الخميس. أغسطس 13th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

دراسة نقدية قصيرة.. مصيدة الضوء في رواية صبحي فحماوي “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية”

1 min read

بقلم بكر السباتين.. عمان- الأردن

حاولت جاهداً في هذه الدراسة القصيرة المعمقة تسليط الضوء على الرؤية التاريخية لحقبة الاحتلال الكنعاني لمصر الفرعونية من خلال قصة حب جمعت بين إخناتون الفرعوني ونفرتيتي الكنعانية.. ” في سياق رواية صبحي فحماوي التي استلهمت التاريخ ولم تستنسخه.. وقد خالطت في مضمونها الحقائق مع الخيال في إطار رواية أدبية بكل المقاييس الفنية.. إنها رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الحادية عشر التي صدرت في فبراير 2020 عن الدار الأهلية للطباعة والنشر- بيروت- عمّان- وهي قصة حب شهيرة للأمير إخناتون، ابن الإمبراطور المصري أمنحتب الثالث، والأميرة الكنعانية إلهام- نيفرتيتي، ابنة رفائيل ملك مملكة مجدو، ولكنهما عند التقائهما وجهاً لوجه، على أبواب معركة مجدو الشهيرة، يتوصلان إلى عقد اتفاق يقول لها فيه: ” نيفرتيتي… ستكونين الزوجة الملكية.. الملكة العظمى. ولن يكون حب كبير كحب كل منا للآخر.. وستبقين جميلة وسعيدة إلى الأبد.”.. هذا النهر الذي يأتي إلينا بينابيع الحياة الكنعانية بتفاصيلها المدهشة وتفاعلها مع الآلهة التي ما لبثت لها بصماتها في بعض عاداتنا.. حيث تجري أحداث هذه الرواية بين طيبة عاصمة مصر الفرعونية، وممالك بلاد كنعان الممتدة من البحر الكنعاني إلى بابل، مروراً ب عجلون وعمون وموآب، وصولاً إلى صيدا وبيروت وجبيل، وأوغاريت.. تغذيه روافده وقد زودت الروافد نهر الرواية الهادر الجاري، بمعطيات الحياة الحافلة بالتوع والحكايات المسرودة بنكهة التاريخ والأساطير التي ساهمت في تشكيل الوعي الذي حدد ملامح الشخصية الكنعانية.. وفي رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” يتعايش لقارئ مع قصة حب عظيمة وملهبة للمشاعر، حيث الصعود إلى ذروة الحدث ثم الهبوط وتداعيات المؤلمة، نحن نتحدث عن رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الرواية التي تكشف لنا الكثير من خبايا التاريخ السحيق حينما احتل الكنعانيون مصر الفرعونية، فاشتبكت السيوف والقلوب وخرجت الملاحم التي خالطتها الأساطير وأنعشت تفاصيلها قصة الحب التي جمعت بين إخناتون ونفرتيتي رغم النهاية غير المتوقعة لمسارات القلوب التي خالفت مسارات العقول ومآربها. في سياق إنساني منفتح على الخيال داخل إطار تاريخي محسوس وليس منسوخاً بحذافيره.. أي أن الرواية تنقل عبر النهر الدفاق نبض الحياة في تلك الحقبة الكنعانية بتفاصيلها الإنسانية بعيداً عن السرد التاريخي، لذلك فقد وظف الكاتب كما سنرى الصور الفنية الجميلة لتقريب المشهد إلى قلوب القراء قبل عقولهم.. حتى يصدقها العقل الباطن فتتحول لديه إلى مسلمات.

* التلسكوب الصيني ومصيدة الضوء

يعرفنا الراوي ” العالم” بالتلسكوب الصيني الذي سمح له باستخدامه لاسترجاع الماضي من قلب الفضاء بصرياً.. وهذا ينسجم مع فيزياء الكم لو أمعن القارئ التفكير.. فحدقة التلسكوب الصيني

تتبع افتراضياً ما تلاشى من انعكاسات الضوء للأحداث عبر الكون الممتد.. وكأنه يذكرنا بنظرية الحسن ابن الهيثم في أن الأجسام تعكس الضوء الذي يسقط في عيوننا فنستطيع رؤيتها.. ووفق الكون الأحدب والبعد الزمني في نسبية أينشتاين، ومبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم، فإن الأجسام ومنها النجوم، لا ترى بالعين المجردة عبر السنوات الضوئية، إلا بعد أن تلتقي الأشعة العاكسة للحدث بعيوننا فتتبلور الصورة.. لذلك ففي الكون الأحدب توجد بعض النجوم المولودة التي لا نراها لأن أشعتها العاكسة لم تصافح عيوننا بعد، والعكس صحيح إذ توجد نجوم تلاشت بعد أن استنفذت طاقتها لكننا نراها لأن الشعاع الذي انقطع عن الحدث ما زال في حالة تواصل مع عيوننا فنراها قائمة.. هذا يترجم لنا مبدأ عدم اليقين.. من هنا فالروائي صبحي فحماوي استغل هذه الحالة الفيزيائية ليأتي لنا بالدليل البصري على أن أحداث روايته حدثت كما وصفها الراوي.. فالتلسكوب الصيني استطاع ملاحقة الأشعة الكونية من خلال المرايا لرصد تفاصيل الأحداث عن كثب.. وقد كتبها فحماوي وفق الشروط الموضوعية للرواية بدءاً من الشخوص الرئيسة والثانوية المساندة، والحوار المتنقل ما بين المباشر وتيار الشعور، مروراً بالحدث فالذروة والمكان وصولاً إلى الزمن الذي استعادته المرايا بدقة بالغة..

* الولوج إلى عالم الرواية

يقول الراوي المثقف في سياق عملية الولوج من المستقبل إلى الماضي، مروراً بتداعيات الحاضر الذي سادت مفرداته عقله الواعي:

” قال لي العالِم الصيني المسؤول؛ أنني بصفتي روائياً معلوماتياً عربياً، أستطيع بهذا المنظار أن أشاهد ما أريد من أحداث الماضي” إلى أن قال:

“ولتأكيد أنني في علم ولست في حلم، ثبّتَ العالِمُ سماعتين على أذنيّ، فكانتا تُسمعاني قرقعة الأسلحة، وأصوات حوافر الخيول المطاردة في ذلك التاريخ السحيق، والصرخات، والآهات، وأحاديث الحب والغرام، وحتى الأحاديث المترجمة بنظام الترجمة الفورية من الكنعانية والهيروغليفية إلى العربية الحديثة…

هكذا أفهمنى منظار الزمن، الذي لم أتوقع بأي حال من الأحوال أن أنتقل برمشة عين إلى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد”

ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى في سياق قصة عاطفية إنسانية مستلهمة من تاريخ منهوب، في ظل سياسة تضليلية من قبل المؤرخين المعاصرين المجيرين لصالح الرواية الصهيونية المزورة، التي دأب أصحابها بكل ما لديهم من قوة على نفي الآخر، وانتحال تاريخه الكنعاني المجيد وتراثه الفلسطيني الأصيل.

وهنا يتحول الراوي السارد إلى إحدى “شخصيات الرواية المستقبلية” في زمن يكون باستطاعة الإنسان استرجاع تفاصيل الماضي بالتلسكوب الصيني، حيث أسقطت هذه الشخصية وعيها الذي يتجاوز الزمن على تفاصي “الماضي”، في الوقت الذي استعاد فيه الراوي نفسه التاريخ الكنعاني المنتهك، من خلال استلهامه في إطار حكاية مروية، وإسقاطه على الحاضر بكل ما فيها، فالتاريخ الممتد يتكرر حيث يتجلى ذلك في الثنائيات التي أتخمكت بها رواية فحماوي، وكان أهمها ثنائيات:

“ما بين مركز الفعل والهامش”، الخير والشر، الحب والكراهية، سطوة الدين ومؤسسات الدولة واتباع سياسة القطيع ومن ثم تجيير المواقف، مقابل المواجهة المباشرة والحوار لحسم الواقف.. ليخرج القارئ الحصيف من خلال هذه الثنائيات بخلاصة تمثل الحقيقة المليئة بالتقاطعات والثنائيت المتنافرة على أرضية فسيفسائية تمثل واقع الحال آنذاك.. وتتكرر اليوم وربما مستقبلاً حيث يقف الراوي أمام التلسكوب ليستعيد الماضي التليد والمحجوب عن الأنظار.. وقد جمّل فحماوي روايته بالخيال المجنح على متن لغة سردية مثقفة، رزينة ومستقرة، مفعمة بالصور الفنية واللوحات الجميلة من خلال الوصف الجميل لتفاصيل المكان البيئية حيث بين الكاتب ملامح تلك الحقبة من التاريخ الفرعوني الكنعاني المشترك، التي لفتت انتباه المبدعين العرب، وجاء السياق التاريخي في الرواية وفق المصادر التاريخية المنصفة.. وقد تفاعلت الشخصيات النامية والثابتة، الرئيسية والثانوية، على صعيد إنساني منذ بداية الأحداث ونمو الصراع فيها فالذروة حتى الخاتمة القاسية التي أقيمت على تناقض النفس البشرية ونزعاتها السلطوية.. في تداعيات عاطفية إنسانية تخللتها صراعات عززت من عنصر التشويق في الرواية، من خلال وصف حياة الكنعانيين المتحضرة التي كانت تتمتع بالتنوع والازدهار، واستلهام روح وثقافة المجتمع.. حيث تمازج الأدب الرفيع والفن الراقي والديانة الأتونية الكنعانية، إذ تعلقت قلوب المؤمنين وفق قناعاتهم آنذاك بالإله الموحد المنير الكنعاني “أتون” مقابل عبادة إله الشمس والظلم والجبروت الفرعوني “أمون” حيث كان يقيم الكهنة شعائر عبادته في معبد الكرنك بعاصمة مملكة مصر “طيبة”، أولئك الكهنة الذين تحالفوا مع السلطة في سبيل الاغتنام غير المشروع من المواطنين.. الذين أرهقتهم الضرائب.. وخاصة في الممالك الكنعانية التي كانت خاضعة لسيطرة ملك مصر أمنحتب الثالث.

وباتأكيد سوف يتنفس القارئ الصعداء وهو يعيد قراءة هذه الرواية من جديد بعين السائل المتأمل.

*ملخص القصة

تمكن الحب من الجمع بين الأميرة إلهام التي أصبح اسمها فيما بعد “نفرتيتي” ابنة ملك مجدو الكنعاني، رفائيل، والامير امنحتب الذي سمي فيما بعد ب(إخناتون) ولي عهد مملكة مصر الفرعونية.. وذلك قبل معركة مجدو بثلاث سنوات حينما التقيا على هامش اللقاء الودي الذي جمع بين ملوك الكنعانيين المتذمرين من سلطة مصر وجبروتها ومصادرتها لهيبة ممالكهم وثرواتها، مع ملك مصر امنحتب الثالث، حيث تم ذلك في مملكة حبرون الكنعانية .

فبينما كان الملوك الكنعانيون يتفاوضون مع ملك مصر العظيم في تفاصيل العلاقة المتأزمة بين مصر والممالك الكنعانية، كان الأمير امنحتب (إخناتون) في موقف حالم جمع بينه ومعشوقته الملهمة التي ظفر بها بالصدفة العجيبة المدهشة، وذلك أثناء محاولته إنقاذ فتاة جميل من عمق البحيرة العذبة، ليتبين فيما بعد أنها الأميرة الكنعانية الهام (نفرتيتي).. رغم أنها لم تكن بحاجة لشهامة الأمير كونها سباحة ماهرة، لكنه القدر الذي جمع بينهما.

وخلال الحديث الطويل الذي تجاذبا أطرافه بشغف وانسجام، اجتمع الطرفان على حب الشعر وتطرقا في حوارهما الثقافي العميق إلى الأديان من خلال إله التوحيد الكنعاني “أتون” اله الشمس

الموحد الذي كان في العرف الكنعاني لا شريك له وذو النور الذي يفيد جميع الأجناس، ممثلاً بقرص الشمس، وأشعتها التي تنتهي بأيد بشرية، لتمنح الحياة والرخاء للأسرة الملكية.. وشمل الحديث الإله الفرعوني الفرعوني “أمون” إله الشمس والريح والخصوبة؛ ومعنى اسمه “الخفي”.. وانتقد العاشقان بتوافق وانسجام عملية سطو كهنة معبد الكرنك على مقدّرات مصر والممالك الكنعانية، بالتحالف مع السلطات الفاسدة من خلال جباية الضرائب، بالإضافة لما يدفعه الناس من قرابين لآلهة الشمس المتجبرة الحارقة بكهنتها الظالمين”أمون”..

كانت الأميرة إلهام جريئة معه إذ سألته عدة أسئلة متتابعة:

” بِمَ تفكر عادة، وما تطلعاتك المستقبلية، وما دينك، ولمن تصلي”؟

فقال لها: “إنا لا أصلي لأحد. بل أجدني مثلك، أتأمل الشمس التي تحملينها في يدك، وتحلمين بها لتحقق آمالك، وأفكر في رع، الإله المصري الذي يعبدونه، إذ يرونه في أشعة الشمس.. الطاقة المسيطرة على الوجود.. وأنا شاب مسالم، لا أحب الحروب، ولا أحب قتل الحيوانات الآمنة”.

يذهل أمنحتب برأيها المطابق لرأيه، ولقدرتها على الحوار، والتعبير عن النفس، فينسجم معها، وتصير بينهما مواءمة يستطيعان أن يتحادثا بها، قالت أيضاً:

“علاقة الملك الإله برجال الدين، تشبه علاقة المغني بفريق الموسيقا. هذا يغني وأولئك يعزفون”.

إلى أن قالت:

“ما دمنا نفكر بهذه الإنسانية الخيالية، والمحبة المتبادلة، وما دمت أنت ولي عهد ملك مصر، فلماذا هذه المشاحنات بين شعبينا، ولماذا تزداد قسوة الفراعنة على أبناء شعبنا في هذه السنوات العجاف، وذلك بابتزازهم واستغلال طاقاتهم، التي اتفقنا على أن مصدرها هو إلهنا الواحد أتون-الشمس الذي يعطي الطاقة للجميع بلا تمييز.. لماذ نجد عندكم التمييز بين حاكم ومحكوم.. بين سيد ومسود.. وبين فرعوني وكنعاني؟

ثم افترقا وقد جمعهما حب “أتون” الكنعاني، وارتبطا بعهد على حلّ النزاع بين ممالكهم سلمياً درءاً لنشوب حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر.

وبعد ثلاثة أعوام من هذا اللقاء، اشتد تمرد الممالك الكنعانية على مملكة مصر الفرعونية، وبينما الملك امنحوتب الثالث يتلهى بالصيد في البراري مع حاشيته، كانت زوجته الملكة “تي” تحرض ابنها الأمير أمنحتب ( إخناتون) عل مواجهة الممالك المتمردة في مجدو الكنعانية، وتمهيداً لذلك قامت بتعيين أحد أقوى رجالها (حور محب) قائداً للجيش.. وأرسلته على رأس حملة يقودها ولي العهد امنحتب (إخناتون) لمواجهة تلك الممالك الكنعانية التي استعدت لمواجهتهم بقيادة ملك (مجدو) الكنعاني، رفائيل حيث تزعم جيوش الحلفاء، من أمراء الممالك الكنعانية في بلاد الشام والذين سعوا إلى التحرر من ضغوطات المملكة الفرعونية، لإبعاد هيمنتها عليهم.

وفي ساحة المعركة قبل أن يتقابل الجيشان، انتدب الملك رفائيل ابنته الأميرة الهام للتتقدم الصفوف من أجل ملاقاة خصمها أمنحتب والتفاوض معه إن تيسر لها الأمر كما اتفقا مسبقاً، بالمقابل كان الأمير امنحتب قد سبقها إلى منطقة النزال في المنتصف مذهولاً من سوء الحظ الذي وضعه في مواجهة مع حبيبة قلبه وملهمته.. من هنا أخذهما حوار القلب قبل حوار العقل.. واستعادا إيمانهما بالاله الكنعاني “أتون”.. وانتهت الحرب على وفاق قبل أن يتلاحم الجيشان فتعانقا على محبة وسلام.. لا بل كانت الخاتمة سارة، إذ عقد قران الأمير امنحتب (إخناتون) على الأميرة الكنعانية

إلهام (نفرتيتي). واصطحب الأمير زوجته الفاتنة إلى عاصمة مملكة مصر الفرعونية، (طيبة).. وهناك تقبلت الملكة الفرعونية”تي” الأمر على مضض.. وفيما بعد أعلن عن وفاة الملك امنحتب الثالث، فنصب على إثر ذلك ولي العهد أمنحتب ملكا على البلاد.. واصبح اسمه امنحتب الرابع لكنه نودي ب “إخناتون” وعليه فقد نصبت زوجته الكنعانية وملهمته إلهام، ملكة على مصر، ونوديت باسم “نفرتيتي” اي الجميلة.

كان لدى نفرتيتي مشروعاً ثقافياً على أساس الديانة الأتونية الكنعانية التي آمن بها إخناتون سراً، فسعت وزوجها لتحويل الناس من عبادة “أمون” إلى اله التوحيد الكنعاني “أتون”. واسترعى الأمر منهم تهميش سلطة كهنة معبد الكرنك الذي تلقى دعماً معنوياً من قائد الجيش حور محب والملكة الأم “تي” لذلك آثر إخناتون الابتعاد عن الصراعات العائلية في طيبة، فقام لأجل ذلك بإنشاء عاصمة جديدة وأطلق عليها اسم “بيت أتون” وأنشأ فيها معابد خاصة بآلهة التوحيد الكنعانية التي سميت العاصمة باسمها.. وعمم فيها العملة الكنعانية (الشيقل) موطداً علاقة مصر بالممالك الكنعانية على قاعدة الاحترام المتبادل.

من هنا دب الصراع غير المعلن بين اتباع “أمون” في العاصمة طيبة تقوده الملكة الأم “تي” يؤازرها كهنة الكرنك من جهة، واتباع وكهنة أتون في العاصمة الجديدة “بيت أتون” بقيادة الملك إخناتون وزوجته وملهمته الكنعانية “نفرتيتي”.

واستمر الحال طويلاً لتزحف المياه من تحت قدمي الملكة المغبونة نفرتيتي فتوجه لها المفاجآت ضربتها الموجعة فتخرب مسيرة حياتها، وذلك بزواج الملك إخناتون من ابنتهما الأميرة “ميريت أتون”، وكان الزواج في دائرة الأقارب الضيقة مسموحاً به.. والأنكى أن الملك إخناتون الذي خان عهده بحبيبة قلبه نفرتيتي قد انغمس في حياته الشخصية مع زوجته الجديدة وعمد إلى حياة اللهو والترف على حساب قلبها المكلوم، ومصالح مملكته الممتدة التي عمّت فيها الفوضى ليتلظى المُلْك تحت قدميه.. وخاصة حينما ضربت في كبريائها الملكي بإعلان ابنتهما وزوجته الجديدة”الزوجة الملكية العظمى” فتكون بذلك قد خرجت نفرتيتي من مركز الفعل إلى هامش الضياع.. حيث عانت “نيفرتيتي”.. وأصيبت من جراء ذلك “بلوثة عقلية لم ينجُ منها دماغُها، مما اضطرها للخروج من قصرها، بعد العام الثاني عشر لزواجها، من دون تجميل ولا ملابس ملكية، ولم تأخذ معها أي شيء.. خرجت من قصرها المنيف، حافية بثوب قديم مهترىء، كي لا يعرفها أحد.. وسارت في الطرقات على غير هدى، بلا صديق أو رفيق، واستمرت في سيرها إلى المدى غير المنظور.. حتى اختفت عن الأنظار.. ولم تظهر بعد ذلك الخروج الأخير”.

ونظراً لعدم التفات إخناتون إلى متطلبات الحكم، فلقد سمح لأخيه الأصغر “سمنخ كا رع” الذي ما أن أصبح له في ردهات قصر أمه شعور بكونه ملكاً، حتى دخل كهنة آمون في دماغه، فأعلنوه ملكاً على البلاد منقلباً على أخيه الملك “إخناتون”، وتم الاحتفال بتتويجه تحت ضغط الكهنة الذين كانوا لا يزالون يقاومون لاستعادة سيطرة عقيدة الإله “أمون” على البلاد كافة، فعينوه ملكاً على مصر كلها، حسب العقيدة الأمونية.

وبخروج نيفرتيتي من قصرها، ومسيرتها المجنونة، هائمة على وجهها، وهي تغادر القصر الملكي، واختفائها في عالم الغيب، بقيت أربع من بناتها، إضافة إلى أخيهن الأمير الصغير توت

عنخ أتون، الذي تخلت عنه وعن زوجها إخناتون نفسه، بعد زواجه من ابنته ميريت أتون، وطلبت من الملك إرسال ابنها إلى حيث تعيش أخواته، ليتربى بينهن، مع وصيفات نيفرتيتي وخادماتها.

وهذا جعل أخاه سنمخ كا رع يعيد الهيبة إلى طيبة، من باب السماح بالتعددية الدينية في مصر.. فيعود رجال الإقطاع ليتربع كل منهم على مذهب أو دين يعبده، فيجمع حوله أعداداً هائلة من المريدين، ليدفعوا لبيوت العبادة، التي تدرّ ذهباً على كهنتها وإقطاعييها.

كما أن القائد حور محب صار يتصرف ضمن مساحة تتجاوز صلاحياته وخاصة أنه أصبح عديل الملك إخناتون بزواجه منذ البداية بشقيقة نفرتيتي الكنعانية، فيساعد على إضعاف العاصمة الجديدة في خطوة متقدمة لإنهاء عصر (بيت أتون) ذي الطابع الفرعوني الكنعاني المتمازج، ومن ثم تدمير هذه المدينة العظيمة ومحو آثارها عن خارطة الوجود.

لقد تم كل ذلك بناء على أوامره العسكرية في عهد الملك الجديد سنمخ كا رع ، فهدم كهنة طيبة وسدنة معبد الكرنك آثار إخناتون ومدينته بيت أتون ومحوا اسمه من عليها، فهجرها الناس.. تاركين فيها إخناتون وحيداً مستسلماً لقدره، والذي تم هجره هو أيضاً، مما جعل استعادة الممارسة الدينية الأمونية تترسخ وتعود إلى أوج عهدها.. إنه حكم القوي ودمغته في إطار البقاء للأقوى.

وبعد بضعة أعوام اجتمع ذوو إخناتون، الذين كانوا مختلفين على حقوقهم لخلافة الأسرة الثامنة عشرة، فأسسوا أسرة جديدة، وأسَاؤوا لسمْعَة إخناتون وخلفائه، مشيرين إليه في السجلات الأرشيفية، بلقب “العدو” .

“مات الملك إخناتون مُحطم القلب.. بعد أن أدرك أنه لم يعد مقبولًا لدى شعبه، وأن شعبه غير جدير به. مات واندثر بلا مراسم جنازة تليق بمقامه، ولا حتى أغاني جنائزية من أشعاره التي هزت الفكر الكوني، وأوصلت السماء بالأرض. مات فعادت مصر إلى الممارسة الدينية الأصولية الأمونية المستبدة تدريجيًا.. حتى أنه بعد عدة أعوام، لم يكن حكام الأسرة الثامنة عشرة متفقين على حقوق واضحة للخلافة، فأسسوا أسرة جديدة، وأسَاؤوا لسمْعَة إخناتون وخلفائه” من جديد وسعو لطمس آثاره .

* الخاتمة

هذه هي قصة إخناتون العاشق وحبيبة قلبه وملهمته، الكنعانية الأصل نفرتيتي.. وكانت تداعيات القصة منطقية وفق أحكام التاريخ في تفاصيله الدقيقة ليدخلها الكاتب في أجواء خيالية خدمة للقصة المحورية، وهذا دارج في القصص المستلهمة من التاريخ.. وقد سبق فحماوي الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي كتب الثلاثية التاريخية( عبث الأقدار 1939، رابوديس 1943، كفاح طيبة 1944) بالإضافة لرواية “العائش في الحقيقة” (1985) التي تحدثت عن إخناتون.وهي ذات الفترة التي غطتها رواية فحماوي”إخناتون ونفرتيتي الكنعانية”.. وأوصي بتحويل هذه الرواية إلى مشروع سينمائي نظراً لقيمتها الفنية والتاريخية في وقت يتعرض فيها الموروث الفلسطيني إلى نهب وتبهيت من قبل المؤسسات التي تدور في فلك الصهيونية.

وصبحي فحماوي كاتب أردني من أصل فلسطيني، عضو رابطة الطتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب وهيئات أخرى كثيرة، ولاقت أعماله اهتماماً من قبل الجامعات والنقاد العرب، حيث صدرت له في مجال الرواية: “عذبة”، دار الفارابي.. بيروت، 2005 – الحب في زمن العولمة”،

روايات الهلال .. القاهرة، 2006. (ترجمت إلى اللغة الإسبانية)- حرمتان ومحرم”، روايات الهلال .. القاهرة،2007- قصة عشق كنعانية”، دار الفارابي.. بيروت .. 2009..

– الإسكندرية 2050″، دار الفارابي، 2009- الأرملة السوداء”، روايات الهلال، 2011. – على باب الهوى”، دار الفارابي، 2014- سروال بلقيس”، مكتبة كل شيء الحيفاوية، 2014- صديقتي اليهودية”، بيروت .. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015.

3-6-2020.

ولنترككم في رحلة متفردة في الماضي المترف بالحياة وتفاصيلها الإنسانية وفق أحداث استلهمها روائي مقتدر ذو رؤية “فكرية” موضوعية منصفة، وضعته في مقدمة المدافعين عن التراث الكنعاني الفلسطيني بكل أبعاده.. وقد وفق في ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *