المثقف العربي في زمن الهزائم

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 26 مايو 2017 - 5:54 صباحًا
المثقف العربي في زمن الهزائم

بقلم د. محمد صابر عرب – مصر

عشت وغيري من أبناء جيلي عصر الحلم الكبير ، حينما كنا نحلم بوطن عربي ينعم فيه المواطن بحقه في الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار وعودة فلسطين إلي أصحابها . كنا نحلم بأشياء كبيرة وبسيطة في نفس الوقت ، كانت تملؤنا البهجة والأمل ونحن نقرأ أشعار نزار قباني ومحمود درويش ونستغرق في الوعي والمتعة ونحن نقرأ كتابات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ، ونستمع إلي أغاني أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب .
رغم هزيمة ١٩٦٧ ، لكن أحلامنا لم تتبدد ، وثقتنا في المستقبل كانت أكبر كثيرا من واقعنا ، كان المشهد على أرض الواقع بائسا ، لكن الخطاب الثقافي والفني كان صادقا ومعبرا ومحفذا بعد أن اخترق كل القيود الأمنية التي حاولت أن تحد من حركة المثقف ، وهكذا كان الخطاب الثقافي بمفراداته الفنية والأدبية والاجتماعية بمثابة طوق النجاة لجيل كان يئن من وطأة الهزيمة ، لذا لم تنكسر نفوسنا ولم تتبدد أحلامنا !
لقد مر على هذه المأساة ما يقرب من نصف قرن ، انقلبت فيها الدنيا رأسا على عقب حتى أفريقيا التي كان قد تجاوزها التاريخ قد استعادت حريتها واستقلالها ، وراحت تشهد نهضة سياسية واجتماعية واقتصادية نتابعها يوما بيوم ، بعد أن نفضت غبار ماضيها ، وراحت تتطلع نحو مستقبلها بقدر من الثقة .
لكن المشهد العربي البائس قد أصبح هو الحاضر صباح مساء ، ونحن نتابع بقدر هائل من الألم والمرارة ، فها هي بعض أوطاننا قد استبيحت ، والكثير من مدننا قد دُمرت ، وشعوبنا قد تشردت ولم يبق من الجامعة العربية إلا مبنى على نيل القاهرة وشارع يحمل اسمها في أحد أحياء القاهرة الكبرى . ورغم ذلك فما يزال مثقفونا يكتبون وُينظَّرون ، ويملئون فضاءاتنا بأحاديثهم وفلسفاتهم ومعاركهم.
إذا كان بعض حكامنا قد دخلوا التاريخ لأنهم أضاعوا أوطانهم ، فان بعض مثقفينا أيضا قد شغلوا حيذا كبيرا من المشهد ، حينما استغرقوا في عوالمهم الخاصة وجوائزهم الكبيرة والصغيرة ، بعد أن انفصلوا عن واقعهم البائس .
شاء حظنا أن نعيش هذه المآسي كلها في أوطان لم يبق منها إلا اسمها وتعاسة شعوبها، نشاهد كل ذلك عبر وسائل الإعلام وبعضنا قد فضل البقاء في وطنه منتظرا مصيره في أي وقت، لا يمكن أن أنسى ما حييت حينما سافرت إلي بغداد منذ أكثر منذ ثلاثة أعوام بدعوة من وزير الثقافة العراقي وقتئذ الدكتور سعدون الديلمي ، بمناسبة الاحتفاء ببغداد عاصمة للثقافة العربية.
كانت المرة الأولى التي أزور فيها بغداد ، التي درست تاريخها الثقافي والعلمي – لقد زرتها وقد اختزلوها إلي ما أسموه ” المنطقة الخضراء ” حيث أقيمت الاحتفالات الثقافية والفنية التي لم يحضرها الا بعض الموظفين ورجال الأمن ، لذا فقد طلبت من وزير الثقافة أن أخرج إلي بغداد ، أتجول في شوارعها ومكتباتها ، أتلمس مبانيها وكتبها . حاول الدكتور سعدون الديلمي اقناعي بعدم الخروج ، لكن إصراري على النزول إلي بغداد كان قويا لذا فقد استجاب الوزير ، وقد سألني ماذا تريد من بغداد ؟ قلت : كل بغداد ، أتمشى على دجلة والفرات ، أزور بيت الحكمة ، المقاهي ، الشوارع ، أشاهد وجوه الناس .
صاحبني في هذه الزيارة چنرال كبير ، وقد دعاني إلي الجلوس بجانبه في مدرعة عسكرية ، تتقدمنا مدرعة وخلفنا مدرعة أخرى ، وعن يميننا ويسارنا سيارتان عسكريتان ، يستقلهما جنود مدججون بالأسلحة . كان المشهد صعبا للغاية ، وقد بدأت الرحلة بزيارة بيت الحكمة الواقع على نهر دجلة ، رحت أتابع حركة الناس في الشوارع ، وأسماء المحلات والمباني المهدمة ، والوجوه المنكسرة وحالة الوجوم البادية على الجميع .
تجولت في بيت الحكمة وشاهدت مكتبته العريقة ، وكان شاطئ دجلة هو محطة الراحة ، تناولنا غذاءنا من السمك المسقوف الذي تشتهر به بغداد . كل شيء في بغداد كان ينذر بالخطر، لكنني كنت مصرا على النزول إلي قلب بغداد ، راحت المدرعات تجوب شوارع المدينة البائسة ، بينما الچنرال يحدثني عن بغداد التي كانت ، وقد رحت أتفحص آثار الدمار في كل اتجاه ، وقد وصلنا الي شارع المتنبي ، طلبت من مرافقي النزول إلي الشارع ، وكان الرجل متحفظا ، لكنه في النهاية استجاب نزولا على رغبتي .
رحت أتأمل وجوه المارة ، وقد لفت نظري أحد المقاهي القديمة ، دلفت إلي داخله ، لم يكن به أحد إلا صاحب المقهى ، كان صوت ناظم الغزالي ينبعث من مذياع قديم معلق على الحائط ، راح صاحب المقهى يرحب بي بحرارة شديدة ، لفت نظري صور قديمة معلقة على جدران المقهى لأم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وناظم الغزالي ، وعلى الحائط الآخر علقت لوحة كبيرة عليها صور ثلاثة شباب ، أشار الرجل بيده إليهم قائلا : أولادي الثلاثة الذين استشهدوا في تفجير أمام المقهى منذ عامين ، ثم واصل الرجل حديثه قائلا : أنا واثق أنني سوف أعيش حتى أربي أطفالهم الخمسة رغم أن عمري قد تجاوز الثمانين عاما ، لم أتمالك نفسي وقد انتفضت واقفا ، وبشكل تلقائي احتضنت الرجل ، بينما دموعي راحت تنساب من هول ما سمعت ! لكن الرجل كان قويا وصارما واثقا من انه سوف يكمل رسالة أبنائه الذين استشهدوا دون ذنب اقترفوه .
لقد مضى على هذه الزيارة أكثر من ثلاث سنوات ، ورغم ذلك فما يزال الموت يحصد الشباب كل يوم ، ليس في العراق فقط ، وإنما في مدن عربية كثيرة ، وما يزال المثقف العربي يكتب ويتحدث ويحلم أيضا .. هل شهدت البشرية عبر تارخها مأساة أكبر من ذلك ؟
وحتى إشعار آخر ، فما يزال ضحايا الإرهاب يسقطون كل يوم في بعض مدننا ، وما تزال عمليات التدمير والقصف تستهدف بيوت الناس ومستشفياتهم ومدارسهم ومساجدهم وكنائسهم، ومايزال النازحون من أوطانهم يتوافدون على الحدود ، هروبا من هول ما يحدث . ورغم ذلك فما يزال المثقف العربي يكتب ويُنَّظر ويحتسي قهوته ، والجميع منشغل بمصالحه الضيقة . إنها بحق المأساة التي عجز مبدعونا ومثقفونا عن التعبير عنها بصدق . ورغم ذلك فما يزال البعض منا يحلم بمستقبل أفضل .

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.