تغريدة مكاوي سعيد وتخطيط لنهاية متوقعة بعبقرية شديدة

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 25 مارس 2017 - 11:29 صباحًا
تغريدة مكاوي سعيد وتخطيط لنهاية متوقعة بعبقرية شديدة

كتبت: آمال سالم – مصر

بداية من عودة الروح لتوفيق الحكيم ومرورا بمنزل الموت الأكيد لألبير قصير ووصولا لتغريدة البجعة لمكاوي سعيد ، تبدو القراءة عن المعدمين تحريض بالغ القسوة لتمزيق الأوراق وتبني فكرة انها مجرد كلمات تصف كابوسا ولكن عبقرية الكاتب تؤكد أنه يحدث أكثر بشاعة من دفتي كتاب ،إلا أنني ضحكت بين سطور عودة الروح وعشت سرا بمنزل الموت الأكيد وخفت علي نفسي كثيرا وأنا يصاحبني فكرة وقوعه بينما كنت أضحك وأتظاهر بالبحث عن العنزة المفقودة ولكن بتغريدة البجعة كانت سوداوية تعيق أي تدخل أو تمني أو مشاركة بالبكاء ولا حتي مجرد تحريض لأي من المطحونين ب ” حاسب ” فاللطمة تأتي من توقع الأمل ومن القشة الوحيدة المرمية بعيدا وقد قبض عليها أحدهم صدفة ، كلها زعانف تضرب بالماء الضحل يصيبك اشمئزاز من هول المصيبة يحول دون أي تعاطف غير تمني موتهم جميعا دفعة واحدة وظل ثقيل يلازمك كأنك ، فجأة ، تبنيتهم وتحولت ل ” غولة ” تمزقهم .  

 بعدما وصلت لمرحلة” خليل” في الرواية وما يمثله من ظل ثقيل للبطل كمن يبصق عليك في كل مرة يراك فيها ويهرب فلا تستطيع أن ترده كما يجب أو تتفاداه في المرة القادمة وكيف أن لكل منا خليل ما يؤرقه  في صحوه ومنامه ظل مصطفي  يتابعني في كل خطواتي يمشي متارجحا بين كل الأشياء ، يلازمني بصحوه ومنامه وأماكنه المألوفة لي ، أصدقائه وحتي حبيبته التي مررها لنا كذكري ، يري نفسه جيدا ويصدق بأنه قادر علي اللحاق بالركب وقتما يشاء ولكنه ،للأبد ، لا يقرر .

التأكد من ملازمة المألوف له يجعله يدرك أن ما من ركب هناك يستحق شد الرحال ،العائلة أو ما تبقي منها والأصدقاء في طريقهم للتحلل ومواربة ذلك علي قارعة حسن الظن وقلمك الذي لن يخذلك إذا ما سمحت له بالتدوين وتربص دائم بأنهم يتدلون بحبال عالم آخر فتتمني أن تقاوم بدلا منهم ، تتمني أن يحدث وتخاف أنك لن تقدر فتظل علي الود والكره وبناء أساطيل تحيل بينك وبينهم سرعان ما تغرقها لتعاودك ملامحهم التي ما عادوا يملكوها فيشغلك ،دون داعي، خليلا ،تحايله وتهاجمه وتقتله ومازالت كدماته تحفر أثرها عليك وتصحو فتجد حربك معه كانت مجرد حلم .

إنه نسخة للآلاف من الأصل والأصل في البداية كان مجرد بهتان لأصابع لا تتقن الصنع ،تحاول أن تجدها متخيلا أنه سيفككها ولكن لا عقد كانت هناك من الأساس ، إنه إنسان يحمل كل آفات المجتمع كأسفنجة يمتصها جيدا ويفقدها سريعا ، يظل مبللا ، يجمع الأحجار ليقوي علي حملها فيصنع وتدا  يوثقه به وينتظر زحف الحيات المتتالي من بين الشقوق سيقف عاجزا ولكنه يدرك أن لا استحقاق لنصر تخيلي من لا حرب ، لن يقاوم ويردد بكلمات يعرفونها جيدا ” كما اني بحاجة إلي أن أفر من الدنيا كلها وليس من نفسي فقط ” وقبلا لم تسعفه أمنيته تجاه أمه بعد فقدها “تعود لأحملها وأجوب بها العالم “.

ظلت ذكري “هند” مخزون يتنفس منه مصطفي نصيبه من الحياة” أما هند كانت خلقا وخلقا آخر، أكاد أن أعاملها كما ينبغي علي دنيوي ان يعامل كائنا علويا ” ، سانده أصدقائه وبيته القديم بالطالبية ومحاولة التشبث بقوي الكل يعرفها ،أمريكا ، متمثلة في” مارشا “، يجابه بهم شيزوفرينيا المجتمع  “الشيزوفرينيا بدأت في مجتمعي أيها الطبيب أنا مجرد عرض لها “

كثيرا ما يصفعه المجتمع  الذي بدل كل شئ ، الملبس والذوق العام في المأكل والمشرب وحتي الفن ، بدله بالضد القبيح دون أي مكسب ظاهري كان أو باطني  ، فيصف مشهدا لطفل ملقي في الشارع ممن نسميهم أطفال الشوارع “ورأيت علي مبعدة مني جثة ………….، كان حياً راقدا علي ظهره يشرب عقب سيجارة “

وينتقل بينهم ، أطفال الشوارع ، ليرهبنا كم أن فوضي الدمار شملتهم بعلامات تنبئ عن عنصرية مرعبة عندما ينقذ من بينهم طفلا كانوا يزيلون شيئا من علي كفه “إحنا بنشيل الصليب من إيده عشان قبطي!” وكأن هذا ما سيحوله كما يريدون يصف مواقف مخزية ومرعبة تبرهن إفتقاد هؤلاء لأي إنسانية لدرجة قد تجعلك تبصق عليهم وعلي حالهم الذي لم يترك أي احتمال لإصلاحهم .

يعود ليري نفسه تائها تتقاذفه المشاهد فيذكر ” لم أفعل شيئا صائبا في حياتي ، أهدرت كل الفرص التي كان من الممكن أن تغير مصيري ، كنت دائما مصرا علي الخوض في مستنقع من الخراء” وإن كنت اظن أن المجتمع الذي يحوي هذه المشاهد كحياة كاملة لاحدهم لا تترك لأي أحد أي فرصة للنجاة أو أي إصرار علي أتيان نصيبا عادلا للحياة .

كلما تقطع طرف أمسك بآخر ، “هند ” التي أتته ك ” ياسمين ” ترحل للمرة الثانية في الوقت الذي يتأكد أنها هي بقراءته العلامات التي أخبرته بها وعصام الذي وصفه ب ” عصام شخص فذ” و ” عصام كالنحلة ” ذهب وعاد وذهب ، أحب ” سامنثا التي رآها ” مصطفي ” عنزة ، تبرهن له البقية من خراب عقائده ، كرهها وكره حب عصام لها الذي رفضته بالأخير ” عرضت عليها أن أقيم بسنغافورة وأعمل معها أو في مقالب الزبالة ، عرضت عليها أن ننجب أطفالا وأجالسهم كالمربية وأكون أيضا مربية لأطفال صديقاتها ، أن أعمل ببوفيه شركتها ، أن أمسح مرحاضها ”  

 خليل هو الشرير بالرواية يبادل جولات مع ياسمين ومارشا وجوليا وأحمد الحلو ، كلما نبت بذهني آلية للدفاع ينسفها مصطفي فهو سافر وتنقل من بين دبي والسعودية والكويت وأمريكا ، سجل أفكاره ومشاعره ، ساند أكثر من صديق وحاول إنقاذ بعضهم ، إختلي بنفسه ، انغرس في الرذيلة ، وبلفته جهنمية زرع تصور أن ما ينقصه هو دفء العائلة فوهب لنفسه جزءا منها استمر قليلا متغافلا فقرها وتعاستها وضيق الحال الذي وقف في مجال رؤية ما ينعمون به ، وغطي نيته في زيارتهم ، فهو لم يكن مهتما إلا بالعثور علي صاحبته التي رحلت للمكسيك ولم تعد كما توقع .

 كل شخصية بالرواية تحقق اتجاه فكري في ميدان لا يحتمل كل هذه الفوضي ، لن يصمد البعض الذين لا يتوقعون مبارزة علي البقاء ، مكاوي يفرز المجتمع بكل جوانبه حتي الشوارع التي تجابه ما لم تختاره ، أمات كل توقع بصلاح الحال حتي من تخلف فيهم الظن بأنهم كاذبون ، سامنثا، اتضح أنها تجدف باتجاه ما يتمني وأده ولكن تتضح الرؤية بعد رحيلها، رفضت جوار عصام وحبه إشفاقا عليه من رؤيتها مريضة تتلقي معه آخر أيامها ، فيفقد مصطفي صديقه الأقرب بذوبانه في ذكراها واهبا ماتبقي من عمره في رسم ملامحها وسكناتها وعدوها الطويل ليظلا معا رغم الفوارق في المسافات والثقافات

يخطط مكاوي لنهاية متوقعة بعبقرية شديدة ، شئ تعلمه ولا تعلمه ، توقع ما يؤول إليه تدارك الحلم ،افتقاده أولا ، ما من شئ هناك عند القمم ، ما عادت أقرب الوجوه التي يحاربها ترفع السلاح ، ما من طريق ينتظر خطواته ، تقطعت كل موصولاته ، شارك في قتل جوليا  “جوليا ماتت يا مصطفي ، عايزها ترمي نفسها من العلو ده كله وماتمتش …أنت فاكرها الرجل الوطواط “وابتسمت ،  دون أن يشير إليه أحدهم بسبابة إتهام ، وتسرد مارشا الأمر بابتسامة ، عرف أن جوليا لم تكن مجرد خادمة ،كانت الحلم الذي يقذف بنفسه من الأدوار العليا هربا من مكتنزي حريتها ،الوجه الآخر للاستعداد وتبني خططا احتياطية ، قصاص الجمال الذي لا يبرز من منحنيات الملامح . قذفت به مارشا مع جوليا ورحل عصام لذكري سامنثا وتبني أحمد الحلو اتهام المجتمع علانية بتحويله لبائع بسبوسة بعد أن كان نابغا بالهندسة  وتعود ياسمين لطبيعتها وتبقي ذكري هند ” ماتت هند بدانة من الأعداء وصلتها حتي مقر دراستها كأنها موقعة باسمها أو انها بموقت انفجار شفرته هند ” .

يترك ما يظنه كاف لإنقاذ الوضع بين يدي “كريم ” الذي تعرفه كطفل شارع ، يبقي الفعل المنطقي جدا ،النزف العادل للمجدفين الفرادي كأنهم محاربي روما القديمة ، الغرق بطقوس تغريدة البجعة التي لا تصدرها إلا بلحظات الموت المدرك ميعادها ،السير نحو البراح بكل هذا النغم ، حدد مصطفي مكان وميعاد الرحيل بحبات ملونة كانت تحاول تغييبه عن رؤية الواقع بعدسة تجعل من الصور أكبر من إحتمالية التكيف.

حيث المعدمين هم المعنيون بنهايات العالم ووضع حدود لا تسمح لغيرهم بقراءة عادلة أو محاولات لإنقاذ الموقف ، أطفال الشوارع في بلدان العالم الثالث والبعيدة جدا عن صانعيها الذين يبذلون المال لمجرد صورة وأفيش ، المتدحرجين بين الطوائف باحثين عن مخرج فتتجلي لهم القدرة علي صنع واحد وتفجيره فيصيب ،أول ما يصيب، القلوب البيضاء التي كانت معنية بالبقاء ، حيث الفقر لم يعد سببا كافيا للعناء والتجرد من الآخر هو البطاقة التي تحجزإقامة دائمة لإبتسامة صفراء علي من يتقنون الضغط  علي الزناد

يري مصطفي النهاية كأقرب مما عاش كل البدايات مختصرا حياته ومشاهده منها  “ثم لم أعد أري غير شارع بلا نهاية بلا سحب في الأفق ولا غيوم ولا سيارات ولا زحام مركبات ،ليس فيه إلا جحافل من بشر قادمين باتجاهي .. محجبات وسافرات ،موظفين وأطفال مدارس، بائعي مناديل وحواة ، باعة جائلين يحملون بضائعهم كالنعوش، فتيات ليل يبتسمن ويقبلن علي بأذرعهن العارية، رجال دين مكفهرين، قطط تمتطي كلابا  ، حمام بمناقير صقور وشجر بروؤس شياطين ……

ثم بدأت أري خلفهم مساحة بيضاء تماما منزوعة الهواء ريحها ساكن .. ثم رأيت خلقا كثيرا يلوحون لي من خلف هذه المسافة . يوسف حلمي وابنه الشهيد ..أمي وجوليا ..هند وسامنثا …”                 

 حلق مكاوي بمنطاد عالي يكشف عورات مجتمع غاص حتي أذنية في متاهة  فقدان الهوية والمثل والقدوة والروح ، لم يستبدلها بشئ ، مازال يظن أنه قادر علي مقايضة .

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.