الأحد. نوفمبر 17th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

دلالات الأسماء ومؤشرات الالتزام في كتاب “أرواح عابرة” لأيمان العمري”

1 min read

شهادة إبداعية سيكو- أدبية

د. سلطان الخضور – الأردن – شموس نيوز

سأحاول في هذه الشهادة أن أشخص دلالات الأسماء ومؤشرات الالتزام عند الشاعرة أيمان العمري, وحتى أحقق الهدف وجدتني مضطراً للتسلل إلى مواقع أخرى بالإضافة لكتابها الموسوم بأرواح عابرة, لأغرف من هنا وهناك ما يسند فكرتي عنها ثم أعود إلى النصوص لتدعيم الفكرة وتأكيدها.
ابدأ فأقول أن أيمان العمري لها من اسمها نصيب, فاسمها اسم عربي فصيح, لا تخالط الأعجمية حروفه, فهو يدل على التقوى والاعتقاد والتصديق الكامل بالمعتقد, ومن أهم صفات الايمان التواضع والرحمة والمحبة والتسامح, فهو اسم حسن في معانيه , ايجابي في مراميه.
وفي القرآن الكريم ورد الأيمان مقروناً بالعلم “وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” .
ومن معرفتنا بشخصية العمري نجد هذا ينطبق على سلوكها الملتزم، فهي شاعرة وأديبة تتقن ما تعلمته وتطبقه على صعيد الواقع، ونراها كذلك تلتزم بمفردات توحي بالتدِّين وقول الحق فليس في نصوصها ما يخرج عن طابع التدين والالتزام الخلقي والوطني والاجتماعي.

أما من الناحية النفسية فقد أقر علماء النفس التأثير الايجابي للأيمان على الصحة النفسية والجسدية للفرد

، فها هو هايكو إرنست يؤكد على ذلك ويذهب ليقول أن من يؤمن بوجود الله يتغلب بسهولة على الأزمات النفسية والصراعات الاجتماعية وأن الأيمان يضيف للشخصية قدرات تأقلم فاعلة، وبالتالي فالمؤمن أقل تعرضاً للأزمات النفسية.

سقنا هذا لنقول, أن التزام أيمان بالأيمان جعل منها شخصية مبدعة, متوازنة، طموحة واثقة ومطمئنة, وانسجم مع ما كان يعتقد البعض من العرب حين كانوا يطلقون الاسم وهم يرجون أن تتوافق شخصية الفرد وسلوكاته مع المسمى, فقد سموا جليل وحكيم ونزيه وشجاع ومطر وأمينة وأيمان ووداد وغير ذلك من الأسماء وهم يأملون أن يحمل أبناؤهم صفات أسمائهم, الا أن الواقع يشير أن ليس بالضرورة أن يتفق الاسم بكل الحالات مع السلوك فكم من الاشخاص يطلق عليهم “أمين” وهم لا يعرفون من الأمانة الا اسمها, إلا أن ذلك ممكن أن يدخل من باب التمني.

نذكر بعنوانين لديواني شعر صدرا لأيمان العمري من قبل وقد حمل الأول عنوان” أتوضأ بالندى” والآخر وسم “بسجدة” وهذا مؤشر واضح على الالتزام بالمنطوق الديني.
ونبدأ فنقول أن الالتزام هنا بدأ باختيار صورة الغلاف إذ هي القمر والنجوم تسبح في الفضاء مستوحاة من الآية الكريمة ” وكل في فلك يسبحون” لتعمق الشاعرة الفهم عن طريق ربط الصورة بالمحتوى, وهو انعكاس أكيد لشخصية مؤمنة ملتزمة.
وقد كتب في تفسير هذه الآية المهندس” وصفي أمين شديفات” في ” موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة” ليصل إلى أن الصغير من الأجرام يسبح في فلك ما هو أكبر منه وكلاهما يسبحان في فلك أكبر وهكذا إلى أن يكون الكل سابح. وذهب المهندس وصفي إلى أبعد من ذلك ليسحب السباحة على أمواج البحر, والكثبان الرملية, والموجات الهوائية, ليصل إلى أن كل مجموعة تسبح في فلك الأكبر منها.
والأرواح في إصدارها محور النقاش – وهي الموصوفة بالعابرة – وهي جزء من العنوان- هي من أمر الله لا يدرك البشر كنهها, لكنهم يدركون ارتباطها بمخلوقات الله وبالحياة, فالروح هي التي تبقي المخلوق على قيد الحياة, إن خرجت أخرجت معها القوة وصار المخلوق لا يقوى على شيء.
وتحت عنوان ” نظرة في الروح والنفس والجسد” يقول محمد البورقادي في الحوار المتمدن أن الروح دائماً في شخوص ومثول …إنها الذات مقابل الجسد, متعالية عن الجسد وخارجة عنه فلا تتأثر بما يتأثر, ولا تتعب ولا تشيخ ولا تمرض ولا تفنى. ويضيف الكاتب أن الروح دائماً في شخوص, إنها في حضرة وديمومة, إنها فوق ذلك كله. والروح كما يقول متعالية على الزمان والمكان ..فوجودها مستقل ..لذلك فهي لا تعرف الموت ولا تؤمن به, فالموت في حسابها هو اللامعقول وهو المستحيل, وهي ترصد كل شيء ولا يرصدها شيء ..يُستدَل بها ولا يُستدَل عليها, هي حياة المادة وسر وجودها, ووجودها في المادة لا يعني تأثرها بها فهي لا تسقط لسقوط المادة, ولا تصدأ ولا تنكمش ولا تتقلص ولا تحس ولا تبكي ولا تضحك ولا تستهلك ولا تفنى .إنها تسرى في الوجود كما يسري الظل في الماء بدون أن يشاكله أو يجانسه.
أما الشاعرة أيمان العمري فقد وصفت بعنوان كتابها الأخير هذه الارواح بالعابرة بقصد الدلالة على قصر الحياة والسرعة في المرور وعدم الخلود, فحين تعبر النهر او الشارع تمر دون توقف, والعابر في القاموس هو المسافر غير المستقر وفي ذلك مؤشر على الأيمان, فالدنيا إلى فناء والروح إلى بقاء, والجسد خلال رحلة العبور,لا بد ساقط والروح باقية.
وقد جعلت الشاعرة من كتاب أرواح عابرة مرآة تعكس شخصيتها, فمن يقرأ في ” ارواح عابرة ” لا يحتاج إلى جهد كبير ليستنتج جانب الالتزام اللفظي واللغوي والأدبي والأخلاقي في كل النصوص والالتزام بالتفعيلة والبحر والقافية عند رسم القصيدة العمودية.
وقد حاولت الولوج في نصوص الكتاب لاستخلص دلالات التسمية فوجدت لها فيها قولا ” والله ما كفرت بك إلا ليكتمل أيماني” هذا قول مفتوح لا يظهر فيه المخاطب، والسؤال المطروح هنا. هل يقود الكفر إلى الأيمان؟ والإجابة في شقين, الأول مباشر له علاقة بالوعي ويعني أن تكفر بكل ما يتعارض مع دعوات الأيمان، وهذا هو الكفر بالكفر الذي يقود إلى الأيمان, فأنت بكامل الوعي تتقصد الابتعاد عن شخص ما, لأنك ترى فيه ما يقلل من منسوب الأيمان لديك. والثاني يحدث في حالة من اللاوعي فأنت وأنت تكفر تحاول أن تجد سراديب تبعدك عن الأيمان، فتجد نفسك نتيجة لصدمة معينة أو ايحاء ما تنقلب لتجلس على كرسي الاتجاه المعاكس “كرسي الأيمان”, وهنا تبدأ الرحلة الجديدة بقوة بحثاً عما يعزز الفكرة الجديدة وهي فكرة زيادة منسوب الأيمان.
والالتزام عند العمري يظهر شفويا ومكتوبا فأنا أعرفها شاعرة حروفها واضحة وكلماتها معبرة وتلتزم البحر والتفعيلة حين تنصب أعمدة الشعر وتلتزم ما صح من الكلم, ولا تجعل مقاما للتأويل حين تنثر حروفها على جنبات نصوصها بصوت عال وواضح لا يقبل اللبس :
فهل لما ذكر ارتباط بما كتب؟ الإجابة نعم : فهي إذ تكتب بعنوان” أبي” تلتصق بمعنى العنوان الرئيس, فروح أبيها قد فاضت, وأبوها قد عبر الدنيا, وتؤكد المعنى حين تقول في نهاية القصيدة (أبي الذي غرسني دالية, ينتظرني على شرفة حضور أخرى) وهذا مؤشر على الأيمان بفكرة البعث, وتؤشر على معاني الالتزام بحب الوطن حين تورد كلمات مثل ” زرعني وغرسني وورق العنب وطعم الكرز” فنجدها تقول: أبي الذي تساقط خريفا وهجر فيض الشعر والأحلام وزرعني هنا لأحلم وأتنفس معنى حضوره ربيعا أبي الذي شد على بطنه الحزام ولف قلبي بورق العنب وطعم الكرز أبي الذي زرعني دالية ينتظرني على شرفة حضور أخرى.
وتظهر دلالة الروح ويظهر معنى الالتزام بمقتضيات العقيدة في المقطع الأخير من نصها الذي وسمته ب” ماذا بعد؟ “
فهي تطلق صفة الجلال على الروح وتؤكد فكرة بعثها, فها هي تقول: “لا يمكن لجلال هذه الروح أن تنتهي بالفناء وأني أتوق لشيء لم يحدث بعد اللهم اجعل خير أيامي يوم القاك.”
وتتحدث عن الروح وانتهاء الأجل وعن الأيمان, أيضا في المقطع الأخير من قصيدة ” ولادة ” تقول في القصيدة
فزمنك قاتلك وهو يمضي لا محالة وأنت ماض لا محالة إن آمنت برب يعبد أم لم تؤمن لا خيار للطريق المؤدي للموت إضافة لمؤشر مفهوم الخلق من العدم في ذات القصيدة حين تقول قبل أن تكون أين كنت؟ وقبل أن تجيء كيف كنت؟ عندما تم تهريبك من موت النطفة والعلق واقتطعك القدر للمكوث في إجازة.
وفي نصها المعنون ب” تبا للبرستيج” وإن كنت أميل إلى عنوان بديل وهو- تبا للتكلف- نجدها تستحضر الوجع والموت والنفس المتعبة فتقول “في حضرة الوجع قد يكون موتي زائر خفيف…وفي حضرة ما أعرفه فضاءات لا أعرفها وباطن يتألق لا يشركني فيه إلا كينونة نفس متعبة”
حتى في وصفها للحب, تلتزم بالمعنى الديني والوطني وتصنع منه خلطتها الخاصة بها, فتفرش سجادة الصلاة وتجلس لتصنع مكونات وصفتها” الشجرة والأرض والسماء والوجع والقلب والحنان وسجادة الصلاة, فها هي تحت عنوان قلبا جديدا تقول:
“الف جذر للحب كي ينبت شجرة جذرها في عمق الارض وفرعها في السماء … هو الحب يمضغ ذاكرة الوجع…
يحييه اشتهاء البكاء يلملم سكنات الارض وحركتها فيصنع في كل ثانية قلبا جديد.. يعيد بيعة الحب
يحفظ اسم الحنان… يشدو كصوفي يغيب على سجادة الصلاة.
ويظهر الالتزام الديني جليا في قصيدة ” معنى الحياة “حيث يقفز إلى ذهن القارئ وهو يقرأ المقطع الأخير منها الحديث النبوي الشريف في خطبة الوداع ” كلكم لآدم وآدم من تراب ” ورد في القصيدة هنا …حيث سقط وجهي ترابا ونبضي ترابا والخطى تتهاوى ترابا لأجلس بعد هطول البكاء العظيم ويرتد بعد بياض العيون البصر وأجلس على حافة قبر أمي وأبي وأتعفر ببعض ترابهم وأغفو.
وتظهر كلمات مثل “إبليس – ألجنة – آدم – حواء –جهنم – سجيل السلسبيل كخليط من الرقية الشرعية الأدبية ويظهر ذلك في قصيدة “رماد المعنى” لتؤكد فرضيتنا فها هي تقول: ” الجنة التي أغوى بها إبليس آدم وحواء فسقطوا من علو الذرات السلسبيل التي تنحدر من عروق نبضي تصب في جهنمك قلب الشاعر يتحول إلى بركان وأنت في فضائي حجارة من سجيل.
الديوان مليء بالشواهد التي تلزم الالتزام ولا مجال لحصرها. وكل الأسماء الواردة في الديوان ذات دلالات . والديوان إضافة نوعية للمكتبة العربية يثري العقل ويسرع نبض الايمان ويزيد من قدرة المتلقي على توظيف المفردات.