السبت. يناير 25th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

العجوز والكهف – الحلقة الثانية

1 min read

بقلم دكتور محمد السيد حسن – شموس نيوز

في الزيارة الثانية التى قررت أن أقوم بها للعجوز الوحيد الشريد حملت له ما لذ وطاب من الطعام . أخذت معي كل ما يحتاجه رجل في غربته من أرز وسكر وزيت ومكرونة وغيرها مما لا غنى عنها له وأخذت معي طعاما جاهزا من أحد المطاعم لكى أتناول معه طعام الغداء فقد كنت أشعر بجوع شديد في ذلك الوقت .
تركت سيارتى وحملت الحقيبة وكانت ثقيلة فعلا ومشيت تلك المسافة الطويلة وسط الحقول وكانت تتعثر قدماي بين الحين والآخر في الممرات الطينية الضيقة التى أسير عليها .
وصلت إليه بعد لأي وجهد شديد وحين رآنى أقبل علي مرحبا واحتضننى وكان كلبه قد شعر بالمودة بيننا فلم ينبح هذه المرة بل ظل يطوف حولي ويتمسح في ملابسي ..
سألته عن أحواله فرد : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور .
بدأت في إخراج ما أحضرته وبدأت في ترتيبه داخل حجرته المتواضعة وكان أول شيئ فعلته أن أخرجت بعض العظام وقدمتها للكلب ..ثم أخرجت الطعام الذي سنتاوله معا وبدأت في اعداده واخراجه من أكياسه الورقية ولكننى فوجئت بتصرف شاذ وعجيب منه .. إذ بدأ في ارجاع كل ما أخرجته إلي مكانه في الحقيبة مرة أخري وبدأ يلملم الطعام الذي وضعته ويضعه في أكياسه مرة أخري .. فأصابنى الذهول وقلت له ماذا تفعل فلم يلتفت إلي واستمر في عمله بدون توقف وقال لي بغضب : أنا لا أقبل إحسانا من أحد لقد أغنانى الله ورزقني ولا حاجة بي إلي صدقات أو احسان منك أو من غيرك ..
أصابنى غضب شديد وقلت له لماذا تسميها كذلك ولا تسميها هدية من صديق لصديق فقال لي : دعك من المسميات التى تتلاعب بها ..فقلت له ولكننى أشعر بجوع شديد وأود أن أتناول معك طعام الغداء .،فقال لي بجفاء : يمكنك أن تذهب بطعامك وتتناوله في بيتك أو أعد لك طعاما بسيطا مما آكله .

كان تصرفه شاذا وقبيحا فبدأت ألم حاجياتى وقلت له وأنا في قمة الغضب :
أنت انسان فظ غليظ القلب ولم تتعلم شيئا مما تحفظه من القرآن .. ماذا تظن نفسك .هل تخيلت أنك ابن تيمية أو ابن القيم واننى جئت لأنهل من علمك أو تصورت نفسك سقراط الذي سيعلمنى الحكمة .. ما أنت إلا رجل من عامة الناس . رجل من آلاف الرجال الذين يترددون علي عيادتى ولا أبالي بأحد منهم ولكن قلبي الرقيع الوضيع يحركنى أحيانا في اتجاهات خاطئة وقد أشفقت عليك من غربتك وهذه حفرة أخري أوردنى آليها قلبي مثل كل المآسي التى تعرضت لها من قبل بسبب حنانى وعطفي ورقة مشاعري التى تحركنى في الغالب في اتجاهات خاطئة ..شكرا لك لأنك أهنتني في بيتك وعفوا أنك أخرجت منى أسوأ ما في من عنف وعصبية هما جزء لا يتجزأ منى .
وحملت حقيبتى كسيفا حزينا غاضبا ومشيت فمشي ورائي وحاول اثنائي عن المسير ولكننى دفعته بعيدا عني بغضب فتركنى وشأنى وبعد أن ابتعدت عنه مسافة طويلة صاح قائلا : ورحمة جدك الشيخ حسن إلا رجعت ..
أصابتني هذه الجملة بصاعقة وشعرت بما يشبه الدوار وغامت الأشياء في نظري فقد كان هذا القسم سرا خفيا بينى وبين والدى لا يعلمه أحد في الدنيا ..كنت اذا اشتد الحاحى علي والدى في أمر من الأمور وشعر بالضيق من إلحاحى يستخدم حق ( الفيتو ) الذي لا كلام ولانقاش بعده ويحلفنى قائلا : ورحمة جدك إلا تركتنى .
حدث هذا حين دخل رحمه الله في مرض الموت وأخذته عندي في بيتى ومكث بضعة أيام ثم انتابه الملل وأراد أن يعود إلي منزلنا في القرية .كنا جميعا في بيتي نتفانى في رعايته وكان يلقي عندى بالطبع رعاية أكثر مما يلاقيها في منزل الأسرة فظللنا جميعا أنا وأسرتى نتوسل آليه أن يبقي معنا ولما طال جدالنا معه وتوسلنا آليه استخدم حق الفيتو الذي بينى وبينه وقال لي : ورحمة جدك إلا تركتنى ولم يعد بعدها حديث فجهزت ملابسه وأخذته في سيارتي إلي قريتنا .
كان جدي الشيخ حسن هو إمام القرية ورجل القرآن الذي لا يشق له غبار وكان كبار القراء إذا جاءوا لقريتنا لإحياء عزاء أحد كبار رجال القرية لا يتحسبون إلا لوجود جدي خوفا من أن يخطئوا أو ينسوا بعض آيات القرآن الكريم لأنه لم يكن يخجل أو يداهن في ذلك كان يقف بصوت جهوري ويطلب من القارئ ان يصحح ما تلي من آي الذكر الحكيم .
كان هو المفتى في القرية والكل يعمل له ألف حساب فإذا جار أحد من الناس علي أحد هدده قائلا : والله لأشكونك إلي الشيخ حسن ..وإذا نشب خلاف احتكموا إلي الشيخ حسن .

تزوج جدي الشيخ حسن جدتى لأبي بعد أن تقدم به العمر وأنجب والدي وكان يحزنه أنه سيرحل ويترك أبي يتيما صغيرا .،فقرر أن يحفظه القرآن عن ظهر قلب وقال أن هذا خير ما يتركه لابنه وأن القرآن هو الذي سيحفظ هذا الطفل اليتيم ويرعاه وقد كان حدسه وتوقعه سليما تماما ..
وبعد أن ودعت القرية شيخها وامامها تولي والدي الحفاظ علي ثروة القرآن الكريم بكل ما أوتى من اصرار وعزيمة حتى وصل إلي المكانة التى وصل إليها جدي في اتقان القرآن الكريم ..

اصبح في كل أسرة من أسرنا طفل او شاب او رجل اسمه حسن ..فما أكثر اسم حسن في كل بيت من بيوتنا نسبة الي الجد العظيم حسن .
حكي لي والدي كل ما يتعلق بجدي الشيخ حسن وأصبحت ذكريات جدى ماثلة أمام عينى دائما وشعر والدى بذلك فكان اذا اشتد النقاش بيننا وزادت توسلاتى إليه في أمر لا يريده يستخدم حق الفيتو قائلا : ورحمة جدك .
ما الذي أخبر هذا العجوز بهذا السر العجيب الذي كان يرقد في قلبي وقلب والدى ولا يعرفه مخلوق علي وجه الأرض .

سقطت الحقيبة من يدى وانتابنى الذهول والتفت الي العجوز ووجدته يبكى ويخفي وجهه بين يديه فتركت حقيبتى وذهبت إليه وسألته : ما هذا الذي قلته ولماذا تبكى ..فجلس علي الارض وغطى وجهه قائلا : لقد أحزننى رحيلك كسيف الخاطر متألما غاضبا فاضطررت اضطرارا لأن ابوح بشيئ من العلم اللدنى الذي أفاء به الله علي ولم أخبر به أحدا من قبل وكان سرا بينى وبين ربي .
جلست أمامه مشدوها مصدوما حائرا ثم قمت من فوري واحتضنته وقبلت يديه ورأسه وطلبت منه أن يسامحنى لانفعالي وغضبي وقلت له اسمح لي ان اصاحبك وستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا كما قال سيدنا موسي لسيدنا الخضر ..
ثم أردت أن أخفف من وطأة المشاعر الجياشة فقلت له : ولكنك لم تحل مشكلتى فقال لي أية مشكلة ؟ قلت له أنا اشعر بالجوع وأنت رفضت طعامى فماذا نفعل فدخل آلي غرفته وأحضر خبزا وجبنا وسريسا وتناولنا معا الطعام ولم أذق في حياتى طعاما بمثل هذا الجمال ..
ثم قام بعدها وأعد الشاي وأثناء ارتشافنا للشاي سألته : لماذا غضبت كل هذا الغضب من تلك الحقيبة الملقاة هناك ..وكانت الحقيبة قد سقطت من يدى بعيدا ومازالت في مكانها ..فرد علي ردا مقنعا مفحما : من يعتزل الناس ثم يقبل احسانهم وصدقاتهم هو نصاب محتال يتخفي في ثوب العفة والوحدة والاعتزال لكى تأتيه الصدقات والزكوات بغير جهد فهو شحاذ يمارس الشحاذة والنصب بأسلوب مبتكر وانا لا يمكن ولن أكون هكذا أبد الدهر ..،،فقلت له : لقد فهمتك تماما وأنا آسف ان اتهمتك بالفظاظة والغلظة ..
سألته وأنا أتحرق شوقا لمزيد من العلم اللدنى الذي يملكه : هل يمكن أن تعلمنى مما علمت رشدا … فقال لي : لا يمكن ذلك إلا باذن من المولي سبحانه ..فسألته وهل تعلم شيئا عن جدي الحبيب الشيخ حسن …قال لي: سأحكى لك ولكن أرجوك ألا تسألنى عن شيئ بعدها إلا اذا سمحت لك .فقلت له : سمعا وطاعة .
فقال لي أن جدك الشيخ حسن يجالس والدك ويأمره بقراءة القرآن علي الدوام كما كان يفعل معه في صباه والصبي أحمد ابن أخيك المستشار حسن الذي مات صبيا غريقا يجلس في حجر جده الشيخ حسن علي الدوام أما الحاجة أم محمد والدتك فهى تجلس حولهما وتنصرف أحيانا لزيارة خالتك سعدية التى ماتت شابة بجلطة القلب كما تعلم ..ارجوك لا تسألنى بعد ذلك …. يكفيك هذا فقلت له: يكفيني ويسعد قلبي ويريح فؤادى حفظك الله ورعاك .
وأردت أن أغير دفة الحديث فقلت له لقد وعدتنى من قبل أن تحدثنى عن أحوالك وعما جاء بك الي هذا الكهف .
فقال لي : كنا ثلاثة ابناء لرجل طيب كريم انجبنى والدى بعد أن بلغ هو ووالدتى من الكبر عتيا .كان أخواى قد تزوجوا بينما أنا طفل أحبو وكان والدى يأخذنى في أحضانه كل ليلة ويحملنى كلما سار الي داخل القرية وكان يقول لوالدتى : سوف أرحل وأترك هذا المسكين وأنا أعلم أن إخوته غيلان متوحشة لن يتقوا الله في طفولته ولا يتمه ولا ضعفه .
ورحل ابي رحمه الله ورحلت أمى بعده بعام وكان عمري آنذاك خمسة أعوام
وبدأ اخواي في اذلالي جعلونى خادما لأولادهم الذين يقتربون من سنى وكانت زوجات أعمامي يطلبن منى أن أحمل أولادهم علي كتفي لكى اهدهدهم واسليهم وأخرج بهم وكان حمل اطفال في سنى يرهقنى جدا فكنت آخذ اولاد اخوتى والعب معهم في الخارج ثم نعود …

ويكون الجوع قد بلغ منا مبلغا فتأخذ كل زوجة اولادها وتدخل بهم ألي حجرتها لكى تطعمهم وأظل انا في صالة البيت انتظر ما يتبقي منهم ..وحين تنتهي كل منهما من اطعام اولادها تلقي لي بالاطباق الفارغة لكى اغسلها فآخذمنها بقايا الطعام الذي يلتصق بها او عظام الدجاج فأمصه وأنحت ما تبقي من لحم ملتصق بها ..والغريب أن أخوتى كانوا يعلمون ذلك ولم يفكر أحد منهما في أن يلفت نظر زوجته الي اننى طفل مثل اولادهم ينتابنى الجوع مثلهم ..وقنعت بذلك وظللت علي هذه الحالة في طفولتى اقوم برعاية اولاد اخوتى واعمل لهم ( أراجوز ) لكى يضحكوا ويسعدوا وهو العمل الذي تقوم به حاليا ( الدادة ) في البيوت وفوق ذلك كنت اكنس حجرات المنزل وأغسل الأطباق واذا سقط منى طبق نهرتنى زوجات اخوتى …
كنت ابيت ليلا ابكى وحيدا وسمعنى احد الاطفال فذهب لوالده وقال له ان مصطفي يبكى وحيدا في جوف الليل وجاءنى اخي فقال لي : ماذا بك فقلت له اننى مريض وحرارتى مرتفعة فاعطانى قرصا من الاسبرين وقال لي سوف تتحسن .،بينما اولادهم إذا مرضوا يذهبون بهم إلي الطبيب فورا …
وسبحان ربي كنت أتعافي من أمراضي أسرع من أولادهم الذين يذهبون إلي الطبيب من رحمة ربي بي
وتقدم العمر واصبحت صبيا وبدأت معاناة جديدة من نوع آخر ..سوف احدثك عنها فيما بعد

في الحلقة القادمة نتابع مسيرة العجوز الكريم