الثلاثاء. نوفمبر 12th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

دوافع وعوائق الكتابة الابداعية عند المرأة والكتابة بصيغة المتكلم أنموذج كتاباتي

1 min read

بقلم رحيمة بلقاس – المغرب – شموس نيوز

من هنا ترد عدة أسئلة حول ملابسات هذا الموضوع الشائك والملغوم والذي حامت حوله الأقلام بالتحليل والتنظير والتوصيف.

ما هو فعل الكتابة الإبداعية؟

ما علاقة المرأة بهذه الكتابة؟

ما دوافع المرأة لمثل هذه الكتابة؟

هل يمكن التحدث عن كتابة نسائية وأخرى ذكورية؟

العراقيل التي تواجه الإبداع عند المرأة؟ الطابو الدين والجنس والسياسة

هل تحولت المرأة من موضوع للغة إلى ذات فاعلة تشارك في الخطاب؟

وما رأي النقاد والكتابة بصيغة المتكلم عند المرأة؟

والعديد من التساؤلات تتداخل فيما بينها لتشكل وتصب في نفس الوعاء.

سأحاول أن أراها من وجهة نظري المتواضعة وأتمنى أن أقدم ما يستحق المناقشة.

ما هي الكتابة الإبداعية؟

الكتابة الإبداعية هي أن تعبر عن خلجاتك الداخلية ومواقفك الإنسانية تجاه ما تعيشه، هي ليست نقلا لخبر أو نشرة إخبارية تصف بها أحداثا ووقائع، بل الإبحار في الأعماق والإعلان عن الجوهر والرؤية الخالصة، التعبير الإبداعي، هو أن تتفجر منابع الحنايا نبلا ورقة وأناقة لتساهم في زحزحة الغشاوة عن عيون تحجر فيها الظلام وساح حلكة ليدنس الأرض بدم الأبرياء، ويغتصب البسمة والأمان من وجوه الأطفال.

لن يصل للمتلقي إلا الكلمة التي تبصم بوجدانه وتخلخل موازن تفكيره ليعيد النظر في بعض مسلماته.

اللغة التعبيرية برمز وإيحاء ونقل المشاعر بإحساس صادق يعكس الواقع المرير وما المرأة إلا جزء منه بل هي هذا الواقع الذي يخدش جوانحها بالقبح الملوث لهذا العالم النقي كما خلقة الله تعالى منذ البدء.. إلى أن بدأت الأحقاد والمكائد لتكون أول جريمة على وجه الأرض حين قتل الأخ أخاه (حكاية قابيل وهابيل)

ما دوافع المرأة لمثل هذه الكتابة؟

دوافع المرأة للكتابة هو نابع من الإحساس بمسؤوليتها نحو مجتمعها وقضايا وطنها، وإحساسها بالواجب للتعبير والاحتجاج ضد كل ما من شأنه أن يحرم المواطن مواطنته وكرامته، هي نفس دوافع الرجل لا فرق.

إلا أن المرأة ممزقة بين ما تتمنى أن تكونه وما هي عليه كواقع، صراع بين الذات المشتهاة والذات الزائفة التي تكبلها بحبال الواقع.

صراع بين الداخل والخارج هو ما يجعلها في صراع مع ذاتها من أجل الدفاع عن هويتها وفرض كينونتها في مجابهة مع الذات الزائفة.

فكر المرأة لا يزال يحمل الرواسب السلبية التي تهمشها وتصفها بالدونية.

فهي موجودة في اللاشعور تتفجر في الكتابة لإثبات الهوية.

والكتابة عند المرأة هي في صراع لتحقيق الذات ضدا في الإقصاء الذي تعرضت له عبر رحلتها الوجودية، من العصر الأميسي، ليسيطر العقل الذكوري الذي رأى في المرأة أنها كائن من الدرجة الثانية وهي معادلة للخطيئة.

والأدب بصفة عامة هو صرخات ضد القيود يرفض المنع وفرض الحصار ويرفض التجنيس لا فرق بين كتابات المرأة وكتابات الرجل، فهما معا نضال ضد تابو السياسة التي أضفوا عليها القداسة لتحتمي بالحصانة ضد أي انتقاد أو مؤاخذة ونقاش، وضد الدين ليس كرسائل من الله ولكن كتأويل على حسب المصالح وما يحميها، وما يشرعن مروقها لتلاءم حاجياتهم ونزواتهم الضالة. هذا التجنيس يجزئ فعل الإبداع.

والحقيقة التي على النقاد الإقرار بها، هي الحضور القوي للمرأة في الساحة الثقافية العربية.

ان كان الرجل يعاني الرقابة السياسية أو المس بالمقدسات وما يكشف الفساد والمفسدين فان المرأة تحارب على واجهتين هي قلم من أجل الوطن والمقهورين والخوض في نضالها إلى جانب الرجل بشكل متكافئ لا تقل عنه.

وهي أيضا في صراع ضد العقلية الذكورية السائدة المتربصة بفلتات لسانها او كما يتمرأى لهم.

هذه العقلية ليس من الرجل وحسب، بل من المرأة كذلك فالمرأة رقيب على ذاتها وهي رقيبة على كتابات بنات جنسها .

مهما حاولت التخلص من هذه الرواسب فهي لا تزال تطفو لتحجب عنها حرية الانطلاق بشكل تلقائي ودون خوف أو التباس.

المرأة لها عقلية ذكورية تمارسها على نفسها وتمارس الرقابة على فكرها، أسبابها التربية والموروث الحضاري والثقافي.

التي تكون اكثر وضوحا وصدقا وتصالحا مع ذاتها يرسل المجتمع سهامه وينعتها برجولية أو بالخلاعة أو بالوقاحة أو قليلة التربية هذا إن لم يتجرأ الوسط الذكوري القريب من التبرؤ منها وعقابها بشتى الطرق كالطلاق أو الطرد من وسط الأسرة من طرف الأب أو ممارسة تضييق الخناق عليها لتذكيرها أنها تلوث سمعة العائلة وتمس بعرضهم مم سيطيح بمكانة الأب والإخوة وقد تكون آثمة في حق أخواتها بحيث لن يتقدم لطلب يدهن أحد.

العراقل التي تواجه الابداع عند المرأة؟ الطابو الدين والجنس والسياسة

ومن هنا فالمرأة كالرجل تناضل وتواجه معارك من اتجاهات متعددة، هي تواجه الحيف والظلم والضلال وتطالب بالمساواة الاجتماعية وكرامة العيش وحماية المال العام ورفع الحيف على الطبقات المسحوقة وتحقيق العدالة وتقريب الفوارق الطبقية جنبا الى جنب مع الرجل، وتكافح على واجهة أخرى وهو ضد ذاتها لتفك قيود المجتمع وتنفض رواسب العادات والعقلية القبلية والذكورية التي تهيمن على العقلية العربية الشرقية، نظرا لتراكمات التربية عبر الأجيال.

حين يتعامل الفكر مع إبداع المرأة بصفته أنثوي فهذا إشارة إلى دونيتها وإنها ناقصة عقل كما رسختها العقليات الذكورية والدينية المتخلفة بتوصيفها أنها ناقصة عقل ودين.

والمرأة المبدعة هي عقل وفكر تحث الخطو لتحقيق الذات بعيدا عن الثقافة التقليدية الشاذة الذي تتوخى من المرأة ان تكون انقيادية وليست قائدة وأن تكون تابعة ولا تكسر النظرة النمطية سواء على مستوى الاجتماعي او السياسي أوالثقافي، ويتجلى هذا الحصار بشكل مثير للدهشة في مجال الإبداع، ممّ يضع لجاما لقلمها فتهرب بذلك إلى التلغيز والترميز وتأتي كتاباتها مغلفة بالغموض أحيانا، وغالبا ما يكون هذا الهروب اللاشعوري، بحيث لا تسعى إليه ولكن عين القبيلة والموروث الثقافي وصور العادات والتقاليد والفكر الذكوري الذي حملوها إياه جعل معركتها طويلة ربما مع مرور الأجيال وتغير العقليات تستقيم، وتصل الى الوعي المنشود والانهماك في معارك إنسانية هي أولى بتدفق المحابر والصراع ضد الحيف والعنصرية والحروب والاستغلال والتجويع وانتهاك إنسانية الإنسان بحرمانه من حقوقه في العيش الكريم وحرية التعبير وممارسة آدميته دون رقابة وقمع وتلفيق واتهامات تدليسية من أجل حماية شرذمة اللوبيات التي تدير دفتي هذا العالم الغابوي المشؤوم.

وقد ورد عند الأستاذ عبد اله راجع ما يفند الفرق بين الكتابة النسائية و الرجالية

يقول: “جمرة الشعر قدرنا جميعا و إن يديك التي امتدت للقبض على هذه الجمرة توغل في قدسيتها وسموها .. فذلك هوس الشعر وبراءة الدخول في متاهاته ..”

وعن الأستاذ عبد الرحمان منيف عبارة يقول فيها: “الشعر لا يكتبه إلا إنسان واحد لأنه سيل من الأحاسيس الداخلية في لحظات هاربة .. فإذا لم يستطع الإنسان أن يسيطر على هذه اللحظات توارت وانتهت “

هل تحولت المرأة من موضوع للغة إلى ذات فاعلة تشارك في الخطاب؟

للمشاركة في الإنتاج الأدبي أو غيره، لابد من أن تتوفر شروطه ومن ذلك تكافؤ الفرص في التعليم والتثقيف، وهذه إشكالية أخرى بابها مشرع على مصراعيه وما تعانيه المجتمعات النامية من انتشار الأمية خصوصا في أوساط البوادي وضحيته المرأة بشكل أوسع.

وكذا لأن الأسرة تقوم بتربية وتنشئة وتعليم الولد على أساس أن “يستطيع” أن يفعل كل شيء لأنه له كامل الحرية ولأنه كامل العقل ومسؤول، أي أنها ترسخ هذا المفهوم في عقل الولد، وتقوم بتنشئته ليكون عالماً أو مخترعاً أو مهندساً أو طبيباً أو قيادياً بارزاً، بينما لا تربي البنت على هذا الأساس أبداً، بل على العكس، تتم تنشئتها على أنها “لا” تستطيع أن تنخرط في المجالات السابقة، وأنها إن استطاعت فستكون مجرد عدد إضافي لا فرداً متميزاَ. وهذا ما نلاحظه لحد الآن لانزال نتحدث عن المناصفة في مجال المشاركة في اتخاذ القرار ولا تزال المرأة تتسول بعض الكراسي فقط ولم تأخذ حصتها كحق مستحق لا كصدقة. وما يزيد الأمر سوءاً هو أن الأسرة والمدرسة في أحيانٍ كثيرة تربي البنت على أساس أن تميزها إنما ينحصر في شكلها وإجادتها لأعمال المنزل، وأنها عندما تكبر فإن أقصى ما يجب أن تطمح إليه هو ن تكون جميلة الوجه والقوام وأن تحظى بالاقتران بزوج غني أو مميز في عمله وإقامة حفل زفاف كبير وإنجاب أطفال، أي أن ترسيخ هذه الرواسب يتم في البيت و المدرسة .

لهذا فإن تفسير وجود عدد أكبر من الرجال المتميزين – خاصة في المجالات التي يرى المجتمع أنها مخصصة للذكور- لا يرجع أبداً إلى عامل الذكورة، وإنما بسبب عوامل اجتماعية وثقافية، حيث الوضع الاجتماعي المتاح للمرأة منذ القدم، حال بينها وبين الاضطلاع بأي عمل من شأنه أن يكشف ما لديها من نبوغ وإبداع في كل المجالات. وهذا قد أثر في النهوض بالمجتمعات، على حد قول سقراط: “عندما تثقف رجلا تكون قد ثقفت فردا واحدا. وعندما تثقف امرأة فإنما تثقف عائلة بأكملها”

لنبقى في مجال الكتابة الإبداعية، هل المرأة لم تشارك عبر التاريخ ومنذ الجاهلية في الخطاب الكتابي وإنتاجه؟ وهل كانت موضوعا للأدب ومفعولا بها، ولم تكن فاعلة تشارك في التعبير والخطاب الأدبي؟

اذا عدنا للتاريخ سنجد مثلا أن العصر الجاهلي لم يحفظ في ذاكرته أسماء نساء بقدر ما حفظها للرجل.

هل هذا معناه أن المرأة لم تمارس فعل الكتابة والشعر ولم تشارك في الساحة الأدبية آنذاك؟ أم ان هناك تدليس وعملية حجر على فكر المرأة؟

فيكفي أن نعود للشاعرة تماضر الخنساء وما قالته في الرثاء ألم تبكي صخرا حتى تفتت من حرفها الصخر. وأبكت القلوب رجالا ونساء.

هل الشاعرة الخنساء لم تكتب إلا في الرثاء؟ ألا يتبادر إلى الأذهان أن مثل هذه الشاعرة لا يمكن أن تولد مع المأساة والوجع وأن الرثاء ليس بدايتها بل أكيد لها من الروائع قبلها الكثير ولكن ذاكرة التاريخ محته لسبب من الأسباب.

وعن مقال للشاعر صالح الشهاوي:

“فهذا ديوان «أنيس الجلساء في أشعار النساء» للسيوطي قد ذُيِّل بمراثي ستين شاعرة عربية من الجاهلية وصدر الإسلام، حتى ليُخيَّل إلى القارئ أن حواء العرب تظلُّ معقودة اللسان، معطَّلة الحسّ، صمَّاء الوجدان، إلى أن تقوم مناحة فتُحلّ عقدة لسانها، وتتفجَّر ينابيع الحس في وجدانها!”

ابداعات المرأة والكتابة بضمير المتكلم:

اللغة الشعرية انزياح وجمال منسجم مع حقوله الثقافية والمعرفية، لا يمكن أن يكون تابعا أو تحت الحجر والوصاية، لأن الأدب بصفة عامة هو صرخات ضد القيود، يرفض المنع وفرض الحصار.

ولذا يلجأ صاحبه للرمز والانزياح والتخييل، فالنص الإبداعي واقع معاش وعبر زاوية الترابط بينه والواقع يعبر إلى العالم ويمرق العالم إليه ليتماهيا في بعضهما وتنتفي الحدود بينهما.

فكيف لا تلجأ المرأة وتحت هذه الشروط والضغوط الاجتماعية والثقافية إلى الانزياح باللغة والتعبير المجازي والتلغيز والتلميح والتخييل، وعلّ هذا يضفي جمالا وقيمة على الإنتاجات الأدبية ولن ينقص من شأنها.

هذا الانزياح بلغتها يشوبه الكثير من الرموز القلقة، والتوترات المضطربة لتتجاوز السائد والمألوف.

إن النص يتشكل من رموز وإشارات وإيحاءات ، وإنه حمال أسرار تختفي خلف عتمة الكتابة، وعلى القارئ أن يمتلك أسرار اللغة بمستوييها الوضعي والانزياحي، ليتمكن من إضاءة تلك العتمة وكشف ما خفي فيها وراء الرموز والإشارات. إذا كان الشاعر بلغته تلك يبدع فإن المتلقي مبدع في لغة التأويل، فالنص ملكية خاصة قبل أن يخرج للضوء، لكنه يصبح مشاعا بعد أن يرى ويراه النور.

وليس معنى التأويل أن يكون النص موضوع المساءلة والاتهام وإنما هو إبداع ثان منبثق عن الأصل لتتناسل ومن زوايا مختلفة باختلاف الرؤيا وكذا فكر ونفسية المتلقي.

والنقد الأدبي وجه أحكاما قاسية إلى كتابات المرأة بحيث يشير إلى أن المتخيل الإبداعي النسائي مشحون بالذاتية ويربطون الشخصية الشاعرة بالشخصية الواقعية، وتجد نفسها موضوع مساءلة، ممَّ يجعلها في صراع لتحقيق الهوية وفي مجابهة دائمة مع الذات الواقعية، مع العلم أن هويتنا لا تبتعد عن واقعنا الاجتماعي والثقافي وحضور الذات هو تفاعل وفاعل في هذا الواقع والمحيط المعاش، إذ لا يمكن للذات الشاعرة والإبداعية بكل أجناسه أن تنسلخ عن ذات الواقع، وهذا ما أشار إليه “حامد نساج” في دراسته لقصة خناتة بنونة في قولة “…إنها حريصة على أن تكون “الراوي” والشخصية المحورية وربما الشخصية الوحيدة، وهي لا ترضى بالحياد ولا يخفت صوتها الهادي، المرشد، الناضج..” 1

وأكدته رشيدة بنمسعود، إذ أشارت إلى أن الكتابة النسائية تركز على دور المرسل، وحضور ذات الأنثى كمرسلة مما يعتبر خاصية عامة في الكتابة النسائية.

ولعل استخدام ضمير المتكلم يجعل دور المرسل طاغيا وينحى بفهم الكثير من الأحكام النقدية التي تؤكد البعد الذاتي في الكتابات النسائية. وعبر “عفيف فراج” في دراسته لقصص الكاتبات الشرقيات قائلا: “إن صلة الرحم لا تنقطع بين الكاتبات وبطلاتهن وعنصر السيرة الذاتية سافر الحضور والغناء الوجداني الرومنتيكي دائم التدفق وبقعة الضوء مركزة على شخصية الكاتبة/البطلة…”2

وأقول إن تقنية التأرجح بين ضميري المتكلم “أنا” و”نحن” هو انتقال بؤرة الرؤيا من الغائب إلى ال “أنا” ومن جماعة الغير إلى جماعة ال “نحن” والتي لا تخرج عن دائرة ال”أنا” هذه الأنا الغارقة في محيطها وانصهارها في قضاياه وآلامه فهي لا تنفصل عنهم بل هي جزء لا يتجزأ منهم بل هي هم الغائبون/الحاضرون بها كذات معنوية لا أقل لا أكثر.

وكثيرا ما يطغى استخدام ضمير المتكلم في اللغة التعبيرية الأدبية، وسأكتفي بالحديث عن تجربتي باستعماله إفرادا وجمعا، ليس كبعد ذاتي في الكتابة ولكن كتقمص عن السارد في البعد الكامن في المرامي المتوخاة.

فما تكتبه المرأة ليس بالضرورة له علاقة بذاتها بل هو أسمى من كل شخصي.

المرأة ليست على كرسي الاعتراف وهي تمارس فعل الكتابة، هي مبدعة تشارك فعل الكتابة لأنه حق وليس هبة.

والحق لا يعطى بل ينتزع، ولعل الكثيرات تأخر ظهورهن في الساحة الأدبية بسبب هذا الخوف وهذا الحرص الذي قيد فكرها.

والكتابة بضمير المتكلم لا يضع المبدع في دائرة السيرة الذاتية ما دام لم يعلن عن ذلك، كأن كل ما يفتض به بياض الأوراق هو لصيق ذاته وأنه في جلسة اعتراف بزلاته وهفواته، أليس الشاعر عين هذا المجتمع؟ ألم تقل العرب إن الشعر ديوان العرب؟ أليس الأدب سجل التاريخ الحقيقي والمسكوت عنه؟

ولنقرأ هذا:

ما ورائي…رحلة تطفح بالصمت

تتبضّع منها ذاكرتي

تثقل ذات الطين

شقّق كاهله الضَّيْم

باضت في أوكار الأنس

غربان البين

وحين أقول في قصيدة بعنوان فزاع أنت:

يجاذبني غيبٌ

أنّى له الانبلاج…

من جبين تضاريسه يهب

الهوان …هوانا

على مروج من الحرائق

يقلّبُني سكون الواهمين

تمازجني لهفة …غلّفها ظمأ الحالمين

فزاع يا هذا المدى

فزّاع أنت …

فزّاع …

اين الذاتية في لغة المتكلم هنا، أراها بعيدة عن ذلك بل يستحيل أن تتحدث الذات الموجوعة والمثقلة بهموم وطنها وواقع حالها ويزداد يوما بعد يوم سوءا حتى تحولت كل أحلامها إلى مجرد سراب كانت تراه يوما ماء.

يصعب جدا التفريق والفصل بين الذات الواقعية والذات المعنوية، لأنها ذات واحدة في الشعر والوجدان، ولأن هذه الذات ترفل بين التأمل والحلم، بين المعاش والمشتهى، بين الخارج والداخل، بين الواقع والمبتغى، بين المصرح به والمسكوت عنه، بين الحاضر والغياب، وبين المسموح به والمكبوت، بين الحرية والقمع، وتبقى دائما مغلقة بين البين لتأتي الكلمات سابحة في الانزياح. لا يمكن أن ينصف معانيها تأويلا وقراءة واعية، إلا من استطاع أن يفرق بين اللغة الوضعية ولغة الانزياح، وكذا من يرى النصوص لذاتها ولا يصب نقده وانتقاداته على الذات الشاعرة وينسى المحور الأساسي وهو الوصول إلى الرؤية السليمة.

وضمير المتكلم ارتبط بالسيرة الذاتية قديما، إذ نجد الشعراء في الجاهلية يستهلون قصائدهم بالغزل ووصف الأطلال، منطلقين من تجاربهم وحياتهم الخاصة، ولكن في واقع الحال قد عُمِّمَ ضمير المتكلم ليصير طريقة لتعرية هذا الواقع انطلاقا من الذات ولكشف الخارج انطلاقا من الداخل، ولفصل الحلم عن الوهم وترتقي الذات بذاتها لتصالح الأنا أنّاتها وأناها، إذ واقع الحال هو نفسه واقعها فكيف فصلهما وهما بعين واحدة روحها والروح المشتهاة.

فالشاعر حين يكتب لا يكتب عن نفسه ولا لنفسه فهو فرد من مجتمعه وعين له فلهذا فتجاربه من تجارب وسطه وهو يعيش حيوات متعددة يتقمصها متفاعلا معها وفاعلا فيها، لا يمكن أن نفصل شخصيته عن الشخصية المعنوية المتحدثة باسم هذا الوطن، وكنموذج سأقرأ فقرة من نص لي، قد يتبادر للأذهان من عنونته ومن الصبغة الوجدانية التي كتب بها أنه وجداني في الغزل، ولكن حين يتأمله المتلقي سيجده في بحر هموم الوطن وتلاطم أمواجه.

بغنج يغازل هذا الصوت

في محراب عينيك العسليتين

حضارة قداسة زرقاء

ودموع الشتاء

خمرة أمجاد أسحرتني سكرتها

كي أعلن سخطي

على كل القبور

التي ترفع شاهدة التواني

أبحث عن معجزات الألوان

أضحك من خنوع الأشباح

*****

ممسوسة بالأسى

ومقلي طريدة الضنى

ممهورة بحرائق اللظى

لعاب يتلمظ الشفة تلو الشفة

وضمير الغائب يفترش الربى

أكفر هذا يا ترى؟؟

هذا النص هو لسان حال الشعوب التي تعاني ويلات الحروب والتجويع والإقصاء ولا حول لها ولا قوة إلا أن تقبع في زاوية الانتظار تترقب معجزة من السماء، بطريقة أخرى أجسد دون ان ابدي رأيي في الحالة الراهنة قابعين في زاوية مظلمة نرى ولا نُرى.

ومن هنا تصير الذات الشاعرة جسرا لربط القضية بالتوهج الوجداني وتصير رمزية الأنا تحيل على الغائب فينا، المستوطن لنا بقصد أو بغير قصد، لأن دورنا المغيب باللاشعور هو بارز في كل ما يتعلق بهذا العالم، فالوطن لم يعد تلك الحدود الترابية التي تحده في موقع من الخريطة لأنه ليس إلا نقطة في بحر يغرقنا في حروب لا متناهية متفاعلين وفاعلين، اقتحم العالم بيوتنا ليشاركنا لحظات خلوتنا ويقض عيوننا أرقا ومعاناة لما يصيب الإنسان من ظلم واستبداد، عبر التقدم التكنولوجي وعبر الشاشات وشبكات التواصل الحديثة انتفت الحدود وتحققت الوحدة، فما عدا اهتمام الإنسان إلا بهلوسات الوجل والخوف وغدا هوس السلام والأمان يسكننا، ممَّ غَيب طعم نعم الحياة لنحتسيها مرارة مشبوبة بوابل الحرائق والأزمات المكبلة لفكرنا لينحصر اهتمامه في المستقبل والحاضر، والكفاح من أجل العيش الكفيف والقناعة بالفتاة، لم نعد ندرك حتى مطالبنا المتوخاة من أجل مجتمع أفضل، صرنا نحيى تشرذما عاطفيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، ونموت رعبا من الآتي، خيم الليل على القلوب وانتشرت العتمات لتحجب الرؤى وتتلاشى الأبصار وتعمى البصيرة، وأقرأ شيئا أراه يعبر عن تشظي الذات الشاعرة الغارقة في هموم الإنسان:

أيها الليل سأجوبك

شرقا وغربا

أغزلك خيوطا

وأخيط منك كفنا

للحيارى …

للجوعى…

للهائمين فيك

يترقبون رغيفا من النائمين

وأقول في نص آخر:

همس ظلّ على جفني يمشي

كالريح تشقّني، عوالمه

والمسافة على خصر السّبات

ترفع صراخ الوجع

منكسر في المدى صوتي

تدخّنني خيوط الليل

وفي نزق التشظّي، ترفل مواسمه

يخذلني الموت

كعاشق

بمتاهات الذكرى

أضاع قوائمه

فعاد يمشّط جدائل الديجور

وضفيرة وطن

في مدارات الجنون

علّق تمائمه

يصير العالم جزءا من حياة الذات الشاعرة، ويصير صوتها جسره للمتلقي، ومن هنا يمكننا فهم التفاعل بين ذات الشاعرة والذات المنعكسة المتمثلة في الوجود، لتخلق كونها الخاص بها منطلقة من الأنا في اتجاه الآخر، بحيث لا يمكن الفصل بين الشاعر وذاته ولا بين ذاته والآخر في ايقاع متواصل بحثا عن منبع صاف لحياة فضلى تغنينا عن الشطط والتعسف والقبح الذي يلوث الرؤى ويغشاها.

رحيمة بلقاس

1 بوشوشة بن جمعة “الرواية النسائية المغربية” تونس ص28

2 رشيدة بنمسعود “المرأة والكتابة من خلال القصة القصيرة” اطروحة لنيل ديبلوم الدراسات العليا فاس ص98

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *