الثلاثاء. يوليو 23rd, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

النوبة…وطن نولد به…ووطن يُولد بنا

1 min read

الأديبة سناء أبو شرار

بقلم دكتورة سناء أبو شرار – الأردن

لا أدري لما تثير النوبة بي هذه المشاعر العميقة ! ليست وطني كما وأنني لم أزورها، ولكنني أحمل لها كل هذه المحبة وهذا الإنبهار بكل ما يتعلق بها. هذا الكنز الثقافي شبة المهجور والبعيد وربما المُهمل.

قد أجد عشرات الإجابات وقد لا أجد أي إجابة، ولكن الشعور هو الذي يقود قلمي إلى كلمات عن النوبة التي لا أعرفها إلا من خلال الصور. وربما لهذا أحب عالم التكنولوجيا لأنه يجعلني أسافر إلى حيث أريد دون طائرة ودون وثائق، أنظر إلى صور النوبة فأشعر بالإبتهاج لجمال ما أرى وأتمنى لو أن عيناي تصلان إلى تلك الأرض وأراها في الحقيقة.

في بقاع كثيرة من الأرض فُقدت الهوية الثقافية ولكن النوبة لا تزال تحتفظ بهذه الهوية، هوية نادرة ورائعة الجمال بكل ما تحتويه من ألوان ورسومات. لا تزال صور الأشخاص تعبر عن الهوية الأصيلة الحقيقية لمن يسكن هذه الأرض؛ وجوه لا تكرر ذاتها مثل ملايين الوجوه على الأرض؛ لا تزال تمتلك خاصية الوجة النوبي الأفريقي بكل ملامحه الجذابة والأصيلة. ثم جمال المرأة النادر ليس لأنها الأجمل ولكنها الأشد تعبيراً عن أصالة المكان وعن الإنتماء والإرتباط به، فهي وجوه لا تبحث عن هوية ولكنها تفرض هويتها، وتفرضها بكونها تحب هذه الهوية ، لا تتهرب منها بل تمتزج بها، فالصورة أصبحت لغة ونحن نرى كم من النساء الشرقيات يتهربن من هويتهن الشرقية إلى أي هوية أخرى لإعتقادهن بأن ذلك أجمل. ولكن المرأة النوبية بزيها التقليدي بملامحها الخاصة وشديدة الجاذبية ثم بقبولها بذاتها وإنسجامها مع تلك الهوية تشكل نمط مختلف عن جميع النساء؛ مختلف لأنه شديد الأصالة ولا يتهرب من الجذور ولا التقاليد ولا يخجل من تكرار الزمن بنفس النمط.

نحن نسعى للتقدم ولكننا وفي خضم التقدم نسينا أو لم نعد نُتقن الإحتفاظ بما كان لنا، نملأ خزائننا بكل ما هو حديث ولكننا وضعنا أرث من قبلنا في أقبية القلوب والبيوت، لنا ذات الهوية القديمة ولكننا نسينا ملامح تلك الهوية، وحين ننظر إليها لا نرى سوى ما يشبه ما كان. مع كل التقدم الذي ندعيه، نستورده، نفرضه أو ربما نرفضه، كان يجب أن نتعلم أو نعلم أنفسنا، كيفية عدم الإنجراف مع التيار، أن نُتقن التجذيف للأمام وللخلف أيضاً ، ولكننا مع التجذيف للأمام ربما لم نعد نجد الطريق الصحيح وربما كذلك فقدنا معالم الطريق القديم.

لقد أدرك العالم الغربي هذه المعضلة ولكن متأخراً بعد أن جذف للأمام بعيداً وفقد هويته القديمة والتي تشكل جذور الثقافة، وهاهو الآن يعود من جديد وبكل ما يستطيع من البحث والتعليم والكتابة أن يعود لجذور إبتعدت وإهترأت؛ فيبحث عن هذه الجذور في ثقافات أخرى، يقدر هذه الثقافات القديمة التي لا تزال تحتفظ بالهوية والملامح والشخصية.

والنوبة مثال عالمي وهام لهذا الإحتفاظ بالهوية والشخصية والملامح، لربما بعدها الجغرافي ساعدها بأن تحافظ على نقاء هذه الهوية، ولكن هذا الإبتعاد دفعت ثمنه بإهمالها وإبتعادها عن مركز الإهتمام.

النوبة…كنز مصر الثقافي المدفون؛ إن كانت مصر متحف العالم الحضاري والثقافي، فالنوبة هي كنزها الثقافي المعاصر. هذا الجمال الأصيل الصامت والقابع في أقصى جنوب مصر، ألا يستحق العناية والإهتمام والتطوير مع الحفاظ على الهوية. إن كانت صور النوبة تثير في نفسي كل بواعث الجمال فكيف رؤيتها على وجه الحقيقة؟  الكنز لا يكون كنزاً إن لم يعرف قيمته أهله؛ والجمال لا يكون جمالاً إن لم يثير في النفس كل مشاعر الإنبهار والحبور؛ والأصالة لا تكون أصالة إلا إذا أعتز بها صاحبها وتمسك بها .

هناك أوطان نولد بها، مزروعة في القلب والروح، وهناك أوطان تولد بنا، فتنبت مثل أشجار النخيل في النفس والقلب، لأنها جميلة، دافئة، مشرقة، لايمكن أن نمر بها دون أن نلتفت ونقول: سبحان الله؛

والنوبة وطن ولد في قلبي، لأنها بهذا الجمال وبهذا الصمت، ولأنها مشرقة ، متجذرة في التاريخ وفي الحاضر، لم تقلع هويتها كرداء بالي، ولكنه يتجدد معها؛ فالنوبة لا تعرف الهرم لأنها لا تلاحق

تطور العصر، بل تتعايش معه وفق وتيرة حياتها الخاصة، تعزف سيمفونيتها الخاصة رغم الضجيج، نسمع ألحانها دون عناء لأنها تتسلل للروح، فهي تحيا الحياة ولا تلهث وراء الحياة.

النوبة ليس كنز ثقافي فقط بل كنز روحي أيضاً، فلمن يريد أن يتذوق الهدوء، العذوبة، إنسياب الحياة دون توتر، فليذهب إلى النوبة أو ليشاهد صور النوبة؛ وربما يستمع لأغاني النوبة القادمه من بلاد بعيدة ولكنها قريبة من الروح والوجدان. النوبة في قلبي تلك البيوت الجميلة الملونة كأنها دمى أطفال، صنعوها بأيديهم، ولونوها بأرواحهم، ثم سكنتها أجسادهم الصغيرة. أجل…هذا هو حبي البسيط والعميق للنوبة…أرض الجمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *