الأربعاء. يوليو 24th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

المحبة .. وليس التقويم الفلكي!

1 min read

بقلم أ. د. إلهام سيف الدولة حمدان – مصر

شموس نيوز – خاص

في الحقيقة ـ على النقيض من رأي العديد من السادة الكتاب والنقاد والمحللين ـ هالني وأزعجني كل هذا التهليل والتكبير؛ لمجرد بداية تزامن السنة القبطية مع بداية السنة الهجرية، وكأننا كنا ننتظر، أو في حاجة ماسة إلى هذا التزامن ـ الذي يأتي فلكيًا محضًا ـ حتى نفهم ونعي وندرك معنى التآخي والترابط والتلاحم بين المسيحيين والمسلمين على أرض مصرنا المحروسة!.

إن هذا الحب والترابط الوجداني والروحي والقلبي؛ ليس في حاجة إلى إحيائه بهذا التزامن الوهمي المنقوش على حائط الزمن، ولا يجب أن ننساق إلى النفخ في جذوة مقولة “عنصري الأمة”، فهذا أدعى إلى إذكاء نار الفتنة التي يسعى إليها البعض من نافخي “الكير” في مجتمعنا المصري.

ولنا أن نتخذ من هذا الحدث، فرصة رائعة للتذكير بعظمة المصري منذ فجر التاريخ، في براعته في استخدام الحسابات التقويمية “قمريًا بحسب التقويم الهجري”، و”شمسيًا بحسب التقويم اليولياني”، أو بحسب “مواسم الزراعة قبطيًا”، حيث تبدأ السنة القبطية أول شهر “توت” في 11 سبتمبر من كل عام، فالحسابات الفلكية التي أبدعها المصري القديم، ليس لها علاقة بالأديان والمعتقدات، وهي في دقتها وعظمتها لا تقلل من شأن الأديان الأخرى بحسب كل دين وآراء معتنقيه، وإلا كان الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل هذا التزامن يأتي أبديًا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!

ولعلها من المناسبات الجميلة والسعيدة، أن نحتفي بأجدادنا العظماء الذين وهبوا عقولهم وعلومهم من أجل إسعاد البشرية، ولنستعرض معًا كيف بدأ تاريخ التقويم الفلكي ـ والذي اتخذته السنة القبطية تقويمًا فلكيًا لها ـ الذي وضعه المصريون الأوائل، فقد كانت بداية نشأة التقويم المصري في العام 4241 ق.م، عندما رصد المصريون ما يسمَّى بنجم “الشعري اليمانية”، ووضعوا هذا التقويم برصد ثلاث ظواهر طبيعية معًا؛ وهي “الشروق الاحتراقي للنجم” مع “شروق الشمس”، تزامنًا مع قدوم ” فيضان النيل”، ثم قاموا باحتساب المدة بين الظهورين، حتى وصلوا إلى معرفة عدد أيام السنة، وقسَّموا السنة إلى ثلاثة فصول كبيرة هي “الفيضان” و”البذار” و”الحصاد”، ثم إلى اثنى عشر شهرًا، كل شهر ثلاثين يومًا، وأضافوا المدة الباقية وهي خمسة أيام وربع، وجعلوها شهرًا أسمَوه “الشهر الصغير”، وصارت السنة القبطية 365 يومًا في السنة البسيطة، و366 يومًا في السنة الكبيسة، وقد احترم الفلاح المصري هذا التقويم، نظرًا لمطابقته للمواسم الزراعية، ولايزال يتبعه حتى يومنا هذا.

ومن الأحداث التي تبشرنا بالخير العميم، أن تأتي الذكرى 1440 من الهجرة النبوية المشرفة، وبداية العام 1735 قبطي، في تزامن بين التقويم الهجري والقبطي هذا العام، وليس من الغريب أو المستهجن، أن تحتفل مصر برأس السنة الهجرية لأول مرة، بناء على قرار “بطرس باشا غالي”، رئيس الحكومة المصرية آنذاك عام 1909، الموافق لسنة 1327 هجرية – وفي هذا اليوم الميمون تم غلق المصالح والدواوين احتفالاً برأس السنة الهجرية، وليأتي العام 1911 ليكون 1 يناير هو 1 من شهر المحرم، ويالها من مفارقات رائعة في تاريخ المصريين.

إننا في هذه الذكرى العطِرة ـ ذكرى الهجرة النبوية ـ نجد أنفسنا في حاجة ماسة إلى هجرة كل منَّا إلى داخل النفس والروح والوجدان؛ ليضيء الجوانب الإنسانية السامية التي نحتاج إليها في هذا العصر المادي الصعب، ونتأسى بهجرة المصطفى – عليه الصلاة والسلام – إلى المدينة؛ والتي كانت فتحًا مبينًا وسبيلاً للنصرالمؤزر الذي قامت عليه أعمدة الدولة الإسلامية، وتاريخًا لبداية بناء صرح الدولة بمعناها الحقيقي المتكامل، وقتما كانت شعوب الأرض تعيش في عصورالهمجية والتخلف، هذه الدولة التي قامت على أسس التعايش السلمي بين البشر واحترام التعددية الدينية وحرية المعتقدات، وليكن لنا في سيدنا رسول الله أسوة حسنة، حين اشتد عليه الكرب والمضايقات من أهله وعشيرته، وممن لم يدخلوا في الدين الحنيف من بقية الفصائل والقبائل والعشائر، وكان بيده وبجيش المسلمين فناؤهم عن آخرهم، ومع كل هذا خرج عليهم ليقول: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟) قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: (اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ)!

ما أجمل أن تأتي هذه المناسبة لتأكيد أن “الكل في واحد”، لتقوية وشائج المحبة والتآلف بكل الحميمية الصادقة تحت شمس الوطن، نشاركه أفراحه وأتراحه دونما خروج على الأعراف والتقاليد التي غرسها المصري في تربة التاريخ منذ القدم، ولتكن ذكرى الهجرة مدعاة للجميع للعمل من أجل الأهداف النبيلة، وترك الكسل والتقاعس، فالهجرة “رمز” للسعي وشحذ الهِمم للأخذ بالأسباب، وكما كانت هجرة الرسول بدينه الحنيف من مكة إلى المدينة، كانت هجرة العائلة المقدسة إلى مصر وربوعها، ليتعانق ـ على أرض مصر ـ كل أصحاب الأديان السماوية في رباطٍ مقدس إلى يوم الدين.

لا تنسوا يا أهل مصر الكرام، أن “الله محبَّة”!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *