الثلاثاء. سبتمبر 22nd, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

بيت القصة المصري في مهب الريح

1 min read

بقلم دكتور أحمد الباسوسي – شموس نيوز

في منطقة جاردن سيتي وسط القاهرة العاصمة المهيبة تطل بناية عتيقة تحمل الرقم (68) على شارع قصر العيني المزدحم دائما بالبشر والسيارات والفوضى، وتتلألأ اضواء متجر الحلوى التاريخي أيضا متباهية بما يموج به المبنى الذي امتلكه فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية في الحكومة الوفدية، بزعامة مصطفى باشا النحاس في خمسينيات القرن الماضي من زخم تاريخي مهيب. هذا المبنى قصده الفارس النبيل يوسف السباعي الكاتب والروائي والوزير السابق في زمن لاحق في اعقاب حركة الجيش في يوليو عام (1952) ليستأجر احدى شققه في الطابق الثاني في عام (1954) ويخصصها مقرا لتجمع الكتاب والادباء المهتمين بكتابة القصة، الفارس والكاتب العظيم يوسف السباعي صاحب روايات نادية ورد قلبي والسقا مات ،…الخ كان رجل رومانسي من طراز فريد، كان احد ضباط الحركة التي حكمت البلاد وازاحت النظام الملكي من الوجود في الحياة المصرية، لكن شغفه بالكتابة والثقافة جعله يطمح في اقامة تجمع للادباء والمثقفين في سرة القاهرة العظيمة، نجح بالفعل في تفعيل اقتراح احسان عبد القدوس وتأسيس جمعية باسم “نادي القصة المصري” ، ازدانت قاعة المقر في حينها بنقاشات واحاديث جميع ادباء مصر والعالم العربي وقتئذ، نذكر منهم العميد سليل اجدادنا القدماء طه حسين وتوفيق الحكيم وعزيز اباظة ويحيى حقي وعلي احمد باكاثير، ومحمد ومحمود تيمور ومحمد عبد الحليم عبدالله ونجيب محفوظ وامين يوسف غراب واحسان عبد القدوس وعبد الحميد جوده السحار ومصطفى محمود وصالح جودت ومحمود السعدني، ومن الكاتبات سهير القلماوي التلميذة النجيبة للعميد طه حسين وهدى جادالله…الخ من الاسماء التي ترسخت في وجدان وذاكرة ملايين الاحفاد عن ابائهم الأوائل من كتاب القصة والرواية والذي تمكنوا من تخليق هذا الفن بالشكل الحديث الموجود حاليا، وصنعوا بذلك مجدا عظيما باسم الكتاب المصريين والعرب تمثل في تسجيل مساهمتهم الأصيلة عبر العالم في الابداع والقصة والرواية على وجه الخصوص.
تناوب على رئاسة النادي قامات ادبية اصيلة مثل توفيق الحكيم العظيم الذي مزج الفكر والفلسفة بالادب في اعماله الابداعية بصورة مدهشة، والفارس الرومانسي مؤسس الجمعية والمقر وداعم الثقافة الأعظم يوسف السباعي بحسب مقولة توفيق الحكيم ” صاحب الأمن الثقافي”، الذي مات مغدورا بفعل الرصاصات والسياسة الطائشة في قبرص عام (1978)، ومات قبلها مغدورا أيضا بفضل رصاصات الحسد والحقد من نظرائه على اي حال.
كذلك تولى رئاسة نادي القصة الكاتب الروائي ثروت اباظة صاحب روايات هارب من الايام، ثم تشرق الشمس، وشيء من الخوف…الخ والذي أثارت كتاباته ضد اليسار المصري الكثير من الجدل والتربص، ثم نجيب محفوظ العظيم صاحب نوبل الشهير وصولا الى الروائي نبيل عبد الحميد.
وتحمل الأيام دائما اخبارا غير سارة بفعل تقلباتها المفاجأة في الكثير من الاحيان، تتغير القوانين وتتشكل لتضع نادي القصة أو بيت قصة المصريين امام مأزق وجودي حقيقي مهدد باختفاء الكيان من الوجود ومن الذاكرة ومن الوجدان. ان الحكم الابتدائي الذي اصدرته احدى المحاكم في القاهرة لصالح ورثة فؤاد باشا سراج الدين مالك البناية رقم (68) المعروفة باسم بناية سيف الدين والمطلة على شارع قصر العيني من جهة، وعلى شارع الفسقية من الجهة الأخرى، جرس انذار قوي الضجيج والازعاج، ويشي بقرب زوال الكيان الى الأبد.
ان نادي القصة ليس مجرد مكان تاريخي قديم لايزال يحتفظ برائحة عرق العميد طه حسين، ويحتفظ اثيرة بكلماته وبحة صوته المميزة المهيبة والمقدسة، ولا برائحة البارفان التي تتخلل ملابس وجسد امين يوسف غراب، ولا ابتسامة أو سخرية حكيم الادب العربي على الاطلاق توفيق الحكيم، بل اصبح النادي مجرد معنى في وجدان وقلوب جميع المهتمين بكتابة القصة والرواية في مصر والعالم العربي، معنى يحمل قيمة حضارية عميقة وعظيمة لاتقل عن ما ورثناه عن اجدادنا القدماء العظام، من تشكيلات مذهلة من الحجر ومن القيم ومن المعاني الانسانية الراقية التي توارثها احفادهم المصريون وساروا على العهد يكتبون بابداعاتهم وعرقهم سطورهم المتفردة في كتاب الحضارة الانسانية.
نادي القصة من الآن مسئولية الدولة المتحضرة التي تكتب التاريخ، وتؤكد انها متواصلة ومتصلة مع الثقافة والحضارة المصرية القديمة، واننا بالفعل نستحق ان نكون احفاد اولئك الذين اورثونا ضميرا وثقافة وفكرا وفنا وعلما ودينا وسيادة على كل الدنيا.
ان ورطة نادي القصة اختبار حقيقي لمؤسسات الدولة العريقة، اما ان نكون احفاد العظماء بحق ويصبح النادي احد قنوات اتصالنا بحضارتنا وثقافتنا العريقة المتجددة، واما ان يكون مجرد مكان يجتمع فيه نفر من الناس يمضون وقتهم في اللغو والعراك احيانا، ويمكن ازاحتهم الى مقهى او مكان آخر.
ان امكانية الدولة في التوصل الى حل مع ورثة الباشا صاحب البناية لاتشكل معضلة مادية على مؤسساتها بكل تأكيد، وان يكون المكان ضمن المنشات الثقافية الخاصة بالدولة شيء جدير بالاعتبار، ويحقق “الأمن الثقافي” بحسب قول “توفيق الحكيم” للحياة الثقافية وللمبدعين في ربوع مصر والعالم العربي.
د. احمد الباسوسي
كاتب روائي