الجمعة. أغسطس 7th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

العجوز والكهف – قصة قصيرة

1 min read

بقلم دكتور محمد حسن – شموس نيوز

كنت كلما مررت عليه وهو قابع في جوف المزارع البعيدة أتعجب لهذا الرجل الذي يجلس وحيدا ليلا ونهارا وصيفا وشتاء …لا يمكن أن يكون حارسا فليس هناك حارس يقيم في جوف المجهول وأي شيئ يحرسه ..ليس حوله إلا زراعات خضراء لا تحتاج إلي حراسة وليس حوله بيت أو قصر يحتاج إلي حراسه ..كل ما يتراءي لي من بعيد حجرة صغيرة تشبه الكهف وبجواره كلب يجلس أمامه وفي الشتاء القارس يوقد نارا يستدفئ بها .. ثارت في ذهنى تفسيرات شتى ونبض قلبي بدفعات العطف علي هذا الوحيد البعيد ..

وفي يوم من الأيام قررت أن أعرف حقيقة أمره ..ربما كان مريضا نفسيا يحتاج الي مساعدة وربما كان طريدا لا مأوي له وفي كل الحالات فهذا انسان في حاجة إلي مساعدة ولا بد من استجلاء حقيقة أمره .

نزلت من سيارتي وسرت طويلا في الحقول حتى اقتربت منه فنبح كلبه نباحا شديدا فتوقفت وأشرت إليه أن يدفع كلبه بعيدا عني فنادى عليه وحين وصلت إليه وجدته يقرأ من خواتيم سورة إبراهيم : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون .إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ..) كان يقرأ القرآن مجودا بصوت جميل لم أسمع مثله من قبل ..لم يكن ترتيلا وإنما مجودا واضعا يده اليمنى علي أذنه اليمنى ويتمايل يمنة ويسرة كأن حوله مئات المستمعين …جلست بجواره صامتا لآي الذكر الحكيم وقد سيطرت علي رهبة القرآن وتهديد الآيات الكريمة وجمال صوته الذي يتردد في الفضاء ورهبة المكان ووحشته .

جلست صامتا أهز رأسي كما لو كنت أسمع سورة إبراهيم لأول مرة في حياتى .حتي إذا وصل إلي نهاية السورة تتابعت آيات التهديد مرة أخري ( هذا بيان للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب ) وحينما صدق قلت معه صدق الله العظيم ..أحسنت يا مولانا وأكرمك الله ..لم أسمع سورة ابراهيم بهذا الجمال وذاك الرقي وتلك الرهبة مثلما سمعتها الآن ..فرد ردا مقتضبا : الحمد لله ..شكرا لك .. ولم ينبس بعدها ببنت شفة …فتعجبت وسألته : لماذا تجلس هنا وحيدا يا أخي ومن يقوم بشئونك وكيف تتحمل الوحدة في هذا المكان الموحش ؟! فنظر إلي بطرف عينه وقال: وماذا يهمك في ذلك ؟! ولماذا تشغل نفسك بي ؟ أظن أنه الفضول المقيت عند كل الناس ..جئت تسلي نفسك وتمنيها بسماع قصة مشوقة عن رجل طريد شريد دفعته الأيام إلي غياهب الوحدة الموحشة أليس كذلك ؟ ولاتظنني خدعت بإطرائك لي أو بأنك علمت أن ما أتلوه من سورة إبراهيم ..ربما تكون ظالما مثلهم وربما تكون جاحدا شريرا تتخفي في ثوب البراءة والوداعة …دعك منى ولا تشغل نفسك بي ولا تمنيها بقصة مسلية ..

أصابنى الذهول من هذا الهجوم المباغت ومن هذه الاتهامات المتلاحقة ..ولكننى أدركت أن وراءه مصائب لا يعلمها إلا الله سبحانه ..فقلت له لقد تلوت آيات تتحدث عن الظالمين وبعدها مباشرة ظلمتنى باتهاماتك ..ماذا أفادك القرآن الكريم وعلي العموم شكرا جزيلا لك ..لم يدفعنى للمجئ إليك فضولي الذي تدعيه وانما دار في خلدى أنك رجل وحيد ربما تحتاج مساعدة ..ووالله الذي لا إله إلا هو أنا لست فضوليا ولا شريرا ولا ظالما …أشكرك يا سيدى .لقد أرضيت ضميري بالسؤال عنك .استودعك الله …وهممت بالانصراف فنادى علي : انتظر .تعال اجلس بجانبي .فقلت له كيف أجلس بجانبك بعد استقبالك السيئ لي وبعد اتهامك لي باتهامات أنا منها براء ..فقال : اجلس وانتظر وسوف تبدى لك الأيام أننى لم أظلمك بل الدنيا بأكملها ظلمتنى .. شعرت بحزن وأسف وجلست بجانبه وقلت له : إذن فقد صدق حدسي فأنت لم تجلس هنا من فراغ وإنما وراءك ما وراءك ….فقال لي هل استسمحك في أن تغلق ملف السؤال عن أحوالي ؟ فقلت له : كيفما تشاء .لقد شدنى قلبي لمساعدتك ..فقاطعنى قائلا : هل تشرب معى كوبا من الشاى ؟ فقلت له يسعدنى ذلك ..فقام وأحضر موقد الغاز الصغير ووضع الماء في طبق صغير ووضعه علي النار ثم بدأ يجهز الشاي . ثم أكمل حديثه :

بدلا من أن تشغل نفسك بي سوف أختبر ثقافتك الدينية ..فقلت له : ها أنت تعود إلي حدتك وهجومك …فضحك وقال لي : أفضل طريقة أن أتعرف عليك هى أن أسألك في كتاب الله ..هكذا رؤيتي ..فقلت له تفضل .. فقال لي : هل تعرف آيات أشد وعيدا للظالمين من تلك الآيات التى سمعتها من خواتيم سورة ابراهيم ..فقلت له : هي آيات عديدة في خواتيم السورة تثير الخوف والرعب في نفس كل من كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد …ولكننى أعرف آيات مزلزلة للظالمين غير ذلك ..يقول الحق سبحانه : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون في سورة الشعراء ….وقد ترك الحق سبحانه مصير الظالمين في هذا الآية مجهولا ليسبح العقل والفؤاد في تخيل أهوال العذاب الذي سيلاقونه …فانفرجت اسارير العجوز وقال لي : أحسنت ..هل تعرف آيات أخري ..فقلت له هناك آية في سورة الأنعام تبكينى كلما قرأتها ولذلك تعمدت ألا أذكرها أولا . فقال لي : اتلوها فقلت له : يقول سبحانه : ولو تري إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون …وانقطع صوتى وفضلت أن أتوقف وقلت : صدق الله العظيم ووجدته يبكى ويضع يديه علي وجهه …ثم مسح دموعه وقال لي : بارك الله فيك ..

صمتنا بعض الوقت ثم وجدته يسألنى عن عملي فقلت له : أليس هذا فضولا مقيتا منك فضحك بأسي وقال : اعذرني يا أخى ..فقلت : انما امزح معك .أنا طبيب .. فقال لي : لم يحن الوقت لأحكي لك حكاياتى المحزنة ولكننى أقول لك أننى تأسيت بأهل الكهف حين قال الحق فيهم : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلي الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا …فقلت له : ولكن أهل الكهف اعتزلوا الكافرين وفروا بدينهم ..فضحك طويلا وقال : وهل تظن الظالمين الذين نعيش بينهم يعلمون شيئا عن ربهم أو دينهم ..هل تراهم يختلفون عن الكافرين ..،هل علمت عدد الآيات التى وردت في حق الظالمين والعذاب الذي ينتظرهم ….هل يكفي الإنسان ان يشهد بالوحدانية ثم يتحول إلي وحش مفترس ….قلت له معك حق … وسألته : من الذين تقصدهم بكلامك هذا …قال لي : كلهم ظالمون ..كلهم خونة ورعاع ..كلهم جاحدون ..كلهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ..كل الناس . كل الناس .،لا أستثنى أحدا ..

أدركت أن بداخله جروحا عميقة ينبغي بعدها الحذر في الحديث حتى لا أنكئ هذه الجراحات الدامية وقررت أن أتلطف في الحديث فقلت له : لا يعقل يا أخى أن يكون الناس كلهم علي شاكلة واحدة فالحق يقول في سورة يونس : ولا يزالون مختلفين …فرد علي بغضب وضيق قائلا : علي الأقل لم أقابل في حياتى أحدا شذ عن القاعدة .لم أقابلهم .،كل الذين رأيتهم وسمعتهم وتعاملت معهم بعيدون عن منهج الله .،يأكلون أموال اليتامى ويستبيحون كل الموبقات ويظلمون ويبغون ويكذبون ..

أحسست أنني لا بد أن أصمت بعدها احتراما لأحزانه واجلالا لذكرياته الأليمة .

في الحلقة القادمة نعرف ما خفي من أمر العجوز الحبيب