المشهد الثقافى المصرى المعاصر

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 - 5:09 صباحًا
المشهد الثقافى المصرى المعاصر

الشاعر د. محمود حسن – مصر

مر المشهدُ الشعريُ المصريُ المعاصر بكثيرٍ من التقلبات , صعوداً , وهبوطاً .. وربما كان هو أبرز المشاهد الشعرية على مستوى الخريطة العريبة زخما وصراعا .
فجيلُ يهضم حقَّ جيل , ومدرسة تحاول أن تطيح بمدارسَ أخرى , ولوبيهات تقف بالمرصاد محتكرة هذا المشهد المتخاذلَ , تارة , والمؤدلج تارة أخرى , والمسيس فى بعض الأحيان .
فبعد الطفرة التى قادها أمير الشعراء أحمد شوقى بعد فترة التراجع الشديد للقصيدة العربية فى العصر المملوكى , والتى تَبِعها ظهور مدارسَ جديدة فى الشعر المصرى مثل ” أبوللو ” ومدرسة ” الديوان ” بقيادة العقاد والتى هاجمت شوقى هجوما شديدا ” لا عن موضوعية أو أكاديمية أو حيادية ولكن لأسباب أخرى ليس المجال مجالها ” .
أقولُ ظهرت دعوة الدكتور لويس عوض ( المشبوهة ) بعد موت أحمد شوقى حيث صرخ لويس عوض ” حطموا عمود الشعر .. لقد مات الشعر العربى .. مات بموت أحمد شوقى .. مات ميتة الأدب ”
وكان عوض قد طالب بإيجاد إيقاعاتٍ جديدة بدلا من الوزن الخليلى .. صَحِبَ هذه الدعوة لغط كثير’ فمنهم من هاجم مثل ” محمود شاكر ” وغيره ومن من اعتبر هجوم لويس على الشعر العمودى أو الخليلى فتحاً جديداً وفرصة لابد من اقتناصها ..
وبعيداً عن نوايا لويس عوض نحو اللغة العربية , والقصيدة العربية , وموقفه المعادى للقومية العربية , وما قال به من ضرورة الكتابة باللهجة العامية مثلا , فربما كان هجوم لويس عوض فى أربعينيات القرن الماضى بمثابة إلقاء حجر فى الماء الراكد ..
ودخل الشعرى العربى مرحلة التطوير, أو التجريب , أو التغريب ، أو الثورة . لكن لم يسرْ على الخريطة التى رسمها لويس عوض فى مقدمته لكتابه ( بلوتولاند .. قصائد للخاصة ) الذى لم يتوقف تاريخ الأدب عنده لأنه ببساطة ( لا شىء ) , ولكن نَحى مناحىَ أخرى , من التطوير بدءا من ـ صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وحجازى ومدرسة التفعيلة ـ التى اصدمت بالعقاد نعم العقاد مرة أخرى , وهاجمها بشدة وأغلق الباب أمامها , حينما كان يترأس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة , وفى مهرجان دمشق الشهير حينما هدد العقاد يوسف السباعى بالاستقالة من رئاسة لجنة الشعر , إذا ما تم إشراك عبد الصبور وحجازى فى مهرجان دمشق .
لكن ظل المشهد الشعرى المصرى ورغم كل هذه الصراعات , منطلقا ومتجددا , ووهاجا , حتى مجىء شعراء الستينات ومنهم إبراهيم أبو سنة وفاروق شوشة وغيرهما , ولم تتخل مدرسة الستينات عن عمود الشعر العربى كليَّة لكنها مزجت ما بين العمود والتفعيلة .
ثم ما لبث المشهد الشعرى المعاصر أن ينتكس إنتكاسة مدوية مع جيل السبعينيات هذا الجيل الذى انقسم على نفسه , قسم يهاجم القديم من المدارس بالكلية , ويرفضه , ويتمرد عليه , غارقا فى السريالية , والغموض والتغريب , وقسم كان بين بين مثل ( حسن طلب ومحمد سليمان ومحمد الشهاوى وغيرهم ) وبعيدا عن منجز القسم السبعينى الثانى والتزامه التجديد دون تنصل من القديم والمعاصرة دون الدخول إلى دهاليز التغريب ..
تحمل القسم الأول , كُتابا ونقادا , جريمة انصراف الناس عن الشعر وانصراف الشعر عن الناس ..
حيث أوغل هذا القسم من السبعينيين فى ( أرْوبةِ وأمركةِ ) ما كانوا يكتبون , ربما كنت تحسب أن كتاباتهم هذه ترجمات لنصوص أوربية أو أمريكية , غير عابئة بانفصامها وانفصالها عن القضايا الشعرية الإنسانية , التى تهم هذا الجزء من العالم العربى ..
ليس هذا فحسب ولكن تشكلت مجموعة من ( النقدة ) الذين جاءوا بما عرف بعد بالنظريات النقدية المعلبة , وأخذوا يُلبسون هذا العبث النصف سبعينى أثواب نظرياتهم , وراحوا يسوِّقون لها وينحازون , بل ويمارسون الإرهاب لكل من لا يلبس أثوابا تشبه أثوابهم , حتى أنّ الشعراء المعاصرين لهذه الحقبة كان الواحد منهم إذا كتب قصيدة عمودية ظل وجهه مسودا وهو كظيم أيمسِكُها على هون أم يدسها فى التراب , لسطوة هذا النصف السبعينى الذى كان يُسمِّى الخليليين ( الطارقون على النحاس ) وجُنِّدت لهم المنابر والمهرجانات , والمناصب , والجوائز والصحف أمثال ( إبداع , والثقافة الجديدة , وأدب ونقد , والشعر ) وغيرها , حتى الصحف القومية والحزبية , وهُمِّش ما سواهم , حتى أن بعض الشعراء توقفوا عن كتابة الشعر وخصوصا جيل التسعينات وأنا واحد منهم ربما عشر سنوات كاملة عن الكتابة .
حتى أخذ جيل ما بعد السبعينات الراية عنوة وأعاد الشعر للناس وأعاد الناس للشعر ,
وربما يتسع المقام فى مقال آخر للوقوف على تفاصيل المشهد الشعرى المصرى الذى بدأت تميل الكفة فيه إلى القصيدة العربية بمفهومها الفخم والعصرى غير المجتث عن الواقع .

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.