الخميس. أبريل 2nd, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

دراسة تحليلية.. نزعات ما بين الموت والحياة في مسلسل “كتدرائية البحر” جذور تاريخية ذات شجون

1 min read

بقلم بكر السباتين – الأردن – شموس نيوز

جذور تاريخية ذات شجون أثناء مشاهدة مسلسل “كاتدرائية البحر” ستأخذك التداعيات إلى منطقة الأسئلة المحظورة حينا تغوص بوعيك في أعماق الوجع الإنساني الزاخر بالحقائق التاريخية المدهشة، في إطاريها المثبت أو المحاكاة؛ لتكتشف أثناء متابعتك لما يدور من أحداث بأنك البطل المحوري الذي يعيش الدور في دوامة الأحداث المزدحمة في هذا المسلسل الإسباني التاريخي، الذي بثته قناة نتفليكس في ثماني حلقات. ولا يحدث هذا الأمر إلا في حالات الإسقاط للتاريخ على الواقع، الذي لا يقل عن تفاصيله ألماً.. وكأننا نعيش امتداداً معنوياً لتلك الحقبة المظلمة من تاريخ شبه الجزيرة الليبيرية (إسبانيا). فقد استند المسلسل إلى الرواية الأكثر مبيعًا فى العالم، عام 2007 بنفس الاسم للكاتب الإسباني ” إلديفونسو فالكونس، حيث تدور أحداثه أثناء بناء كنيسة “سانتا ماريا دل مار” في وقت محاكم التفتيش فى برشلونة بالقرن الرابع عشر الميلادي. ويوضح لنا المسلسل التمييز الاجتماعي والصراع المستمر من أجل الحرية والعدالة والكرامة للفقراء، وإذلال أصحاب السلطة لهم، كذلك الانتقام والحب والخيانة، والتعصّب الديني في القرون الوسطى، بالإضافة لمكانة المرأة المهمّشة في ذلك الوقت وكيف كانت القسوة أساس التعامل مع النساء سواءً من الأهل أو الزوج، “محاكم التفتيش” و “النبلاء” كل هذا نراه على خلفية بناء كنيسة كاثوليكية جديدة تكريمًا للعذراء.. الكنيسة الأشهر اليوم في برشلونة، كنيسة “سانتا ماريا ديل مار” ، خلال الفترة من 1329 إلى 1384. وتعتبر الكنيسة مثالًا جيدًا للتصميم المعماري القوطي الكتالوني الأصيل. وبالرجوع إلى الموسوعة الحرة ستكتشف أنها ذات الفترة التي تمثل جزءاً من تداعيات ما بعد سقوط شمس الأندلس، حيث الظلم المتفشي آنذاك في برشلونة التي كان يعيش فيها كل أصحاب الديانات السماوية، في منطقة أخذ يخيم عليها ظلم محاكم التفتيش الجائرة، والتي تلاقت في مصالحها مع طبقة الإقطاعيين، في ظروف انتشار الفساد الأخلاقي والخوف من المجهول، حيث كان على اليهود مثلاً أن يعيشوا في أحيائهم المغلقة الخاصة “الغيتو” بينما يعيش المسلمون في خوف ناجم عن العداء المستحكم بين المسلمين والقشتاليين المسيحيين في الأندلس، حيث باتت تحت أضراس القُوّات المسيحيّة التي سيطرت على مدينة برشلونة في العام 985م، بينما ظلت آخر المعاقل الأندلسية، مدينةُ طُليطلة محافظة على تقدمها الحضاري في بوتقة التسامح الديني إلى أن سقطت في العام 1085م، وصولاً إلى الفترة ما بعد العقد الثاني من القرن الرابع عشر حيث انطوت حكاية الفردوس المفقود، وتحول المسلمون الذين أخرجتهم الظروف القاسية من منطقة المركز والفعل الحضاري في الأندلس، إلى منطقة الهامش والاستلاب الجسدي والمعنوي في برشلونه، من خلال تغيير هويتهم الدينية إلى الديانة المسيحية، ليمارسوا أعمالاً مزرية حتى يتمكنوا من

العيش في أدنى مستويات الكرامة، مثل أعمال السخرة لدى الإقطاعيين كعبيد، أو الخدمة في القصور، ومن تبتسم له الحياة سيمارس أعمال التجارة بالوكالة. هذه تفاصيل تاريخية لا يمكن فهم رؤية المسلسل بدونها. أما اليهود الذين اتهموا في سياق المسلسل بأنهم صلبة المسيح فقد عزلوا في أحياء خاصة، لكن موهبتهم في أعمال التجارة والتعامل بالربا جعلهم أقوى حالاً، ورغم ذلك ظلوا في دائرة الاتهام التاريخي وتحت مجهر محاكم التفتيش وسطوتهم، فيعاملون كالساحرات. وقام بأدوار البطولة في هذ الإنتاج الإسباني الضخم، كل من:: – الممثل “إيتور لونا” الشخصية الرئيسية للمسلسل “أرناو إستانيول – الممثلة “ناتالي بوزا” قامت بدور “فرانشيسكا والدة “أرناو”. – الممثل “دانييل جراو“ قام بدور “بيرنات إستانيول” والد “أرناو”. – الممثلة “أندريا دورو” لعبت دور “ألديس ”. – الممثلة ميشيل جينر لعبت دور “مار” حيث تجلت في قصة المسلسل ازدواجية الطاقات السلبية مقابل الإيجابية.. هذا الخليط بين الطاقتين تفاعل في أعماق شخصيات القصة المركبة، حيث كان على الممثلين التماهي مع الشخصيات المركبة وتقمص الأدوار المنوط بهم إلى درجة الذوبان. وكانت المهمة في غاية الصعوبة.. ويبدو أن الذي ساعد على ذلك، هو تناغم روح الفريق الواحد في العمل والذي كان متجلياً في تفاصيل هذه الملحمة الزاخرة بالوقائع، كدليل على العلاقة الموفقة بين عناصر فريق العمل بقيادة المخرج الممثلين وفني الإضاءة والديكورات والأزياء والإكسسوارات. وتجلى ذلك في المحاكمة الأخيرة لأرناو من قبل محاكم التفتيش وهروب القضاة إلى منطقة الظلام في الطابق الأرضي مقابل خروج أرناو إلى بوابة النور، وفي ذلك دلالات ماسونية واضحة.. إذا ما أُقرنت بتعريف “الماسونيون” في أنهم البناؤون الأحرار.. حيث تدور قصة مسلسل “كاتدرائية البحر” حول شخصية “أرناو” وهو أحد بنائي الكاتدرائيات الذين خرجت الماسونية من عباءتهم.. وهم بذاتهم الذين أخرجوه من ظلام محكمة التفتيش آخر المسلسل، إلى النور. وكدأب القصص الملحمية لا بد من وجود تفاعل قوي بين الشخوص بطبائعهم المختلفة.. وهو ما يساعد على توالد الأحداث وتناميها في ظل زمان تراكمي ومكان تمثل بمدينة برشلونة، وصولاً إلى ذروة الصراع ومن ثم الحل الذي يتشعب عادة إلى نتيجتين: الأولى في حالة النهايات المغلقة كنهاية مسلسل “كاتدرائية البحر”، والثانية في حالة النهاية المفتوحة من خلال بذر الأسئلة في حرث الدهشة بحيث يتحكم المشاهد باحتمالاتها..

وفي سياق متصل، سنورد تالياً بعض ملامح الازدواجية في الطبائع وما حملته من طاقات مركبة تفاعلت في أعماق شخصيات المسلسل، وأثرت في سياق الحدث وتفاصيله، وهذه أهمها: أولاً: – طاقة الإيمان والتحدي خلال نضال “أرناو” من أجل الحرية والكرامة ورفع الذل عن الفقراء.. ذلك الصبي اليتيم الذي يكبر وهو لا يعرف أمًا له إلاّ السيدة العذراء فيدعوها دائمًا ويلجأ إليها باستمرار. إنه الإيمان الذي يعزز الطاقة الإيجابية

في الإنسان.. ورغم ذلك تنحسر هذه الطاقة من أعماق القس جوان الذي انتحر وأحرق معه زوجة صديقه الشريرة.

ثانياً:- ازدواجية طاقة الحب النقي الإيجابية خلال معاناة أرناو في الحب ، مقابل طاقة الخيانة السلبية الناجمة عن: الخيانة، ظلف العيش والقهر، الحروب الطاحنة، انتشار مرض الطاعون الأسود، ظلم الطبقة الحاكمة المتعسّفة، تجارة العبيد، محاكم التفتيش الإسبانية، حتى التعصّب الديني الرافض لوجود المسلمين واليهود في المدينة.

ثالثاً:- الأم وطاقة التضحية لأجل الآخرين “فرانشيسكا والدة “أرناو”، التي كانت حياتها عبارة عن بؤس متواصل، بدءًا من ليلة زفافها التي نرى من خلالها كيف كانت معاملة النساء في القرون الوسطى بمنتهى الوحشية، لنُلقي نظرة على حق السيد الإقطاعي في الليلة الأولى للعروس. ورغم المآسي التي واجهتها، فإنها لم تضعف أو تفقد قوتها لذلك قدمت الحماية لابنها فيما آثرت أن تظل مجهولة بالنسبة إليه حتى ينعم بالأمان.

رابعاً:- الأب وطاقة الصمود والتحدي لم تهزم الظروف “بيرنات إستانيول والد أرناو الذي خسر كرامته يوم زفافه المشؤوم، ليبدأ حياة التشرد المليئة بالتحدي والمقاومة، ليحافظ على حياة ابنه. ولكن مارد الحرية تحرك في أعماقه بعد أن حصل على الحرية المنقوصة الامتيازات فدافع عن حقوقه أمام نبلاء السلطة دون وجل.. وبذلك فقد أورث صفة التحدي لابنه أرناو.. خامساً: – الوفاء والحب والإخلاص رغم فقر بيرنات فقد التزم بتربية صديق ابنه، وتحدى لأجلهما الصعاب حتى علمهما. ومن مظاهر الإخلاص أيضاً، ما تجلى من مشاعر دافئة خلال صداقة “أرناو” و”جوان” العميقة، ثم اجتماعهما منذ الطفولة على مهنة قربتهما من السيدة العذراء.

وستكتشف ما قلناه في سياق الملخص التالي والدقيق للمسلسل، وقد ربطت التفاصيل بعناوين مستوحاة من سياق الفقرات المتعاقبة.. ولعله الملخص الوحيد المنشور عن هذه الدراما الضخمة.

ملخص مسلسل “كاتدرائية البحر” *الهروب من أشداق الظلم وقعت أحداث المسلسل في برشلونة عام ١٣٣٤ في زمن الإقطاع والاستعباد ومحاكم التفتيش التي كانت تطارد الساحرات أو من يمارس الهرطقة أو يمارس شعائره الدينه من يهود ومسلمين، وخاصة تعامل تلك المحاكم الجائرة مع اليهود المتهمين بصلب المسيح. وكان إذا عوقب اليهودي بالحرق تصادر كل أمواله المنقولة وغير المنقولة، وجميع أملاكه من قبل محاكم التفتيش. تخيل عزيزي القارئ كيف أن كل ذلك يحدث في زمن الفقر والانحلال واستعباد النبلاء الإقطاعيين للفقراء ومشاركتهم زوجاتهم كما حدث مع فرانشيسكا التي اغتصبت قبل دخلتها من قبل أحد النبلاء، وفُضت

بكارتها.. وإمعاناً في الظلم، طلب النبيل من زوجها بيرنات إستانيول أن ينام معها في نفس الوقت والفراش، وما أن ولد ابنه أرناو من رحم هذه الواقعة، حتى استدعى النبيل تلك الأم مع ابنها الرضيع لتستغل في قصره كمرضعة وعاهره في آن واحد، وتم انتزاع رضيعها ليترك عند أحد الحدادين من جماعته.. لتتسلل إليه أمه فرانشيسكا كلما سمحت لها الظروف العصيبة، فترضعه. وبقي الحال هكذا إلى أن استدل بيرنات إستانيول على مكانهما.. ومكنته الظروف من استعادة ابنه فقط من الحدّاد بعد مشاجرة افتعلها معه، أدت إلى مقتله. وهرب بيرنات إستانيول على إثرها، بعد مطاردته من قبل رجال النبيل. وتمكن من الوصول بطفله الرضيع إلى منزل شقيقته المتزوجة من فواخرجي ثري، والذي أقام ثروته الطائلة على ما ورثته أخت بيرنات إستانيول من والدهما.. وعومل هناك كأجير يقيم مع العمال في ظل حياة قاسية تأنفها حتى الدواب، بينما احتضنت العمة ابنه الصغير أرناو ليحظى بحياة مرفهة مع ابنائها وهم ابنة وولدان.

*موقف ذليل وتمضي الأيام بطيئة، وكانت الابنة والابن الكبير يعاملان الطفل أرناو بفوقية، ويلقيان عليه كل أخطائهما وخاصة حينما أرغمته ابنة عمه على الخروج معهم إلى الشاطئ خلافاً لرغبة والدها، وكانت الكارثة حينما عادوا والابن الأصغر مصاباً بنزلة برد شديدة، أدت بالتالي إلى وفاته. فوُبِّخ أرناو رغم علم زوج عمته بالحقيقة؛ بأنه درس أخلاقي لطفليه كي يعتبرا من هذه الكارثة، ويطيعان أوامر الأسرة درءاً لأية أخطاء قد يواجهانها، ثم عوقبت الخادمة المسلمة “حبيبة” بالنيابة عن الصغار المذنبين، حيث جلدت أمام الخدم والأولاد وهي معلقة عارية تماماً، حتى نزف جلدها الذي مزقته السياط، وسقطت على الأرض ميتة، فيما طلب من أرناو إمعاناً في إذلاله أن ينظف الأرض من دمها.. بعدها طلب من والده “بيرنات إستانيول” احتضان ابنه ليعيش معه مع العمال.

وخلافاً لوصية أخته التي ماتت وهي توصي على شقيقها وابنه، لم يلتزم زوجها بتثبيته وإطلاق حريته، لا بل اصطحبه زوج شقيقته معه إلى قصره الجديد دون الخدم، بعد أن تزوج من ابنة نبيل مفلس، وكانت غاية في العجرفة وسوء الأدب.. وانتقل معهم “بيرنات إستانيول” برفقة ابنه “أرناو” ليعملا في الإسطبلات على أن يلتزم زوج اخته، النبيل، بتعليم أرنو. ولاقى هناك معاملة مذلة من قبل الجميع، إلى درجة أن “بيرنات إستانيول” ضرب كبير ساسة الخيل بسبب إهاناته المتكررة لابنه أرناو، فانتقم السايس بأن فك سرج الحصان الذي كان قد جهزه أرناو ليمتطيه ابن عمته، فسقط الأخير عن الحصان.. وبكل بصعوبة اعتذر أرناو من عائلة زوج عمته بشروطهم، بعد أن قبل أقدامهم فأحدث ذلك شرخاً عميقاً في كرامته.

*سر الجثة المحترقة خلال هذه الفترة تعرف أرناو على ولد مسحوق من جيله يدعى جوان، ليكتشف بأن والدة “جوان” محبوسة منذ سنوات في غرفة مقفلة من قبل زوج أمه الظالم، وكل لا يرى إذا رغب بمقابلتها، إلا أصابع يدها عبر نافذة حديدية صغيرة… فيتبناه بيرنات إستانيول بمباركة القس المشرف على بناء الكاتدرائية، وقد اجتمع الصديقان على حب العذراء. وذات يوم حلت المجاعة في البلاد، واستأمن بيرنات إستانيول مدخراته المالية لابنه أرناو خشية أن يحدث له مكروه.. وقد ضمر في نفسه أمراً جللاً.. وذهب إلى السوق ليحرض الناس على نيل نصيبهم من القمح بالقوة، فحكم عليه من جراء ذلك بالشنق.. وحتى لا يتعفن بيرنات إستانيول بعد شنقه، تسلل ابنه أرناو في جنح الظلام، بعد أن طلى وجهه بالطين، وتمكن من إحراق جثة والده، ثم ولى هارباً بأقصى ما يستطيع، وتوارى عن مطارديه في موقع العمل بالكاتدرائية. ولسوء الحظ كان صندوق التبرعات في الوقت نفسه يتعرض للسرقة من قبل أحد العمال، وعندها تم إلقاء القبض على آرنو، وألصقت به تهمة السرقة، بدلالة ذلك الطلاء الطيني الذي يغطي وجهه، وما زاد الطين بلة عند تفتيشه، وجود مدخرات والده في جيب معطفه الداخلي ما ثبت عليه التهمة، ولولا عناية الله التي كشفت السارق لانتهت حياة أرناو في السجن. ومن يومها عينه القس عتالاً للحجارة في الموقع ضمن مجموعة البنائين الأحرار.

*أسرار في خيمة العاهرات وحينما كبر الصديقان، ولتعثرهما في سداد أجرة البيت، أجبرهما صاحب البيت على قبول شركاء لهم في السكن، وهي عبارة عن أسرة صغيرة، حتى أنه حشرهما صاحب العقار في غرفة منعزلة.

وتشاء الأقدار أن تتعلق بآرنو، ابنة شريكه بالسكن وتدعى “ألديس ”، حيث شجعته على طلب يدها للزواج، فصده والدها بقسوة، ونكاية به تم تزويجها لأحد النبلاء المفلسين مقابل الحصول على لقب لورد كما جرت العادة، لكن “ألديس ” ظلت تطارد عشيقها حتى خانت زوجها معه، ورغم ذلك زوّجه أحد البنائين الطيبين أجمل بناته وتدعى “مار”، لكن أرناو لم يدخل عليها لتعلقه بعشيقته ألديس التي استحوذت على كيانه. وحينما استدعي أرناو للقتال، التحق بالجيش الشعبي، في حين اكتشف زوج “الديس” النبيل، أمر خيانة زوجته فحبسها في البيت بعد مارس عليها أشد صنوف العذاب وكأنما يجمعهما ثأر قاتل، فهربت من أسر زوجها ووالدها بعد أن نكلا بها، ولحقت بعشيقها متتبعة آثاره، في حين كان أرناو يقاتل بشراسة أثناء حصار الجيش الشعبي لأسوار قلعة العدو وتحصيناته، ويسجل له أنه صدّ ضربة غادرة كانت قد وجهت إلى رأس ابن عمته، وغريمه، من قبل أحد الأعداء رغم ما بينهما من ثار، حيث التقيا في الميدان. وفي طريقها عثرت ألديس على مخيم للعاهرات قرب المعسكر، وادعت بأنها تبحث عن زوجها أرناو، الجندي في ميدان المعركة القريب، وسألت القوادة عنه حيث سيكتشف القارئ فيما بعد أنها أم أرناو التي أرغمت على ممارسة البغاء، وتدعى فرانشيسكا، بعد أن اختطفت من زوجها.. وتعرفت على ابنها أرناو من خلال حديث عشيقته عنه، بعد أن ذكرت اسمه، فأدركت بأنه ابنها المفقود.. فذهبت تستعلم عنه في

الميدان والشوق يحدوها إلى ذلك.. وكان الجنود يلتقطون أنفاسهم من عناء المواجهات في وقت الاستراحة، فتعرفت على ابنها أرناو بقلبها قبل عينيها.. دون أن تفصح عن هويتها، واكتشفت أنه متزوج من أخرى، وحماية لابنها من كيد النساء واجهت عشيقته ألديس بالحقيقة، وعلمت بعد أن سُمح لها بالإقامة بينهم، بتفاصيل قصتها مع ابنها أرناو.. لذلك أخبرتها فرانشيسكا بأنه قتل في ميدان المعركة.. وطلبت منها أن تنساه. ومن وقتها امتهنت ألديس مهنة البغاء مع والدة أرناو.

*الطاعون الأسود عاد أرناو إلى بلدته ليجد الطاعون قد حصد عدداً كبيراً من الناس ومنهم زوجته “مار”، وأثناء تجواله في الأزقة، شهد ما يتعرض له اليهود من مداهمات، حيث قتل منهم عدد كبير، بعد أن اتهمهم الناس بالتسبب في مرض الطاعون من خلال تسميم الآبار، وفجأة قام بحماية خادم مسلم مُتَهَوِّدْ كان برفقته ابنا سيده اليهودي الثري، وهو كما تبين، من كبار تجار العبيد، وكوفئ أرناو من قبل الثري اليهودي على موقفه الشجاع، وبعد أن خيره بنوع المكافأة التي يحلم بها، طلب أرناو من اليهودي أن يقدم له يد العون في تأسيس مصرف مالي، يزاول من خلاله عمله.. ولإنجاح مشروعه، باعه اليهودي صورياً عبداً مسلماً وخبيراً في الشؤون المصرفية، حتى يساعده في إدارة مشروعه المالي. وخلال عمله تضع الصدفة في طريقه طفلة يتيمة وذكية، فتبناها حتى كبرت في بيته.

*الانتقام

كبرت تجارة أرناو وذاع صيته في البلاد، في هذه الأثناء أصبح يمتلك سفينة إنقاذ للمراكب البحرية الكبيرة، وحينما طلب منه إنقاذ سفينة زوج عمته، فكر في توريطه والانتقام منه. وكان أرناو قد التقى أسرة زوج عمته النبيل في مناسبة خاصة دعي إليها وجهاء برشلونة، حيث كان على رأسهم بعد أن أصبح من أهم المصرفيين في المدينة.. حيث تخلص من مكيدة دبرت له أثناء الحفل، حينما طلب منه أحد الخدم الدخول إلى غرفة جانبية، ليتفاجأ بابنة عمته عارية تماماً في محاولة منها لإغوائه، فأدرك أنها خطة رسمت ضده كي يُرغم على إنقاذ سفينة زوج عمته؛ لكنه انقلب السحر على الساحر، إذ قرر أرناو ترك ثروة خصمه لقمة سائغة في أشداق البحر، وتمكن من شراء أملاك زوج عمته، ثم قام بطردهم وهم حفاة أمام الناس، بعد أن قبلوا قدمه مثلما فعلوا به وهو صغير.. ونجح أرناو نجاحاً كبيراً، حتى صار بوسعه إقراض الملك نفسه لتمويل جانبًا من حملته ضد القشتاليين الذين حاولوا اختطافه؛ ولولا تنبيه صديقه جوان للملك، لحدث للأخير مكروه، لذلك كافأه الملك بالسفر إلى الخارج؛ ليدرس علم اللاهوت بناء على اختياره.

*سرقة الكنيسة والمصير المجهول بعد انتصار قواته من خلال خطة ذكية نفذها أرناو في عرض البحر، كافأه الملك

بمنحه رتبة بارون، لا بل وزوجه من ابنته بالتبني، لتحصل بذلك على ذات الرتبة الاجتماعية.. لكنها تعاملت مع أرناو بفوقية، وامتنع الزوجان من جراء ذلك عن بعضهما وخاصة أن أرناو لم يكن يحبها. وحينما اجتمع النبلاء لتقديم الطاعة والولاء لأرناو وزوجته، لمس منهم تمنعاً من قبيل الغطرسة والاستنكار، لذلك واجههم بحسم، وكبح جماحهم، فتسلم زمام الأمور من زوجته حتى يتركز الانتباه على شخصه.. وبدأ يتخذ قرارات مفصلية في ضيعته، حيث منع نظام الرق، ثم حول العبيد إلى مزارعين منتجين خلافاً لرغبات أسيادهم النبلاء، بعد أن أعاد إليهم أراضيهم المسلوبة.. وازدهرت الحياة الاقتصادية.. فتم تعيين أرناو حاكمًا لبرشلونة.

*خيانة الأقربين وكان علي أرناو أن يواجه مكائد زوجته التي يئست من استمالته إليها كي تحمل منه، فأوحت لصديقه القس جوان، بأن أرناو تجمعه مع ابنته بالتبني مشاعر محرمة، ولمنع المحظور بينهما، وخاصة أن جوان لا يوافق على تزويجها دون إرادتها، تحرك القس جوان لإيقاف المحظور وذلك عن حسن نية، فأقنع ومعه زوجة أرناو أحد النبلاء، ضاغطين عليه كي يغتصب ابنة أرناو بالتبني، تمهيداً لحل المشكلة بتزويجهما.. ويكوانان بذلك قد قطعا الطريق عن الشيطان. فنجحت خطتهما.. وأصيب الجميع بالمذلة والقهر.. عقب ذلك، قرر العبد المسلم الرحيل عن برشلونة ليبدأ حياته في إيطاليا.. ولكن الطامة الكبرى باغتت أرناو حينما حدثت سرقة في إحدى الكنائس واتهم فيها اليهود الذين طوردوا من قبل سكان الأحياء المجاورة، فأغلق اليهود على أنفسهم الحي “الجيتو”، فيما وكل مندوب الأمير الحاكمَ أرناو للتفاوض مع صديقه اليهودي الثري، حتى يسلم الجناة المختبئين في “الجيتو”، وتم الاتفاق بعد مفاوضات عويصة مع زعيم الجيتو،على دفع اليهود أربعين عملة ذهبية، وأن يقدموا ثلاثة من المطلوبين لمحكمة التفتيش. إلا أن النتيجة كانت صادمة حينما ضحى صديقه اليهودي الثري بنفسه مع اثنين من كبار السن، لحماية اليهود في الجيتو.. وأثناء عملية الحرق احتضن أرناو ابنة صديقه اليهودي حزنًا، فإذ بزوجته تستغل الموقف، فتتهم زوجها أرناو صارخة أمام محكمة التفتيش؛ بأنه ساحر مهرطق، وعلى علاقة آثمة مع ابنة المخطوف والسارق اليهودي الذي اعدم لتوه.

* الغرق في الظلام وبوابة النور قدم أرناو للمحاكمة واتهم بأن والده كان مهرطقاً وقاتلاً فاراً من وجه العدالة قبل إعدامه، وأن والدته فرانشيسكا ما زالت تمارس البغاء، والسحر الأسود.. حيث تم اعتقالها في زنزانة مجاورة لابنها دون أن تظهر مشاعرها تجاهه بحيث ظلت مجهولة بالنسبة اليه.. واتهم أرناو أمام محكمة التفتيش بأنه حرر العبيد وساواهم بالنبلاء. وتشاء الأقدار أن يجتمع الجميع في نفس القضية، حيث أنكر المتهم أرناو التهم الموجهة إليه.. وعلى إثر ذيوع خبر اعتقال أرناو، عاد خادمه المسلم من أجل إنقاذه، لذلك التقى بالأمير وأشعره بخطورة الموقف لو حكم على أرناو بالموت، لأن

ديون الملك ستحول إلى محاكم التفتيش، وهذا سيخضعه لسيطرتهم. وقرر الأمير الضغط على قاضي محكمة التفتيش؛ للإفراج عن أرناو، بذريعة أنه لا يستطيع منع جيش البنائين الأحرار من إنقاذه، والذين حُرِّضوا على فعل ذلك من قبل ابنته بالتبني، ومعها عشيقته السابقة “ألديس”، من أجل تخليص زميلهم الأسبق وحاكمهم “أرناو” من براثن محكمة التفتيش.. أثنا ذلك كانت المحكمة تستجوب الأم “فرانشيسكا” التي أنكرت بأنها تمت بصلة إلى أرناو .. وأوشكت أن تفضحها عيناها لولا تصاعد أصوات المحتجين في الخارج الذين صرفوا الانتباه عنها.. حيث طوق مبنى المحكمة بهم، محطمين زجاجها بالحجارة، فاستشعر القضاة بالخطر المحدق، لذلك تركوا أماكنهم في المنصة هابطين عبر الأدراج إلى ضباب القبو.. وخرج أرناو إلى نور الحرية عبر البوابة التي فاض منها ضوء النهار.. من جهة أخرة كانت لتداعيات الأحداث في قصر أرناو نهاية مأساوية، إذ أحرق صديقه القس جوان نفسه، واحتضن زوجة أرناو بغتة فماتا حرقاً واشتعلت النيران بالقصر.. وأخرج الخادم المسلم وثيقة تجيز لأرناو الزواج من حبيبته (ابنته بالتبني)، فيما ادعى بأنه لم يجد العاهرة التي قيل إنها أمه، إذ فعل ذلك بناء على رغبتها.. حتى يعيش ابنها أرناو بكرامة.. وافترقا على ذلك.. وأخيراً أكتمل بناء الكاتدرائية التي ما زالت قائمة في برشلونة شاهدة على هذه الملحمة التاريخية الضخمة.. التي تجلت في أتونها نزعاتُ ما بين الموت والحياة لأجل حرية الإنسان ودفن أحمال الماضي القاسية وتنسم عبق المستقبل الموعود بالخير والنماء. 21 فبراير 2020