حوار مع المناضل و الشاعر الفلسطيني جمعة الرفاعي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 - 10:00 مساءً
حوار مع المناضل و الشاعر الفلسطيني جمعة الرفاعي

له لفعل الكتابة إضمار، و عشق القلم في وجدانه حمل، لامع العبارة في هذا المضمار، و لرفقة المرقم وصل، إحساسه للحرف اختار، فصار بأعماقه متّصل، يصفه شتاتا و إعمار، بين وطن و محتل، آمن بقدرة القوي الجبّار، فأثمرت دواخله الأمل، اعتقد في الحق و في الانتصار، فكان نضاله داخل و خارج المعتقل، لم يصبه لا هون و لا انكسار، و في طلب الحرية استبسل، رافقته عزّة الأحرار، منحها له الله عزّ و جل، هو المناضل و الشاعر الفلسطيني جمعة الرفاعي.

أهلا بك سيدي

أهلا بك دائما وتحية مستمرة
س : الشعر، ردّات فعل متناهية لاجترار الحياة، من هذا المنطلق هل نفهم توافقك أم تعارضك مع الشاعر الأمريكي روبرت فروست عندما اعتبر أن الشعر طريقة لامساك الحياة من عرقوبها؟

ج الشعر كما قلت في القصيدة، ردات فعل لا متناهية لاجترار الحياة، الحياة تقدم لنا يوميا تفاصيلها و تنثرها على مرأى من أبصارنا و دورنا أن نعيد هذه التفاصيل إلى حيز الدهشة، و من غير الشاعر القادر على استدراج التفاصيل إلى حيز اللغة أن يفعل ذلك، و كما قلت سابقا إن الإبداع هو فن اكتشاف البسيط، البسيط الذي نصطدم به في الشارع والبيت والمقهى والرصيف والحقول، الشعر بهذا المعنى يوصلنا لاتخاذ قرار بالكتابة بعد أن تختمر هذه التفاصيل في قلب الشاعر، وهنا أتذكر جملة تقول بان الشعراء فلاسفة ضلوا طريقهم فاتجهوا إلى الشعر، و تتعدد النظريات في تفسير الشعر وحقيقة معناه لهذا فان القصيدة دائمة بدوام الحياة و لهذا ربما انفق مع الشاعر الأمريكي فروست، ولعل ما تفق على سلاسة شعره و وضوح العبارة دلالة على أن الشعر يخرج من تفاصيل الحياة، لكن ذلك لا يعني الغرق في الابتعاد عن الجدل الفكري وتفسير الفكرة بالفكرة لان العقل قادر على صياغة التجارب أحيانا دون الخوض فيها وقلت في احد الكتب التي صدرت مؤخرا أن التجارب تصنعها العقول والخبرات بها لا يصنعها الاعتبار و إنما الجدل في تفكير صناعتها مرة أخرى.

س من معتقدات هذا الشاعر أيضا أنه يقول لم يسبق لي أن بدأت قصيدة أعرف نهايتها، فكتابة قصيدة يعتبر استكشاف، فهل لك نفس هذه الرؤية أم أنك تجادل فيها؟
ج مطلع القصيدة القلب ونهايتها العقل.

س و ماذا عن جوهرها و الروح؟

ج أنا مع أن تتضمن القصيدة حس فلسفي وفكري وان يكون لديها نزوع للحكمة التي تختصر ساعات طويلة من التأمل وهذا يتطلب من الشاعر العمل على قصيدته من حيث المضمون و اللغة و لكن ليس على حساب الجماليات التي نصادفها في الطريق لان من ذكاء الكاتب أحيانا أن يعرف ما يريده الآخرون حتى يستطيع تمرير و إيصال ما يريده هو، لان الشاعر في النهاية شخص عادي يمتلك رؤية مختلفة.

س إلى أي حد يرى الشاعر جمعة الرفاعي أنه قادر أن يعبر أعماق القارئ كأنه الساكن فيها؟

ج أنا قارئ في النهاية، و قارئ نفسي أولا قبل أن اقرأ ذوات الآخرين، تجمعني بالقارئ الأحداث اليومية التي تجوب العالم و نتفاعل معها. الفرق بيننا له علاقة بمسألة الاكتراث، هناك من يرى الأحداث شيئا عاديا وعابرا دون الانتباه لتداعياتها المستقبلية وهناك من يدرك أن الأمور التي يراها الناس شيئا عاديا هي السبب الرئيس في كثير من الأمور، وعلى سبيل السخرية كنا نقول : أين فلان لم نعد نراه، بغض النظر انه مات، إن ما نغض النظر عنه هو في حقيقته يحمل الحقيقة التي تخفى على الكثيرين.

س لكن \”غوستاف لوبون\”، المؤرّخ الفرنسي، يرى أنه \”ليست بالحقائق وحدها يعيش الناس و تجري حركة التاريخ\”، أ و لا تشاطره الرأي في هذه المسألة؟

ج ربما هنا ندخل في مسالة إيمانية بين حركة التاريخ التي تسير وفق إرادة الجماعات والحقائق التي يمكن الانطلاق منها، واكرر أن الحقيقة التي يمكن الشك فيها أفضل من الشك الذي يقود إليها.

س حسب رأي الأديب الألماني فون غوته: أن أعمق موضوع في تاريخ الإنسان هو صراع الشك و اليقين إلى أي مدى تعتقد في عمق هذه النظرة؟

ج لم اقرأ لجوته وجهة النظر هذه لكني اتفق معها من الناحية النظرية المجردة، عندما يكون الإنسان أمام تحديات تتصف بالاستقرار السياسي والاجتماعي، وعندما يكون الشخص متفرغا للبحث في غياب الأزمات الكبرى التي نتعرض، لها واقصد هنا أننا نحن كفلسطينيين وأمام اعتي آلة احتلال لا يمكن أن يتولد لدينا شك أو يقين أمام مسالة بقاء الاحتلال، فاليقين بالمقاومة والتمسك بالأرض لا تخضع لهذه النظرية لأنها محكومة بانعدام الحرية، فاليقين بالحرية أمر بديهي و ربما يأتي الشك لاحقا في الأساليب التي كانت متبعة، إن خلق مساحة للحرية لا يمكن الشك في أهميتها بل هي يقين مطلق وحاجة ملحة لنتمكن لاحقا من أن نمارس شكنا و يقيننا بطريقتنا الخاصة.

س يرى الصحفي المصري \”عبد الوهاب مطاوع\” أن\”محن الحياة تنضج الإنسان على نار الألم\”، فهل تشاطره هذا الإحساس من خلال تجربة الاحتلال و فقدان الحرية؟

ج ربما من الغرابة لو قلت أني لم اعرف طعم الحرية الحقيقي إلا أثناء الاعتقال، لان الحرية ممارسة ذهنية وفكرية قبل أن تكون مواد يمكن تطبيقها، و في هذا تقاطع مع الفيلسوف الألماني كانط عندما طرح أسبقية الفكر على المادة، ولهذا دائما احن إلى السجن ليس كمكان و إنما كحالة حرية و ذهنية، و ربما في هذا نزوع نحو الصوفية. نعم، محن الحياة تنضج الإنسان، و لهذا قلت أن معرفة الحياة محنة و إدراكها مأساة لأنها تقربنا من معناها الحقيقي الزائل و لهذا نوظف كل طاقاتنا الايجابية لاستثمارها، لم افقد الحرية بالاعتقال بل اكتسبتها بشكل أفضل وعرفت المعنى الحقيقي لها.

س لقد حوّلنا المعتقلات إلى مدارس و جامعات، حوّلنا المعتقل إلى مدرسة و مجتمع نعيش فيه من خلال الندوات الثقافية و العلمية المستمرة لكي يعلم السجّان انه اسر الجسد و لكن لا يستطيع أن يأسر العقل و الروح. هذه حماسة المناضلة و الفنانة التشكيلية الفلسطينية أريج عروق، لكليكما نفس التجربة، فإلى أي حد يستنشق المناضل و الشاعر \”جمعة الرفاعي\” من هذا العبير؟ و هل يشد على يد هذه المناضلة للتمسك بهذه العقيدة؟

ج تحت السوط تحت القيد

في عنف السلاسل
مليون عصفور
على أغصان قلبي
تخلق اللحن المقاتل
هكذا يقول درويش

الاعتقال يدخل المناضل إلى خط الدفاع المباشر واليومي والاحتكاك الدائم مع مغتصب الأرض، و لهذا تتحول أشكال الدفاع إلى طرق أخرى تكون اكتساب المعرفة واكتساب الثقافة أهمها، و لهذا اتفق مع المناضلة الفلسطينية أريج بقولها، وأنا شخصيا لي تجربة مع هذا الأمر، حيث كنت المفوض الثقافي العام لقلعة الشهيدة \”دلال المغربي\” وقمت بتأسيس مكتبة و مجلة شهرية توزع على المعتقلين وإعطاء دورات في أكثر من مجال منها دورات في الإعلام والمسلكية الثورية و التحليل السياسي و دورات في اللغة، و كانت بشكل يومي، و كان الأهل أثناء الزيارة تصيبهم الغرابة عندما أقول لهم إن لا وقت لدي، و كنت أحاول انجاز ما بدأته قبل أن يتم الإفراج عني.

س رأيتك أيها القلق المخبأ في النزيف، رأيتك في السجن\”، ما مميزات هذا القلق؟ كيف نقف من خلاله على ملامح الفلسطيني \”جمعة الرفاعي\” و كيف يصل بنا لشمائل الشاعر \”جمعة الرفاعي\”؟

ج القلق من الفشل، والقلق من ضياع الحجم الكبير للتضحيات التي يقدمها الشعب، وهذا مرهون بممارسة السياسي لأنها المنجل الذي يحصد ما تزرعها بندقية المناضل، فالتاريخ السياسي الذي تم تقديمه خلال العشرين سنة الماضية لا يسر صديق. أتعاطى مع مطلب تحرير الأرض كأي حر في هذا العالم يرفض الظلم و ينشد العدالة.

س القلق من الفشل ، الفشل ليس سواء فرصة لتجربة طريق آخر، هذا ما يعتقد فيه الأمريكي هنري فورد، لماذا هذه الازدواجية في النظر للفشل بينك و بينه؟

ج الازدواجية ربما تنبع من اختلاف الموضوع الذي نناضل من اجله، القلق من الفشل في القضايا المصيرية يأتي بهذا الاختلاف، و نحن الفلسطينيين قمنا بتجارب كثيرة سواء على الصعيد السياسي أو أشكال النضال، و كان أخرها تحويل الجسد إلى قنبلة لخلق توازن في حالة الرعب وهذا لا يعفي من ابتكار أساليب جديدة لان الفشل في التخطيط كالتخطيط للفشل.

س أقصى الآمال تولد من أقصى الشقاء\” هذا ما يعتبره الفيلسوف و العالم البريطاني بيرتراند راسل، فما هي مميزات رحلة المناضل و الشاعر جمعة الرفاعي مع الأمل مع كل هذه المعاناة؟

ج لا أحب كلمة الأمل ، أسوأ كلمة أنتجتها الثقافة هي كلمة الأمل ، أنا مع تحويل كلمة الأمل إلى عمل ، الأمل محطة يقف فيها اليائسون والله في كتابه يقول – ذرهم يأكلوا و يتمتعوا ويلههم الأمل، بالعمل يتم الانجاز و بالأمل نقتله وهذا يشبه قول للروائي عبد الرحمن منيف : ستبقى السجون طالما يتغنى الإنسان بالصبر.

س علمتني الزنزانة أن الأمل محطة يقف فيها اليائسون، هل نفهم من خلال تجربتك هذه أنك تساند معتقد الأديب اللبناني إبراهيم اليازجي عندما قال : فيم التعلل بالآمال تخدعكم و أنتم بين راحات القنا سلب؟

ج تماما.

س إذن كيف تفسر قول الكاتب التونسي محمود المسعدي بأن الأرض طواعية للرجال الذين يمتلكون الأمل و يقدرون على تحدي المستقبل\”؟

ج تحدي المستقبل يحدث بما نعمل لا بما نأمل و لو دققنا في قوله لوجدنا انه يقصد بها العمل.

س ليس هنالك عمل فني إلا و له ماض في نفس صاحبه، هذا ما يعتقد فيه أستاذ علم النفس المصري مصطفى سويف خارج الموعد، هذا المؤلّف، كيف يقف بنا على ماضي الشاعر جمعة الرفاعى؟

ج و سأضيف على ما قاله أستاذ علم النفس أن اغلب الكتاب عادة ما يكون العمل الأول متضمنا جزء من حياتهم الشخصية بأحداثها الحقيقية ثم سرعان ما يتم تجاوز ذلك في العمل الثاني وهذا يعتمد على المؤلف نفسه إن كان ما يكتبه يؤدي إلى مشروع كتابي أم لا. خارج الموعد، هذا عمل تم كتابته أثناء الاعتقال والفكرة تضمن أحداث حقيقية عشتها وحتى الأحلام المذكورة داخل العمل هي أحلام حقيقية كنت أدونها بعد أن أصحو من النوم مباشرة، كنت أحاول أن أضع في هذا العمل خلاصة تأملات وتجارب سواء على الصعيد المرئي أو ما وراء ذلك، عاصرا طاقتي الذهنية للوصول إلى ما أريد، خارج الموعد له علاقة بتوقيت إرسال الرسائل من المعتقلين إلى أهاليهم، والقارئ للنص سيكتشف بسهولة دلالة العنوان، حاولت قدر الإمكان أن أضع ما أريد قوله في سياق سردي ونثري بعيد عن الشعر متنقلا بين حالات زمنية مختلفة بين الحاضر والمستقبل والماضي وماضي الماضي و وضعه في الآن، الآن التي هي لحظة اتخاذ القرار، لان كل ما سيحدث لاحقا مرهون بقراراتنا التي ستحدث في المستقبل. اكشف الآن أن التجنيس الأدبي لهذا العمل كان تحت مسمى ( سيرة روائية ) لان فيها مزج بين ما هو متخيل وما هو مرغوب في علاقة عضوية مع الذاكرة الخاصة، لكن الجمع بين السيرة والرواية له عواقب نقدية لا تحمد عقباها ولهذا اخترت أن اعفي نفسي من هذا الخلط مكتفيا بكلمة سردية على الغلاف لاني هنا اسرد ما ارغب أن أقوله متحللا من التصنيف الأدبي الذي يضعني في بوتقة يصعب الخروج منها، هنا تحايل لأقول ما أقول وارى ما أرى تحت هذا المسمى، يهمني أخيرا في هذا العمل الصغير أن يجد القارئ متعة ما واستفادة ما من شخص خاض تجاربه الخاصة على أكثر من صعيد وفي ذهني احترام كبير جدا للقارئ الذي يبحث عن نص مختلف بلغة موصولة بالعادي واليومي وفي افقها تجوب حالات التأمل والحكمة البسيطة، واعتبر هذا العمل بمثابة الجزء الثاني للديوان الأول والذي كتبته في نفس الظرف.

س سجينيوس هو الديوان الأول الذي كتبته في نفس الظرف، فإذا ما أخذنا بوجهة نظر الفيلسوف الألماني ألبرت شفايتزر القائلة فكّر أحيانا في المعاناة التي لا تود أن تراه هل يمكن أن نعتبر سجينيوس و خارج الموعد ذكرى مستمرة يحييها الشاعر جمعة الرفاعي لمعاناة تأبطت روحه و رافقت قدمه أينما ذهب؟

ج الشاعر هو خلاصة تجاربه ومعاناته والمفاصل الحياتية التي يمر بها، وبهذا يصبح كل ما مر سابقا حاضرا أمام لحظة الكتابة بشكل أو بأخر، و ربما المعاناة تخضع للتعريف الفيزيائي للمادة بانها لا تفنى ولا تزول وإنما تتحول من شكل إلى أخر، فالمعاناة شئنا أم أبينا ستكون حاضرة في الذاكرة، لكن لحظة التذكر لهذه المعاناة مشروط بالسبب الذي جعلنا نعاني لذلك ثمة من يتذكر الألم بحب وثمة من يتذكره بحسرة، الظرف هنا مرتبط بقيمة يبحث الكل عنها ولهذا فان تذكر معاناة من هذا القبيل مرتبط بعاطفة الحب. كلا الكتابين يتضمنان مساحات واسعة خارج دائرة الظرف الذي كتبا فيه، ذلك أن الذهن لم ينحصر في المكان كتحييز للحالة التي اجبرت أن تكون فيها و لم يستجيبا للشرط المادي للمكان كأن المعاناة هنا تحولت لشكل أخر من التحدي بين الإرادة الحقيقية لمطلب شرعي وبين من يمثلون الحياة.

س يحدث أحيانا، أن يجتمع البن والقهوة، في كأس واحدة، وأكون ثالثهما عندما يكون الكسر في الكأس رابع ثلاثة، ما مميّزات طعم البن و القهوة آنذاك؟
ج الطعم سيكون قصيدة، أو إحدى شطحات التصوف.

س جمعة الرفاعى، إحساس تبحر به قصيدة، فإلى أي المواني تصل به؟

ج البداية للقصيدة والنهاية لي، مع أن ما نعتبره بداية هو في الحقيقة نهاية لأشياء سابقة و ما نعتبره نهاية هو في الحقيقة بداية لأشياء لاحقة، وبهذا تصبح كل نقطة وصول هي في الحقيقة بداية لآمر ما، ربما قصيدة أو لحظة اتخاذ قرار لبداية جديدة، لا وصول عند الشاعر و ليس من أهدافه أن يصل، الوصول هنا يعني الاكتفاء وهذا يتعارض مع الحياة نفسها القائمة على الاستمرارية و تقديم الجديد يوميا. المرساة في سفينة الشعر يجب أن تكون مفقودة حتى لا تسول نفس الشاعر بالذهاب إلى الميناء، الإبحار صفة دائمة تصاحب الشاعر، الإبحار في التجربة، في الوطن، في الجدل، في القراءة، في النقد، في الحياة و معناها العميق، في الفشل و كيفية اكتساب العثرات حتى نتجاوزها لاحقا، ربما لو خير لي أن أرسو على ميناء سأختار ميناء سهل المغادرة، السقوف الآيلة للسقوط تحفز الحذر، هذا يشبه لحظة الكتابة، القصيدة تريد القول لي في كل مرة أن ما تعتقده صلبا و ثابتا لا يمكن تحريكه، لديه قابلية للانهيار و بناء عالم جديد من الركام على أسس قابلة لهدم أخر، و ربما هنا يصبح الشعر قريبا من تراكم المعرفة.

س إن ما تعتقده صلبا وثابتا لا يمكن تحريكه لديه قابلية للانهيار وبناء عالم جديد، هل يمكن أن نستنتج من فكرتك هذه تسليمك بما قاله الفيلسوف و العالم البريطاني \”بيرتراند راسل بأنه من المفيد في كل الشؤون أن تقوم من حين لآخر بوضع علامة استفهام على الأشياء التي طالما اعتبرتها من المسلمات؟

ج التسليم بفكرة ما هو بمثابة قتل للفكرة، و وضع علامة استفهام عليها يبقيها حية للبحث والجدل والرفض والقبول والتفسير والنقد، و ربما هذه الأمور احد أركان عملية تطور الوعي، وهذا هو المنهج الذي أسير عليه، المنهج الذي يربط عامل الحياة ببروز الظاهرة وانتشارها، ولان عامل الحياة متغير، فان كل خطوة عقلية يقوم بها الإنسان ليطابق بها الواقع الخارجي هي حكم صحيح، ولان الواقع في حركة دائمة فان كل خطوة باتجاه المطابقة هي صحيحة و بهذا تصبح المسلمات خاضعة لقانون النسبية، بالمقابل فان ذلك لا يعني بالضرورة أن نرفض أدوات المعرفة وإنما أن نظل في حالة بحث عن المعرفة نفسها.

س النقد، كوسيلة للبلوغ لشكل من أشكال المعرفة و قلم الشاعر \”جمعة الرفاعي\”، ما ملامح الرفقة التي تجمعهما؟ و هل يختلفان أو يتفقان في تحديد أثر المسار الذي سيتبعانه؟

ج اعتقد أن ثمة ناقد يسكن في قلب الشاعر وعلى الشاعر أن يعيد تقييم النص الشعري بعد الانتهاء منه و يتفحصه بعين الناقد قبل أن يقدمه للقارئ، فالنقد هو الذي يصوغ القوانين المتعلقة بالذائقة و يصطدم بالقيم ليقوم بنثرها كتيار من الأفكار، بمعنى أنا ارفض أن تكون فكرة الغيبوبة في الشعر حاضرة و من الأفضل أن تكون مرتبطة بتيار الوعي الشعري، من هنا فان لحظة الكتابة عندي أشبه ما تكون بالنحت من صخرة قاسية بين ومضة اللحظة الشعرية واستحضار الهدف منها في ذات اللحظة، إن اجتماع الأمرين معا في لحظة الكتابة يجعلني أقف دائما أمام المعنى الذي أريد قوله والهدف منه لتخرج القصيدة في نهاية الأمر كلحظة أفقية لا هي بعيدة عن الأرض فتنجرف إلى الهذيان ولا تسقط على الأرض فيصيبها الوحل، لهذا لدي إحساس دائم بعدم الرضي عما اكتب، وهذا شيء صعب و متعب خصوصا عندما أتسائل بيني و بيني عن الجدوى من كتابة النص ،،، ماذا بعد ؟ الناقد و الشاعر في داخلي متصارعان كلاهما يقود الآخر و كل منهما يريد أن يفرض سيطرته على الآخر.

س إذا ما اعتبرنا منهاجك هذا ردا على قول المؤلف الأمريكي ورمان فينست بيل بأن : مشكلة معضمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد\”، إلى أي مدى تعتقد أنك تعبر بكتاباتك حدّ الإنقاذ؟ و كيف تتعامل مع حرفك إذا ما غمره يمّ المدح؟

ج هذا يعتمد على سيكولوجية الشاعر نفسه و كيف يرى نفسه أولا قبل أن يراه الآخرون، و ما الذي يريده من النص و كيف يتعامل معه وهل يحمل النص حمولة معرفية قابلة للاستمرار؟ بالنظر إلى هذه الأمور يتم تحديد إذا كان الشاعر يريد أن يمدح أو لا، لهذا كثير من الأسماء التي مرت عبر التاريخ لم تكن معروفة أو كان قد تم مدحها ليأتي النقد بعد عقود كاشفا عن قيمتها الإبداعية، أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. أتذكر هنا نصا كنت كتبته سابقا يقول:

لا أعلق آمالا على حبل غسيل
كل ما أريده

أن أعلق شيئا صغيرا
يشبه الميدالية
على خاصرة الأبد

من الأفضل أن يحتوى النص على نسبة من الخلود حفاظا على الذاكرة والتاريخ والإنسان، والنقد هو بمثابة المادة الحافظة لمضامين النص وهو سجل للنجاحات والإخفاقات لطموحاتنا الحالية. المديح في بعض الأحيان يغري بعدم الاشتغال على النص وعدم الاشتباك مع الذائقة و ربما يؤدي إلى صناعة النجوم السريعة الانطفاء بمجرد زوال الظرف التاريخي للكاتب و ربما العكس، وهذا يعود كما قلت في البداية بان له علاقة بسيكولوجية الشاعر. المديح يحشرني في زاوية المسؤولية والاشتغال على النص أكثر ليحمل لغة جديدة وأفكار جديدة واتجاهات جديدة في القصيدة وهذا متعب حقا ربما يؤدي في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات صعبة ربما تؤدي إلى اعتزال الكتابة نفسها.

دمت لامع الحرف و ذائقا لمعانيه العميقة، شكرا لك الشاعر جمعة الرفاعي على حسن تواصلك و رقي كلمتك و إلى لقاء جديد إن شاء الله.

أنا سعدت بك أكثر، كنت متأهبا وأنت تسددين لي أسئلة عميقة تستفز المخيلة والتفكير العميق.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.