الكنى والألقاب في العصر العباسي الثاني ويقول احدهم في ذلك شعرا :
أما رأيت بني العباس قد فتحوا
من الكنى ومـن الألقاب أبوابا
ولقبوا رجـلا لو عاش أولهم
ما كان يرضى به للقصر بوابا
قـل الدارهم في كفي خليفتنا
هذا فأنفـق في الأقـوام ألقابا
وقد نهج الخلفاء الفاطميون نهج الخلفاء العباسيين في الألقاب فكان منها المهدي بالله والعزيز بالله والمعتز بالله والحاكم بأمر الله والمستنصر بالله, وفي الأندلس تسمى عبد الرحمن الثالث بن محمد بالخليفة واتخذ لنفسه لقب ( الناصر لدين الله ) ونهج من جاء بعده نهجه فكان منهم المؤيد بالله والمستعين بالله والمستظهر بالله والمعتمد على الله.
واتخذ ملوك الطوائف في الأندلس الألقاب فكان منهم المعتضد بالله ملك أشبيلية وابنه المعتمد على الله وكانت هذه الألقاب على ضخامتها لا تمثل لمن اتخذها لنفسه شيئا من معانيها,
ظهرت في هذا العصر الفتن المذهبية ثارت بين الشيعة وبين السنة, وخاصة الحنابلة منهم, فتن كان مسرحها بغداد . وقد بدأت في أوائل القرن الرابع الهجري وامتدت إلى أواخر القرن الخامس الهجري وكانت تتوالى الفتن عاما بعد عام . وكثيرا ما كانت تشتد. فينشب فيها قتال مرير بين ابناء البلد الواحد والمدينة الواحدة على حساب المذهب او باذكاء هذا الخلاف من قبل رجال الدين من هذا المذهب او ذاك لاستفادتهم الشخصية وعلو مكانتهم الدينية في مثل هذه الاوضاع وظهورهم للقيادة .
وقد أزر البويهيون الشيعة في تشيعهم, وشد الأتراك أزر أهل السنة لأخذهم بمذهبهم وقد افضت هذه الامور الى اشتداد العداء بينهم الى حد المقاتلة فقتل خلق كثير من الطرفين جراء ذلك وكانت بغداد اول ساحة لمثل هذه المقاتلة .
وكذلك كانت الفتن تحدث بين الحنابلة والأشاعرة وبين الحنفية والشافعية, فكان أهل كل مذهب يتعصبون لمذهبهم ويدفعهم التعصب إلى القتال بينهم مما اثر في خراب المدن واضعاف شوكة المسلمين وقوتهم وكانت بغداد مسرحا لمثل هذه الامور والاحداث وقد كانت هذه وغيرها اسبابا لنشوب ثورات كثيرة في البلاد الاسلامية مثل ثورة الزنج وثورة القرامطة في الجنوب وكذلك ادى الى انفصال بعض الاقاليم عن جسم الدولة العباسية واقامة اقاليم وامارات في البلاد وخاصة البعيدة عن الخلافة وربما خلافات جديدة مستقلة عن الخلافة العباسية . مثل الدولة الاخشيدية والخلافة الفاطمية والامارة الحمدانية والدولة الصفارية .
فوجود الدويلات والامارات وخاصة غير العربية المنسلخة من جسم الدولة العباسية ضمت بين اهدافها هذه الامور.ثم كانت هذه الانقسامات سببا واسعا وكبيرا لقيام الحروب الصليبية وطمع الدول الاوربية تحت علامة الصليب في القضاء على الدولة الاسلامية او الاستحواذ على بعض اجزائها المقدسة لديهم وخاصة ( فلسطين ) وفي صفحات التاريخ الشيء الكثير الكثير والشواهد القائمة على ما ذكرناه .
كان لهذه التطورات السياسية اثرعظيم في الشعر العربي وتقدمه وازدهاره فقد كانت بغداد ام الدنيا ومركزالخلافة العربية الاسلامية ومركز الثقافة والعلوم وفيها جل الشعراء الا انه ظهرت حواضرو مدن اخرى اجتمع فيها الشعراء هي مراكز الا مارات كحلب والقاهرة وجرجان وبخارى وسمرقند والاندلس وامارات دويلاتها وغيرها و كل امير من امراء هذه الامارات حاول ان يجمع حوله العديد من الشعراء والادباء والمثقفين ويجزل لهم العطاء ويتباهى في جمع اكبر عدد منهم لحبهم الادب وخاصة الشعر وليمدحوهم ويذكروهم في شعرهم فادى هذا التنافس حتما والى ايجاد المنافسة بين الشعراء والادباء دفعت الشعر نحو علائم التقدم والرقي الثقافي والحضاري في كل مجالات الحياة .
لذلك فقد اجزل الخلفاء والامراء العطاء للشعراء الذين نالوا حضوة كبيرة عندهم حتى بلغ بهم حد الاستيزار ورئا سات الدواوين الكتابية وخاصة اذا علمنا ان بعض الا مراء والخلفاء كانوا يجيدون الشعر وقرضه ونقده .
يتبع
امير البـــيــان العربي
د. فالح نصيف الكيلاني
العراق – ديالى – بلدروز

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.