الجمعة. يوليو 19th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

حديث المدينة والتشويش الفكري وتأثيرهما على قياس الرأي وصناعة القرار !

1 min read

بقلم أ. د. إلهام سيف الدولة حمدان – شموس نيوز

جرى العُرف في عالم الصناعة والتجارة والزراعة ـ لمن يريد النجاح والاستثمار الجيد ـ أن يلجأ أصحاب المشروعات الجديدة في هذه التخصصات؛ إلى مايسمي علميًا بـ “دراسات الجدوى Feasibility studies “، التي تعطيه مؤشرات احتياجات المستهلكين وأماكن ومواعيد التسويق لإنتاجه، ومنحه الرسوم البيانية ارتفاعًا وانخفاضًا لكميات المطروح من بضاعته والحد الأدنى والأعلى للمخزون، وكذا مواسم الإقبال أو الإحجام على أو عن منتوجه الذي يتوخى من ورائه ضمان المردود الربحي الآمن له .

وأتخيل أن هذا هو الحال في عالم السياسة ومجال أساتذة وخبراء الدراسات المجتمعية؛ الذين يعنيهم قياس الرأي العام في القضايا المطروحة والمشاكل المحيطة بهم، لضمان الوصول إلى سد الفجوة التي تحدث غالبًا بين منطوق النظرية وعوائق التطبيق .

ولكن كيف يتم الاستقرارعلى مد ى صحة القياسات العملية في مجتمعاتنا المصرية والعربية؛ التي أدمن البشرفيها على آفة إصدار الفتاوى الشخصية في أي شىء وكل شىء؛ بداية من المسائل الدينية والزوجية والعقائدية والبوليسية والأمنية والثقافية؛ وصولاً ـ ربما ـ إلى الفتوى من بائع الجرجير في القنابل الذرية !

وفي المجتمع المصري على وجه الخصوص، نكتشف أن محاولات استطلاع الرأي العام تبدو شبه مستحيلة؛ ونجد أن العملية معقدة نسبيًا في كيفية انتقاء رأي واحد في قضيةٍ سياسية أو عقائدية ( ما ) يتفق عليه إجماع مايقارب ـ مثلاً ـ من سبعين بالمئة، لأن صناعة الاستطلاع صناعة حديثة في مجتمعات العالم المصري والعربي ـ ويوعز البعض لصعوبتها لوجود محاذير تطبيق أسس “الديمقراطية” ومفاهيمها الخطأ داخل الإحساس الجمعي، فإذا ماأراد الباحث في مجال استطلاع الرأي لما يدور الكلام عنه في طيات “حديث المدينة”، فإنك لا تستطيع من داخل سيارة النقل العام التي تجمع العديد من شرائح المجتمع على اختلاف أعمالهم ووظائفهم وتوجهاتهم؛ أن تصل إلى قرار موحَّد ومحدَّد، ومن الممكن أن تخرج بخمسين رأيًا متضاربًا من مجموع ستين راكبًا هم مجموع من بداخل الحافلة ! وهذا بالتأكيد مرجعه إلى محاولة البعض لاستعراض العضلات بالفتاوى الفورية بغيرعلمٍ ولا إدراك لطبيعة المشكلة المطروحة؛ والنظر إليها كلٌ من زاويته ومصالحه المحدودة الوقتية الشخصية، دون الوضع في الاعتبار مصالح الدولة العليا .

وفي اعتقادي أن هذا التضارب والخلاف والاختلاف في الرأي؛ مرجعه عدم وجود القنوات ذات الثقة والثقل والشفافية في الإعلام الرسمي،علاوة على ماتبثه الشرائح والقنوات المضادة داخل المجتمع للتوجهات الرسمية للدولة، ومن هنا يأتي مايسمَّى بالتشويش الفكري المؤثر على سلامة وصناعة اتخاذ القرار .

وفي هذا الصدد .. فإنني لاأشير بأصابع الاتهام إلى الجميع؛ فبالتأكيد هناك الكثير من الوطنيين الحقيقيين ـ توجهًا وانتماءً ـ ولكن لا نافذة لهم لإيصال رأيهم لأجهزة الدولة إلا سطورهم على صفحات الشبكات العنكبوتية، وهنا يجب على الباحثين في مجال الاستطلاع وقياس الرأي العام؛ ضرورة الجديَّة في تقييم هذه الشرائح ذات الولاء والانتماء، واستشفاف الآراء الإيجابية المفيدة في مجال إيجاد الحلول لمشكلةٍ ما داخل المجتمع، وهذا يتطلب التفرقة الواعية بين الآراء التي تقال على سبيل “الثرثرة” غير المجدية؛ وبين الآراء التي تُطرح بكل المصداقية والفهم والعلم .

ويوصي علماء الاجتماع بضرورة الرصد للرأي العام الظاهر والخفي، بطريق الملاحظة بالاستطلاع بالحوارالمباشر، أو بتوزيع قوائم استطلاع بالمقابلات الشخصية ويحررها الفرد بكامل حريته بحسب توجهاته دون تأثير من جانب الباحث، وهذا يتطلب ـ في رأيي ـ تشكيل مجموعات من العناصر الأكفاء في كل وزارة سيادية ومصلحة حكومية، ويتم الإعلا ن عنها ـ كما في حال الإحصاء لتعداد السكان ـ من خلال الإذاعة والتليفزيون في مدة محددة، لمنح المصداقية والثقة لمندوبي الاستطلاع وعدم التوجس منهم من الأفراد داخل طبقات المجتمع، مع مراعاة أن اتجاهات الرأيى العام تجاه مختلف القضايا والأحداث ؛ تختلف باختلاف الظروف البيئية والمعتقدات السائدة والتقاليد والأعراف الاجتماعية، والأخذ في الحسبان أن كل مجتمع له ظروفه التي تنبني قناعاته عليها، ثم يتم رفع نتائج هذا الاستطلاع إلى الجهات المعنية كوزارة البيئة والسكان، أو الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء؛ لاستخراج النتائج والتوصية بإعداد برامج توعية الرأي العام بالتوجهات الصحيحة في كافة القنوات المقروءة والمسموعة والمرئية .

إن الأحداث الموَّارة المتسارعة على الساحة المصرية : سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيا؛ تتطلب سرعة استصدار نتائج قياسات الرأي هذه أولاً بأول؛ لإمكانية مجابهة المشاكل بالحلول الممكنة لكل العقبات والمؤثرات السلبية المباشرة على كافة المسارات الحياتية في المجتمع، فليس كل مايثار في “حديث المدينة” نعطي له انتباهًا وآذانًا منصتة، ربما تكون مسربة ـ بفعل فاعل ـ على ذمة البلبلة والوقيعة وإحداث الخلل في جدران المجتمع الذي نرجو له كل الأمان والسلامة .