القوى الناعمة.. والاستثمار الرياضي!

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 11 فبراير 2019 - 1:29 صباحًا
القوى الناعمة.. والاستثمار الرياضي!

بقلم أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان – شموس نيوز

كانت رؤيتنا ثاقبة حين قمنا بفتح ملف “القوى الناعمة” في الفنون والثقافة؛ واستبيان مدى تأثيرهما الإيجابي على ضمان واستقرار الأمن القومي في الواقع المصري المعاصر؛ اكتشفنا أن فتح هذه الملفات كان بمثابة إلقاء حَجَر في مجرى الماء ليصنع دوائر لا نهائية تتلامس مع كل مجريات الحياة على أرض الوطن؛ بما فيها المجال الرياضي بكل أشكاله وصنوفه؛ وليس وقفًا على ممارسة “كرة القدم” اللعبة الشعبية الأولى في مصر والعالم العربي ومعظم بلدان العالم في الشرق والغرب؛ وتنبع أهمية استقراء ملف القوى الناعمة رياضيًا؛ خاصة بعد فوز مصر بشرف تنظيم كأس الأمم الإفريقية للعام 2019 في النسخة الثانية والثلاثين من هذه البطولة، وسبق لمصر القيام بتنظيمها 4 مرات في 1959 و1974 و1986 و2006 وتوِّجت باللقب في ثلاثٍ منها؛ ليصل مجموع فوزها باللقب إلى سبع مرات منذ إقامتها.

ومن المدهش أن نجد بعض الشرائح الموجودة في تركيبة المجتمع المصري؛ تنظر إلى المجال الرياضي بنظرة شديدة القصور والتقصير في دعمه ماديًا ومعنويًا، وتشيع بعض الفصائل غير المنتمية إلى انتهاج الشعور الوطني الصادق؛ أنها مجرد “ملهاة” للجمهور عن بعض مشكلات الواقع الاقتصادي أو السياسي المؤقتة.

وتناسى هؤلاء أن الرياضة أصبحت صناعة واستثمارًا وترويجًا للسياحة الداخلية والخارجية، وعوائدها مصدر للخير للأسرة المصرية؛ ليس باعتمادها على الدخل المادي فحسب؛ بل الروحي والمعنوي أيضًا، فالرياضة أصبحت رافدًا من روافد القوى الناعمة الإيجابية، ولا يمكننا اختزالها في الفن والثقافة والأدب، وسنرى هذا جليًا في تزكية الشعور بالانتماء عند عزف السلام الوطني لطرفي كل مباراة في كأس الأمم الإفريقية، والشعور بمدى انعكاسه على اكتساب مساحات جديدة من التأييد لسياسة الوطن من كل شعوب الدول المشاركة؛ وهذا هو بيت القصيد مما نتمنى أن نجنيه من فعاليات القوى الناعمة المصرية في هذا المجال.

ففي الساحة الرياضية ومزاولة المنافسات الشريفة في كل الألعاب؛ نرى كيف يذوب الجميع في بوتقة واحدة؛ تهنئ الفائز وتتمنى الحظ الأوفر لمن لم تسعفه قدراته على الفوز، ويتم هذا التناغم بصرف النظر عن الجنس واللون والعقيدة ومؤشرات الفقر والغنى، وليكون البساط الأخضر أو حلقة النزال أو السباق فرصة لتنمية الحوار المثمر بين الثقافات؛ لأن عالم الرياضة فريدٌ في نوعه وأهدافه الراقية؛ فهو لا يخضع للأطُر السياسية والأيديولوجيات التي تعمل على التفرقة والتنافر والتناحر؛ بل تؤدي إلى خلق الصراعات الإقليمية التي قد تصل إلى الصدام المسلح في كثيرٍ من الأحيان.

ومن منا ـ صغيرًا أو كبيرًا ـ يستطيع أن يُنكر سعادته بوجود أبطال على مستوى اللعبات الجماعية أو الفردية؛ يحملون الجنسية المصرية على الساحة الرياضية في شتى بلاد العالم، ويشعر أن كل انتصار لفرقهم أو لأحدهم هو انتصار شخصي له ولوطنه؛ ولراية بلاده التي ترتفع فوق كل صارية مع السلام الوطني؟ فهؤلاء هم طلائع كتيبة القوة الناعمة التي تُغني عن قراءة عشرات الكتب والمجلدات في الحب والانتماء والاعتزاز بالهويَّة.

لقد توصل الباحثون في مجال القوى الناعمة وعلاقتها الأكيدة بالرياضة؛ أنه قد يعمل على تنميتها وإثرائها مجرد مُنتج محلي يحمل “علامة تجارية” تتداوله الجماهير في ساحات الملاعب؛ سواء كان منتجًا غذائيًا أو مشروبًا غازيًا أو زيًا رياضيًا؛ فإن هذا يعمل على اتساع رقعة التعارف والتقارب على كل المستويات الإنسانية الراقية.

إن المرحلة السياسية الوطنية التي تجتازها مصر ـ تحت قيادتها الواعية ـ في هذه المرحلة الفارقة في تاريخها المعاصر، يجب ألا تتغافل عن الدعم المستمر للقوى الناعمة بين صفوفها على كل المستويات، وبخاصة الذين نقصدهم بفتح هذا الملف المهم في حياتنا؛ وألا تبخل برصد الميزانيات والإعلان عن الجوائز التي تُمنح للمتفوقين على كل الأصعدة، والتي تكون بمثابة الحافز للانطلاق والتقدم نحو الصدارة واعتلاء منصات التتويج، ولا تلقي بالاً لدعوات المثبطين للهمم للتحجيم من بنود الإنفاق على تلك المجالات الحيوية.

وتبقى كلمة لابد من قولها بدافع الغيرة والحرص على مكتسبات قوتنا الناعمة المصرية في مجال الاستثمار الرياضي، وهو ضرورة سيطرة الدولة وتشديد قبضتها الرقابية على رءوس الأموال المستثمرة في الرياضة ـ وبخاصة كرة القدم وأنديتها ـ من رجال الأعمال الأجانب والأثرياء العرب، وهي بالطبع ظاهرة صحية يجب ألا تُستغل من قِبل هؤلاء لتسريب الأبطال إلى الدول الأوروبية أو الآسيوية، فمن هذا المنطلق كانت مطالبتنا بضرورة المراقبة المستمرة للحفاظ على ثروتنا القومية من هؤلاء الأبطال.

رابط مختصر