الخميس. أغسطس 13th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

الكاتبة نجلاء احمد في رحلة زهور البرتقال قراءة في دفتر احوال المرأة

1 min read

دكتور أحمد الباسوسي – شموس نيوز

التفاصيل الصغيرة قد تبدو لدى البعض مملة، وتبدو بمثابة الملح في الطعام لدى البعض الآخر، وتبدو مدهشة وقادرة على الجذب وباعثة للبهجة والحياة لدى اولئك المولعين بحب الحياة والاستغراق في ذرات الواقع وجزيئاته وكافة تفاصيله. ان الحياة اليومية العادية عبارة عن لقطات فوتوجرافية تمثل في حد ذاتها زملة من التفاصيل الدقيقة تشكل في مجملها الدراما التي نعيشها، والكاتبة المبدعة نجلاء احمد حسن تبدو قادرة على التقاط ورصد تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، خاصة ما يتعلق منها بالجوانب الانثوية شديدة النوعية والخصوصية.
ان الكتاب الذي صدر مؤخرا عن مكتبة جزيرة الورد في شهر مايو الماضي 2020 ويضم بين دفتيه سبعة عشر نصا قصصيا قصيرا وعدد نحو (91) صفحة من القطع المتوسط بخلاف المقدمة والفهرس، يمثل حالة فريدة في عالم القصة ينبغى الالتفات اليها وتسليط الضوء عليها.

انه كتاب مفعم بالتفاصيل الانثوية المفرطة التي نسجتها الكاتبة باقتدار مدهش يؤكد ان الابداع له مسارات كثيرة، وان الكاتبة الأنثى المبدعة تستطيع ان تعكس تفاصيل وخلجات ومشاعر الأنثى باقتدار وحساسية وحرفية ربما تفوق ما يعكسه الاديب الرجل عن واقع الأنثى، وان الاديب والصحفي العظيم احسان عبد القدوس، والشاعر المتمرد الاسطوري نزار قباني ليسا من حقهم وحدهم احتكار التعبير عن خلجات ومشاعر وتفاصيل الانثى، بل هناك مبدعات عظيمات كسروا هذا الاحتكار، ونشروا اعمالا ابداعية عكست التفاصيل الانثوية في التفكير والمشاعر والسلوك بجرأة عظيمة وابداع فائق، ومهارة حرفية بالغة الاتقان بداية من فيرجينيا وولف، وجين اوستن، كما ان هناك اخريات استعرن اسماء ذكورية صدرن بها كتاباتهم مثل جورج ساند وكان الاسم المستعار للاديبة الروائية الفرنسية لامارتين اورو لوسين دوين، والروائية الانجليزية ماري آن ايفانس التي كانت توقع أيضا باسم جورج اليوت. وفي مصر هناك طابور من الروائيات المبدعات تصدرن المشهد الابداعي على وجه العموم، وخصوصية التعبير عن الخلجات الانثوية الدقيقة على وجه الخصوص، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الطبيبة الروائية الثائرة نوال السعدواي، والاكاديمة العظيمة الروائية رضوى عاشور، وسلوى بكر، وعزة رشاد، والروائية الاكاديمية استاذة الادب الانجليزي سحر الموجي، والاكاديمية المبدعة الجميلة ميرال الطحاوي، والروائية الكاتبة الصحفية منصورة عز الدين… الخ من جيل المبدعات الكبار الذين تجاوزت ابداعاتهم الشخصية حدود ما هو عام الى ما هو خاص جدا يتعلق بمشاعر وخلجات وكافة تفاصيل الأنثى وقضاياها.
ان امينة المكتبة والناشطة الثقافية نجلاء احمد حسن باصدارها “رحلة زهور البرتقال” تلك المجموعة القصصية المتميزة استطاعت ان تجد لها مكان وسط تلك الزمرة من المبدعات اللائي تنير ابداعاتهن سماء الوطن، فقد تركت نفسها تسبح في بحر الخيال، وتمزج العام بالخاص، وتضفر كل ذلك في شكل نصوص قصصية تعكس واقع انثى الطبقة الوسطى في جميع حالاتها الانفعالية والفكرية والسلوكية، توتراتها، تطلعاتها، احباطاتها، وخيبة أملها في واقع ثقافي اجتماعي غير داعم وغير موات لطموحاتها وأحلامها.
استطاعت الكاتبة ان تغرق قراءها في تفاصيل الوجع الذي يعتري انثى الزمن الحاضر الذي تعقدت متغيراته، وتسارعت ايقاعاته الحركية والانفعالية بصورة مدهشة لايمكن السيطرة عليها.
ان عتبة النص أو عنوانه “رحلة زهور البرتقال” تشي بحالة زمنية /مكانية مغموسة في رحيق زهور البرتقال المميزة، وتتجه الصورة الذهنية التي ارادت الكاتبة غرسها في عقل المتلقي للمجموعة الى المروج الخضراء وشجر البرتقال وعبيره الباعث على الحياة والبهجة والحب والشباب.
النص في حد ذاته الذي يمثل القصة الرئيسية في المجموعة تعتمد مفارقته على رحلة زمنية لفتاتين صديقتين فقيرتين بدايتها من طريق المدرسة القديمة حيث الفيلات والقصور عبر الطريق والطموح والاحلام والآمال. تقول الكاتبة ” تضحكان وتتجاذبان الحديث، ترتديان زي المدرسة الكحلي اللون وقميصا ابيض يظهر البراءة والجمال الطبيعي، تعلوه تسريحة ذيل الحصان ، تنظر كل واحدة منهما الى احدى الفيلات المحاطة بالاشجار الكثيفة المنبعث منها روائح زهور الياسمين والفل وزهور البرتقال والتفاح في حي المهندسين الهادي “. رحلة استغرقت الزمان والمكان والاحلام المتباينة، لكن دائما يكون الواقع صعب ولا مجال فيه للأوهام، فقط الجدية والصبر يقودان الى الحديقة العظيمة وشجر البرتقال، هذه رسالة الكاتبة الى قراءها، وهذه مفارقتها القيمية التقليدية. ولا تزال رائحة الزهور تستغرق الساردة وتهيمن على مقدرات العقل الواعي لديها لكن هذه المرة تأتي مع ميلاد الطفلة الجميلة في نص ” الجذور والزهور” حيث رسمت الساردة العليمة لوحة قصيرة للحظة ميلاد أم لطفلتها، ومفارقات وتطور تجليات الالتصاق والنمو الجسدي والنفسي للطفلة بمراحله المختلفة، في صورة عميقة الخصوصية، مشبعة بتفاصيل مدهشة نجحت الكاتبة في تسجيلها ببراعة علماء التربية وعلم النفس وانتهاء بالانفصال الطبيعي للزهرة الجميلة عن الأم الجذور، وزواجها لاحقا والدوران في نفس دائرة الواقع الذي لن يكف ابدا عن الحركة. تقول ” امتلاءت الحياة بالزهور والرياحين حين اتت الى الحياة”. هكذا كان المبتدأ. ثم تقول أيضا ” وانا مازلت انظر الى فستانها الأبيض المزركش الناعم واجد روحي تتبع انفاسها الصغيرة لتبدأ الحياة تزهر من جديد مع قلبي وقلب قلبي “. وهكذا تعود الحياة للدوران من جديد. وتذهب بنا الكاتبة في رحلة أخرى أكثر اثارة للدهشة والتشويق في نص “الأثير”، انها رحلة التفاصيل الدقيقة المهمة عن لحظة الولادة، بداية الحياة والخروج من الرحم. تتعايش الكاتبة أو الساردة العليمة مع تفاصيل تلك اللحظة في غرفة العمليات تقول” اضاءة قوية مسلطة على جسدي ومجموعة بشر بزيهم الأخضر يمسكون مشارط ومعدات معدنية وادوات جراحة معقدة لا ادري لما كل هذا الاسطول”. ثم تستطرد ” سأسمع للحياة نغما جديدا وذوقا ممتعا وملمسا رقيقا، وكم كانت صورة سونار حملي مبهجة ودقات قلب تخفق في داخلي واسمعها جليا”. لحظة الولادة والخلق تمثل حالة في النص ينبغي الالتفات اليها لدى الساردة، كأنه الشغف الطفلي بالخروج من الرحم والحياة. النص ينتصر للحياة والأمل ويتسق مع روح الكاتبة في نصوصها السابقة ومجمل نصوص تلك المجموعة عامة.
لكن الواقع ليس زهورا وروائح ولحظات ميلاد وخلق فقط، بل هناك صدمات وخيبات أمل أيضا، ان نص ” الخسوف الكلي للقلب” يوضح كيف يمكن ان تنهزم القيم الانسانية في خضم واقع تغير فيه الاشقاء والناس والظروف. الساردة العليمة أو الشقيقة الكبرى تواجه تمرد وجحود شقيقتها الصغرى التي هي بمثابة ابنتها بذهول وصدمة واجترار لتفاصيل علاقة كانت، وزمن كان، وشقيقة صغرى تبلدت مشاعرها وعواطفها وهربت من شقيقتها ورفيقة رحلتها وربيبتها من دون علمها فجأة تاركة لها بطاقة دعوة لحضور زفافها. ويعتبر نص “ابتسامة الغدر” من نصوص المجموعة الذي تعتمد مفارقته على سوء الفهم الذي حدث بين أم توحدت تماما بولدها الوحيد لدرجة الغيرة الشديدة عليه من خطيبته حيث ينتهز كل اجازة له من وحدته العسكرية في سيناء ويقتنص لحظات قليلة للقائها، الأم أو الساردة العليمة تسبح في بحيرة من الافتراضات والاستنتاجات وتحولها عن طريق عقلها الشكاك الى حقائق دامغه بان تأخر عودة الابن المقاتل الى حضن امه مرده مروره على خطيبته قبلها. تشتعل نيران الغيرة والحقد في قلب الأم، وتتصل بخطيبته التي تخبرها بدورها بعدم وصول خطيبها بعد، لكن الذي وصل وطرق باب الام زملاء الابن يسلمونها متعلقاته ويخبرونها عن استشهاده على يد الارهابيين الغادرين في سيناء، مفارقة مدهشة بحق.
ان سوء الفهم وحقد الأم على الخطيبة يتحول لدى الأم الى ألم نفسي رهيب بسبب مشاعر الذنب، وكذلك تنتابها طاقة غير عادية من رغبة احتواء تلك الخطيبة المنهارة على حبيبها الشهيد الذي لم يعد ولن يعود الى احضانها مرة اخرى.
النص يبدو تقليدي، والتيمة متكررة لكن هندسة البناء السردي محكمة بدرجة كبيرة، كما ان سلاسة اللغة وعذوبتها شكلت ايقاعا رومانسيا لافتا انعكس في ذلك القدر الكبير من تأثير النص على المتلقي، بحيث تستغرقه مشاعر الاسى والحزن عقب الانتهاء من قراءته. وتستمر رحلة الكشف في تفاصيل الواقع المهترئ الذي يفرز حقدا وخيانة وخسة في نص “تحية المساء” وتتمثل مفارقتة في تلك الطعنة الغادرة التي تلقتها “نور” الشابة الجميلة المعطاءة النابهة من معوقها وأقرب الناس اليها، وهي من وهبته شبابها وعلاقاتها واتصلاتها ووظيفته التي سلبها منها غدرا ، تؤكد الكاتبة خلال هذا النص الجيد على مبلغ تراجع القيم بين الناس، واستسهال ممارسة سلوكيات وأفكار الغدر والخيانة دون أدنى شعور بالذنب . وتتسع الرؤية أكثر مما تتحتمل مشاعر الكاتبة أو الساردة العليمة فتدهشنا بهذا القدر من الخلط والارتباك في نصين متتاليين “المغناطيس” ، و نص “طلب صداقة”، مؤكد ان هذا الأمر يرجع الى مبلغ الخلط والارتباك في الواقع الحقيقي والذي يطال عقولنا على أي حال، في المغناطيس تنجح الكاتبة في الكشف عن حالة الانبهار بالضابط الجنرال في الجهة السيادية، وينعكس هذا الانبهار على تصرفاته معها وافكاره عنها، وضعت حواجز قيمية لكن ظلت منبهرة ومأخوذة، وحاول تخطي الحواجز لكن ظل قلقا مترددا، حتى ذابت العلاقة ولم يتبق منها سوى انبهار عالق رغم الحواجز القيمية وجنرال يعدو للخلف هربا من واقعه المجهول. نجحت الكاتبة في كشف مبلغ الارتبك والغموض والتردد والرغبة المكبوتة التي لم يتسع نطاق العلاقة لاحتوائها. وفي نص طلب صداقة تتزايد الدهشة والتأمل، عاشق ولهان جدا يخترق عرين سيدة جميلة ناشطة فيسبوكية ويغرقها بسيل من عبارات المحبة والهيام على رؤس الاشهاد من اصدقائها واسرتها، حالة من الارتباك تلبستها وخرجت منها غير مصدقة ذلك الذي يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يعود من السفر ليواصل لعبة الغرام التي تلبسته حيال تلك السيدة الجميلة الهانئة وسط اسرتها الهادئة، هجم عليها في مقر عملها بعبارات الحب والغرام واستجداء مجرد طلب قبول الصداقة وتركها وترك لها زهورا ودهشة واثرا ربما لايندمل لاحقا. وهكذا تركتنا الكاتبة في حيرة من امرنا مثلما هيه في حيرة من أمرها أيضا. حقا انه نص جميل، مدهش، ينساب في داخلك وبين ثناياك في عذوبة ونعومة والدهشة التي لن تغادرك حتى بعد ان تفرغ من قراءته بسهولة. وتتسع رؤية الكاتبة ويتسع خيالها الابداعي لتكشف لنا عن تفاصيل نص ” الساعة الثانية عشر” وعاشقان اقتربا كثيرا من بعضهما منذ شبابهم المبكر، لكن المقادير شاءت ان ينفصلا بعد خلاف طارئ، العاشق انسحب من حياتها بعد ان دس في يدها دبلتها، لكنه لم يتمكن من ان يسحبها من داخله ولا ان يخلع صورتها ولا صوتها من وجدانه، والعاشقة غادرت الى المجد والتفوق المهني دون ان تغادره في داخلها ووجدانها، يلتقيان بالمصادفة بعد سبعة عشر عاما، العاشقان اكتشفا انهما اصبحا في عالمين مختلفين حتى ولو انجبا ابنا وابنه كل بنفس اسم صاحبه. لكن هيهات، الزمن تغير، التفاصيل تغيرت، النص لغته السردية جميلة، يذهب بك الى عالم جميل من الحلم والرومانسية وخيبة الأمل .
وتظل مفارقة نص الساعة الثانية عشر شاهد عيان على نهاية قصة العشق الجميلة وكذلك نهاية اللقاء الذي رتب له القدر بالصدفة ليكون كاشفا لمحنة عاشق علق في هذا الجزء من الزمن واصبح حبيسه الى الأبد. ان هذا النص من نصوص المجموعة يكشف شغف الكاتبة بالكشف عن تفاصيل الانجذاب المشاعري الرقيق تجاه الانثى وتفاصيل الانفصال الجسدي الخشن عن الانثى أيضا، ويعتبر النص من النصوص القليلة في المجموعة التي يكون فيها السارد العليم ذكرا وليس انثى كما اعتدنا في النصوص السابقة، وكأن العقل الباطن لدى الكاتبة يحمل الرجل وحده مسئولية انفصال العلاقة أو فشلها، ويبرئ الأنثى من هذا الحدث. ويظل هناك الكثير من الاسئلة عالقة في ذهن الكاتبة مثلما هي عالقة أيضا في ذهن القراء، وتتداخل تفاصيل الغيب مع الخرافة مع الدهشة، يمتزج كل ذلك ويكشف عن نص تحمل تفاصيله موزاييك أرث الطبقة الوسطى بتطلعاتها وجنوحها ومعتقداتها، ان نص “حبيبتي نينة” قابل للقراءة بأكثر من وجه، لكن يظل لقاء السيدة صاحبة المنزل بالسيدة العجوز صاحبة معجزات التخلص من السحر والشياطين التي التبست الفتاة الصغيرة الجميلة مفارقة النص في صحبة هذا الجو الاسطوري الارستقراطي الذي يستهوي الكاتبة وتجيد تصوير تفاصيلة الدقيقة عن جدارة تستحق التقييم، الشغف توقف، والانفاس حبست، والعريس الشاب الرائع الذي لم يتحول في عين فتاتة هذه المرة الى قرد ممسوخ كما تحول الجميع قبله يصبح حفيد السيدة العجوز صاحبة المعجزات والتي لايختلف مستواها الطبقي ولا ثراءها عن مستوى وثراء السيدة صاحبة المنزل.
وكما اتت بنا الكاتبة الى هذا المكان فجأة فانها تغادرنا فجأة وقد تركت داخلنا أثرا وحركة لايمكن ان نتخلص منهما بسهولة. ان نصوص الكاتبة نجلاء احمد حسن تتميز في المجمل بالسلاسة ومعاقرة نساء الطبقة الوسطى التي هي منهن والتي تكافح من أجل البقاء والاستمرار على الرغم من الضغوط والصعوبات.. كما تتميز بمعايشة الواقع الاجتماعي والنفسي لنساء هذه الطبقة والتبحر في تفاصيله التي هي في الاساس مجموعة الهموم والاوجاع والآمال والاحلام والطموحات، وقد نجحت الى حد بعيد في طرح ذلك في نص “دموع في عيون بنية” الذي انبنى على اساس الحرب الخفية غير المعلنة على الكفاءات واحلام المبدعين وسرقة مشاريعهم وافكارهم من دون خجل أو أدنى شعور بالذنب. بقى ان نذكر ان العناوين الداخلية لنصوص قصص المجموعة في حاجة الى مراجعة في الطبعات القادمة من الكتاب حيث لم يعكس عنوان واحد محتوى أو مضمون العمل، كما ينبغي العناية أكثر باللغة والتدقيق اللغوي واعتماد الجمل القصيرة في الحكي ضرورة اساسية عند الكتابة.
د. احمد الباسوسي
كاتب وروائي