بطاقة التموين .. والسبع العجاف !

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 24 نوفمبر 2016 - 11:51 صباحًا
بطاقة التموين .. والسبع العجاف !

بقلم أ.د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان – مصر

بسم الله الرحمن الرحيم” وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ”. صـدق الله العظيم(يوسف 43).

لحكمة بالغة لا يعلمها إلا الله العلي القدير؛ أن يورد في ثنايا قرآنه الكريم وقصصه العظيم؛ تفسير”يوسف الصديق” لرؤيا ملك مصر، والتي كانت سببًا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززًا مكرمًا؛ وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته، وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار دولته، فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها “أضغاث أحلام” أي أخلاط أحلام؛ قائلين له بلغة القرآن :”وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين”؛ أي لو كانت رؤيا صحيحة وليست من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها أي تفسيرها ومعرفة مغزاها. ولكن الله تعالى أوحى إليه بتفسير تلك الرؤية؛ بما يعطي الدرس والعظة لبني البشر؛ بعدم الإسراف فيما يمنحه الله لهم من نعمٍ تفيض عن حاجتهم في وقتٍ من الأوقات، لادخارها لأيام قادمة قد تبخل فيها الطبيعة عن العطاء، فيكون لديهم المخزون الذي يساعدهم على عبور جسور الأيام الصعبة لمواصلة الحياة واستمراريتها بلا منغصات بسبب الإسراف والتبذير، ثم إلقاء التهم الجزافية على الدولة وتحميلها الأعباء الجسام التي تسببوا فيها من الأساس .

وتنظيمًا لتلك العلاقة بين الدولة ومواطنيها على الصعيد المصري، صدرت القوانين المنظمة للبطاقات التموينية في فترة الستينيات من القرن الماضي؛ لمواجهة نفقات الحروب التي واجهتها منذ قيام الثورة المصرية في يوليو 1952، وكانت البطاقات تمنح لأرباب العائلات والأفراد للحصول على المواد التموينية والسلع الضرورية بموجبها؛ وذلك بعد تقنين مايجب أن يحصل عليه الفرد بواسط الخبراء المتخصصين؛ كنوع من تطبيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد والحد من الإٍسراف في الوقت نفسه؛ ولتوفير نفقات ماتتطلبه الدولة في مواجهة الأخطار والحصار الذي كان مفروضًا عليها من القوى الاستعمارية الطامعة في مقدرات الوطن .

ومع تقدم التكنولوجيا في العصر الحديث؛ تم الاتجاه إلى مشروع “البطاقة الذكية” وهو أحد المشروعات القومية التي تهدف إلى توجيه الدعم إلى المستحقين؛ من خلال استخدام رقم تعريفي واحد وهو الرقم القومي. ويتم ذلك من خلال إصدار هذه البطاقة لكل أسرة يمكن من خلالها الحصول علي الخدمات المختلفة مثل صرف المقررات التموينية المدعمة، والمعاشات الضمانية، وإسطوانات البوتاجاز ،والخبز المدعم، والحصول على الخدمات الصحية والسولار، ومستلزمات التقاوي والبذور والسماد للحيازة الزراعية؛ وكذا ألبان الاطفال، وغير ذلك من الخدمات الضرورية عن طريقها، وبالتالي يمكن توفير بيانات ومعلومات دقيقة عن الأسرة المصرية وتصنيفها؛ بناءً علي معايير محددة يمكن من خلالها تحديد الأسر التي تستحق الدعم وقيمته المادية؛ لضمان وصوله للمستحقين من خلال هذا النظام الآلي ولإيجاد قاعدة بيانات محدثة وقواعد استهداف دقيقة، مما يؤدي إلى فعالية استخدامه ؛وإحكام الرقابة والسيطرة على معدلات الفقد والتسريب والتغلب على محاولات محترفي التلاعب في عمليات توزيع الحصص التموينية، وبهذه الطريقة نطمئن على توفير مناخ حضاري لصرف الخدمات المختلفة للمواطن المستحق، الأمر الذي سيؤدي ـ حتمًا ـ إلى تحديد أنماط الإستهلاك للأسرة المصرية كميًا ونوعيًا .

ولعدم التلاعب في إصدارات البطاقة من قبل بعض التجار الجشعين، أسند إصدارها إلى مؤسسة الإنتاج الحربي؛ لزيادة القدرة على التحكم في قاعدة البيانات، وسهولة تحديد المؤشر البياني لاحتياجات المجتمع، بناءًعلى الدراسات الميدانية جغرافيًا، فالبشر في محافظات المدينة والحضر؛ تختلف أنماطهم الإستهلاكية عن ساكني الكفور والنجوع في أعماق الريف؛ وقد أسندت لهذه الهيئة القومية المنضبطة لضمان متابعة جودة الأداء ورصد أي اختراقات تحدث والتغلب عليها، وتجنب فترات الاختناقات ومواجهة احتمالات النقص في بعض المستلزمات الضرورية .

ولكننا مع احترامنا لكل هذه الخطوات الجادة التي تقوم بها الوزارات السيادية المعنية كوزارتي التموين والضمان الاجتماعي، فإننا نطمع ونطمح في المزيد من الخطوات الإيجابية لتوفير سُبُل المعيشة المحترمة والآدمية لكل طبقات الشعب ـ خاصة الطبقات الفقيرة ـ ؛ وذلك بالعودة ـ اضطراريًا ـ لفكرة استصدار”كوبونات”صرف السلع الغذائية الأساسية، وتشتمل على “كوبونات”صرف المحروقات كالبنزين والسولار؛ مثلما فعلت أمريكا إبان الحرب العالمية الثانية، برغم قناعتي أن “البطاقة الذكية” يجب أن تشتمل على صرف كل المواد بعد عمل الدراسات العادلة لاحتياجات الأسرة، وحتى لانواجه بما يسمَّى تشوهات الأسعار بوجود سعرين أو ثلاثة للسلعة نفسها ؛ وننأى بأنفسنا عن تفشي الأسواق الموازية وإتاحة الفرصة للتجار الذين لايهمهم سوى التربح بكل الطرق .

ويتضح هذا ـ على سبيل المثال ـ في التقاعس عن تعميم توصيل الغاز الطبيعي إلى المنازل، وترك المستهلك نهبًا للحصول على”أنبوبة الغاز” بثلاثة أضعاف السعر الرسمي المفترض، فلماذا لايتم التطبيق الجبري ـ ولو بالتقسيط ـ لدخول الغاز الطبيعي إلى كل المنازل مع مضاعفة سعره، لضمان مبدأ العدالة الاجتماعية بين مستهلكي الغاز الموجود بالتوصيلات المنزلية؛ مع من يحصل بصعوبة على الأنبوبة من المستودع أو الوسيط بأضعاف السعر .

بهذا نضمن أن نواجه ما قد يواجهنا من أزمات، لضمان الوجود الدائم للسنبلات الخضر التى تترعرع في حقولنا الممتدة على خريطة هذا الوطن العظيم .

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.