السبت. أغسطس 15th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة “إفرحوا دائماً بالرّبّ، وأقول أيضاً: افرحوا.”

1 min read

مادونا عسكر – لبنان – شموس نيوز

كتب بولس الرّسول رسالته المفعمة بالفرح والبهجة إلى أهل فيليبي وهو في السّجن. وكلّنا يعلم الصّعوبات الّتي مرّ بها القدّيس بولس من أجل المسيح، ولا نفهم حياة الرّسول بولس ومعنى الفرح الّذي يسكنه رغم كلّ الضّيقات إلّا من خلال إيمانه العميق بيسوع المسيح. “إفرحوا دائماً بالرّبّ، وأقول أيضاً: افرحوا.” (فيليبي 4/4). وفي (2 كور 10:6) نغمة فرح متصاعدة تترجم شعلة الغبطة والسّرور المضطرمة في قلب بولس، لا سيّما في قلب كلّ مؤمن أسر المسيح قلبه: “يحسبنا النّاس كاذبين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، معاقبين ولا نقتل، محزونين ونحن دائماً فرحون، فقراء ونغني كثيرين، لا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء.”

ولعلّي اليوم أكتب من سجن أكبر من ذلك الّذي أُسر فيه بولس، سجن العالم، الضّيّق رغم رحابه، المسوّر بالزّيف والتّفاهة والإلتباس. إلّا أنّ هذا السّجن الكبير الملتبس المعنى والمفهوم، المتخبّط بأهدافه ونظريّاته، الغارق في ظلمة دامسة، لا يقوى على أسر القلب المفعم بفرح المسيح. فالحرّيّة الحقيقيّة هي تلك الكامنة في القلب، في العمق الّذي لا يطاله أحد، ولا يقوى على أن يتحكّم به أحد، لأنّ المسيح بحضوره في العالم حرّر العمق الإنسانيّ فاتّصل العمق بالعلو وابتنى علاقة مع الحرّيّة الأسمى، قلب الله. “فإن حرّركم المسيح، فأنتم حقّاً أحرار” (يوحنّا 36:8). ولئن حضر المسيح في العالم حلّ فرح الله التّام في الإنسان “أتكلم بهذا في العالم ليكون لهم فرحي كاملاً فيهم”. (يوحنذا 13:17)

الفرح مرتبط بالحبّ بل هما متّحدان ليشكّلا عنصراً واحداً للحياة. في غياب الحبّ ينتفي الفرح والعكس صحيح. فالحبّ المرتبط بالحزن عاطفة قد تدمّر الإنسان وتودي به إلى الهلاك. وفي غياب الحبّ والفرح يسجن الإنسان نفسه في ظلمة عظيمة تبدّد الحكمة وتنهك القلب فيتوه الإنسان عن عمقه المسكون بفرح الرّبّ. وما الميلاد الإلهيّ إلّا تأكيد على عشق الله للإنسان، وتأكيد على أنّ الله يريد الفرح للإنسان لا العكس. وكلّ تصوّر عن عالم إلهيّ يريد الألم والحزن للإنسان ما هو إلّا تصوّر فاشل لا يمتّ إلى الحبّ الإلهيّ بصلة. وإلّا فنحن أمام إله غريب أو بعيد أو مريض متغطرس خلق الإنسان ليستبدّ به. وكلّ تصوّر عن إله خارج العمق الإنسانيّ لا يعوّل عليه، فالله يسكن الإنسان والصّلة به تتجلّى في الدّاخل الإنسانيّ وليس خارجاً عنه. لذلك، أولئك الذين عشقوا الله الحبّ واتّحدوا به فتمازجت أرواحهم بروحه فصاروا كتلة عشق متنقلة في هذا العالم.

ذاك هو سرّ التّجسّد الإلهيّ، وهوأنّ الّذي لا يسعه مكان والّذي هو سيّد التّاريخ دخل التّاريخ ليلتقي بمن عشقه، الإنسان. والسّرّ ليس بحائط مسدود لا يُفهم، وإنّما هو صلاة في عمق العمق وصلة لغويّة إلهيّة تدعو للتّأمل المستمرّ في إله هوالحبّ. فلا نظريات ولا فلسفات ولا معادلات يمكنها تعريف الحبّ. جلّ ما نقوى عليه تمتمات لا توصلنا إلى أيّ مكان. ما لم نرتفع إلى مستوى الحبّ، ما لم نسمُ إلى مستوى الكلمة الإلهيّة لن نفهم أيّ شيء.

لغة الله، لغة الحبّ غير مفهومة للعالم، لأنّها لغة القلب. وحيث قلبك يكون كنزك، يقول الرّبّ. فإذا كان قلبك متعلّقاً بمذود من ورق وشجرة باهتة مزيّنة بأغلى زينة ومظاهر كاذبة تبرهن عن انجذاب لأجر من النّاس، فهناك كنزك وأجرك. وأمّا إذا كان قلبك ممزّقاً محترقاً بالشّوق إلى السّيّد فستلقاه في عمق الشّوق والاشتياق. وهناك يكون كنزك الأزليّ الأبديّ.

حيث المذود الحقير يتجلّى الحبّ ساطعاً بصمت ورهبة. هناك الجمال الّذي يبحث عنه كلّ إنسان، والحقيقة الّتي من أجلها يتألم كثيرون. هناك الفرح الحقيقيّ، فرح التّحرّر من كلّ شيء حتّى لا يبقى إلّا الإنسان بشخصه المحلّق في رحاب الله.

الحبّ خلاصة الوجود، وعلاقة الفرح بين الله والإنسان، وهو المحرّر من أيّ سجن. فالعاشق يحمل في قلبه الحقيقة وبها يقاوم ويفرح ويستمرّ ويحلّق خارج هذا العالم.

افرحوا بالحبّ وأقول أيضاً افرحوا، فبالفرح نمجّد الله في العلى وبالفرح يتحرّر القرب ويكون للنّاس المسرّة.