السبت. سبتمبر 21st, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

القائد “البطـل” .. بين الواقع و الأسطورة

1 min read

بقلم د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

تخيَّل أنك تجلس فى قاعة العرض السينمائى لتشاهد فيلمًا للفنان المحبب لديك ، لكنك تفاجأ أن المخرج وفقًا للسيناريو وضع له نهاية مأساوية بالموت ، فإنك بالتأكيد ستخرج إلى الشارع حانقًا على المخرج والدنيا والحياة والفن وتوابعه ، لأن “البطل” فى المفهوم الجمعى لايمكن أن يُهزم أو يموت ! وهذا ماتواتر إلينا من السيرة الشعبية للبطل كأبى زيد الهلالى الذى يُصاب فى المعركة بألف طعنة سيف طوال النهار ، ثم يدخل إلى خيمته فى استراحة المحارب ، ليقوموا بتطبيبه ومعافاته ؛ ليخرج فى الصباح الجديد شاهرًا سيفه البتَّار ليقاتل بكل القوة والشجاعة ، لأن الموت ـ فى عرفنا ـ لايَطال الأبطال !

والأعمال الفنية دائماً ما تقوم على عاتق البطل بالطريقة نفسها التى تبحث بها الشعوب عن البطل القائد المخلِّص ؛ الذى ينجيها من المشكلات داخل المجتمع وخارجه ، وغالبًا ما تكون الأساطير والسير الشعبية هي الوسيلة التي تنبع من وجدان الشعب في أوقات الشدة أو الضعف وتكون الاسطورة هى الملجأ والملاذ ، ليُرفع على الأكتاف من يتوسمون فيه البطل المخلِّص الذى يخرج من قلب الجماهير ليتقدم الصفوف حاملاً أحلام مجتمعه ليحققها بحد السيف أو القوة المتاحة لديه مستندًا إلى تعضيد الجماعة التى اختارته ليتصدر الصفوف ويتحدث باسمها .

ومفهوم البطل Hero في الحياة وفي الأعمال الأدبية والفنية واسع يشمل أنماطاً متنوعة من الشخصيات الاستثنائية. فقد نقلت الينا الحضارة الفرعونية المصرية من كانوا يعتبرونه “نصف إله” وهو “أوزوريس” الذي يعود للحياة بعد أن تجمع “إيزيس” رفاته فى تابوت كبير من على ضفتى النيل العظيم ،وقرأنا فى الأدب العراقى خلال حضاراته المتعددة عن ” آنكيدو” فى ملحمة “جلجامش” الذى يبسط سيطرته على الحيوانات الوحشية . وفي الحضارة اليونانية، امتزج الخارق بالإنساني في صورة البطل، فكان “أخيل” الذي يموت من سهم يصيب كعبه برغم كل قدراته الخارقة، وهو المنقذ الذي يؤسس المدن أو يحميها بذكائه كـ “أوديب” الذي ينقذ مدينة طيبة باجابته عن أحجية ” الهولة ” بعد تمرده على والده لتحقيق حلم العرَّافة ، ولنعرف من التاريخ اليونانى عن “عقدة أوديب” و”عقدة ألكترا” ، ولكن الدخول إلى هذه المنطقة سيبتعد بنا عن حديثنا عن “البطل” ومقوماته ؛ولماذا يختاره شعبه ليعمل على إنقاذه ببطولاته الخارقة حتى لو كانت من وحى خيالهم .

وفى العصر الحديث اختلفت المعايير على منطوق البطولة والبطل ، وتنوع الإعجاب إلى جوانب عديدة كالإعجاب بالقادة العسكريين ورجال الحكم ، وهناك من اعتبر البطولة قاصرة على الذكاء والعبقرية للمخترعين والعلماء ، ومنهم من اتخذ منحى آخر بعيدًا تمثل فى الاهتمام بأبطال الرياضة والرشاقة الجسدية من مفتولى العضلات التى تبهر الشباب فى مقتبل العمر ، فأصبح كل فريق يناصر نوعية خاصة يمنحونها لقب ” البطل ” ويتعصبون لمفهومهم الخاص .

ودعونا نترك التاريخ وسطوره وأساطيره الخارقة ، لنهبط إلى أرض الواقع المصرى الذى يجتاز فى هذه الآونة مانعتبره فترة من أهم وأعقد فترات تاريخه الطويل ، ومن الطبيعى أن يكون الإحساس الجمعى فى حاجة ماسة إلى ظهور “الرجل الاستثناء”سواء بمقوماته الشخصية أو بمنجزاته المتفردة الصادقة التوجه والهدف التى تصب فى صالح مجتمعه ، والتى يعتبرها من الخوارق لتحقيق حلم الشعب فى الانتصار على قوى الشر التى تحاول فرض سيطرتها عليه سواء بالقهر أو بقوة السلاح ، أو بالأفكار الهدّامة والمتطرفة التى لاتتفق مع دينه ومعتقداته السامية ، وهذا “الرجل الاستثناء” الذى اختاره ـ بكل الطواعية ـ الإحساس الجمعى فى الواقع المصرى ؛ خرج من بين صفوفهم ووجدوا فيه من يجسد منظومة رائعة من القيم والأخلاق لحماية الوطن من التردى فى مساقات لاتتفق وتوجهاته السياسية والعقائدية التى جُبل عليها المجتمع ، فأغلب الثورات البشرية مهَّد لها فرد ؛ كسر قيود الأغلال فتبعته الجموع ، وجاءت كلمة جمال عبد الناصر لتؤكد هذا المعنى والذى طرحه أيضًا أديبنا توفيق الحكيم فى روايته عودة الروح “الكل فى واحد” ، بقوله : “لقد رفعت صوتى أكثر من مرة محذراً من الاعتماد على الفرد لأن كل فرد له دور يؤديه ويمضى الشعب وحده من الأزل إلى الأبد ” محفزًا الجماهير بتمثُّل دور القائد كلٌ فى مكانه .
فهل نحن الآن نعيش هذه الفترة التى ستكون كالأسطورة بعد مئات الأعوام ؟

أستاذ الدراسات اللغوية ـ أكاديمية الفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *