الخميس. ديسمبر 3rd, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

رواية الندم – الحلقة الأولى

1 min read

دكتور محمد السيد حسن

صدرت مقدمة هذه الرواية منذ شهور ولم أستطع البدء فيها لظروف خاصة وقد شيرت المقدمة مرة اخري قبل البدء في الرواية
الحلقة الأولي
كان ابراهيم عبد القادر طالبا في المعهد الثانوي الأزهري بمدينة المنزلة وكان أساتذته يدعونه : المازني ليس لتشابه الاسم مع الكاتب الكبير ابراهيم عبد القادر المازني ولكن لأوجه كثيرة للتشابه بينهما . كلانا كلاهما يتميز بالعبقرية والنبوغ وكان كلاهما نحيل القوام يميل إلي القصر وكان كل منهما يظلع في مشيته ..كان عرج المازنى يعود إلي حادث كسرت فيه ساقه في شبابه بينما كان عرج ابراهيم بسبب شلل الأطفال الذي أصابه في الصغر .
ولكن الفارق بين سماتهما الشخصية كان شاسعا ..كان ابراهيم انطوائيا حزينا تبوح نظراته بشجن خفي .ربما كان هذا لفقره الشديد وربما كان لسخرية الرعاع من عرجه وربما كان لكثرة تأملاته في أحوال الدنيا وأمور الآخرة .
إلا أن المازنى كان شخصا جريئا ذا مهابة وشجاعة وجرأة .كان ساخرا أشد السخرية من الناس بل وصلت به السخرية إلي أن سخر من نفسه ومن كتاباته ويكفي أن تعرف أن آخر كتابين له هما : قبض الريح وحصاد الهشيم ويكفي الاسم للدلالة علي سخريته من الكتابين .
يحكي العقاد فيقول أنه ذهب مع المازنى لندوة ثقافية وكان المتحدث أحد المتغربين الذين انسلخوا من دينهم فذكر زوجات الرسول وانتشار الإسلام بالسيف وفوجئ الجميع أن المازني خلع حذاءه وانطلق كالسهم نحو المتحدث ورفع الحذاء ليضربه به وهو يقول : إن الإسلام لم يكن في حاجة إلي السيف بل كان في حاجة إلي حذاء قديم يتم تقطيعه علي رأسك أيها التافه الغرير . وهذه واقعة تشي بغيرته علي الإسلام وتشي أيضا بشجاعته .
عمل المازنى بالتدريس لضيق ذات اليد وكان عمله في مدرسة خاصة يذهب اليها ابناء الأثرياء الراسبين بعد أن يستنفذوا مرات رسوبهم في المدارس العامة التى تتبع وزارة المعارف .
وأراد التلاميذ الفاشلون أن يعكروا صفو المازنى ويضحكوا عليه فقاموا بتحضير غاز كبريتيد الهيدروجين ذي الرائحة البشعة وكان المعمل الكيميائي مفتوحا علي غرفة الدرس فملأت الرائحة الكريهة فصل الدراسة وتوقعوا أن المازنى عند دخول الفصل سيخرج مهرولا وسط ضحكاتهم وسخريتهم ولكن المازنى فاجأهم بأن أغلق نوافذ الفصل والباب وتجاهل الرائحة تماما وبدأ يشرح الدرس وكان التلاميذ علي وشك الاختناق وبدأوا يتململون ولكنه أكمل درسه ولم يعرهم بالا حتى انتهت حصة الدرس فتنفسوا الصعداء ولم يعودوا لمثلها أبدا .
أما ابراهيم فكان لا يخرج مع الخارجين ولا يسمر مع السامرين ولا يندمج مع السفهاء .كانوا يحقدون عليه نبوغه وتفوقه وحب الأساتذة له فكانوا يطلقون عليه الأعرج وكان (العبد ابن شهيرة) أشدهم تنمرا به .كان دائما يتعمد أن يجلس بجواره في القطار بين المنزلة وقرية العزيزة ويبدأ في فك رباط الكاكولا والقفطان وهو الزي الرسمي لطلبة الأزهر ويحاول العبد ان يخلع ملابس ابراهيم وكلما أعادها ابراهيم إلي مكانها يعود ابن شهيرة إلي فعله الدنيئ وكان ابراهيم لا يملك من القوة الجسدية أو الشجاعة أن يوقفه عن ذلك وكان الركاب يرون هذا المنكر ولا يتطوع أحدهم أن يدفعه وربما كان هذا سببا في سوء ظنه بالناس الذي لازمه طول حياته .
كان( نجيب الخرتيت )أحد السفاء الذين يضايقونه .كان يدفعه للامام لكي يسقط علي وجهه نظرا لضعف ساقه اليسري المصابة بالشلل القديم .
لم يفكر ابراهيم في ابلاغ والده بما يلاقيه من عنت لأنه يعلم أن والده رجل فقير مهيض الجناح لا عزوة له ولا عائلة تسانده . ولكنه شكا ذلك إلي أحد الأساتذة الذين كانوا يحتضنون ابراهيم ويقدرون نبوغه وتفوقه واستدعي الأستاذ العبد ابن شهيرة ونجيب الخرتيت وهددهم بالفصل من المعهد ولكن ذلك لم يثمر إلا عن مزيد من التنمر والاضطهاد من هؤلاء الرعاع .
كانت نفس ابراهيم رقيقة حانية .لمح إحدي السيدات تحضر ابنها الضرير كل يوم صباحا وتأتي بعد الظهيرة لاستلامه .وتابع سلوك هذا المسكين الضرير فوجده في الفسحة يتحرك بعصاه التى ترشده لكى يصل إلي دورة المياه والتلاميذ يندفعون حوله يقفذونه ذات اليمين وذات اليسار فتطوع ابراهيم بأخذ يده وذهب به الي دورة المياه ثم يأخذه للوضوء ويصليان الظهر معا ثم يذهب به إلي مقعده .وحينما جاءت السيدة لأخذ ابنها خاطبها ابراهيم قائلا : لاتحضري يا خالة لأخذه فسوف أتولي إحضاره لك كل يوم وسوف أمر عليك في الصباح لكى آخذه معي وعليك أن تدلينى علي عنوانكم .فشرحت له مكان إقامتهم ودعت الله له بالخير والسلامة والستر ..كان ابراهيم يمر عليه في الصباح ويركبان القطار ويتولي أمره في الفسحة ثم يأخذه عند انتهاء اليوم الدراسي . وكان نجيب الخرتيت يضحك ويغنى مع أشباهه من الفاشلين قائلا : أعرج يقود أعمي . ويرددون وراءه : أعرج يقود أعمي وينهمكون في وصلة ضحك وسخرية مريرة .
كان ابراهيم قد أتم حفظ القرآن كاملا في الثانية عشرة من عمره في كتاب القرية وكان لشغفه بالقراءة أثر كبير في دراسة التفسير والفقه والحديث وحصل من ذلك علي رصيد هائل من العلم الدينى وهو مازال صبيا وقد صقلت دراسة الأزهر موهبته وقدراته وكان لذلك أثر كبير في حب أساتذته وإجلالهم له وسمع به شيخ المعهد فطلبه وتحدث إليه وسأله في مسائل شتى وأيقن أن هذا الطالب النجيب تفوق قدراته سنه الصغيرة .
حدث ذات يوم في حصة التفسير أن مر الميكروفون بجوار المعهد الدينى وكان المنادى يعلن عن افتتاح متجر جديد وبدأ نداءه كأغلب الناس قائلا : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين .فكظم ابراهيم ضحكه بصعوبة ووضع يديه علي فمه ولكن الموجه الذي كان حاضرا في هذه الحصة للتفتيش علي الأستاذ والطلاب لمح ابراهيم وهو يضحك فنهره قائلا : أنت أيها الولد قليل الأدب مالذي يضحكك .قم من مكانك وتعال هنا . وهنا تدخل أستاذ الفصل موجها حديثه للموجه : عفوا يا سيدى لا بد أن هناك سوء فهم أو التباسا فهذا أذكى و أنجب طالب بالمعهد بأكمله ووجه حديثه لابراهيم : ماذا حدث يا ابراهيم ؟ فقال ابراهيم : تعلم يا استاذي مدى احترامي لمجالس العلم والعلماء من أمثالكم أنتم وسيدى المحترم الموجه ولكن الرجل الذي يصيح في الميكروفون بآية من القرآن الكريم هو ما أضحكنى ..فقال له الموجه : فيم أضحكك ؟ فقال ابراهيم : إنه يتودد إلي الناس أن تذهب إلي متجره وهو يدعو عليهم بالهلاك ..فاندهش الأستاذ والناظر وقالا له : اشرح لنا ماذا تقصد .فقال ابراهيم : إن الفعل (فتح) إذا جاء بعده حرف الجر اللام فانه يكون فتحا بالخير مثل : إنا فتحنا لك فتحا مبينا .وإذا جاء بعده حرف الجر : علي فهو فتح بالخير أيضا مثل قوله تعالي : لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ..أما إذا جاء بعد الفعل فتح ظرف 🙁 بين) فهو طلب من الله بأن يفصل ويحكم بين فريقين متعاركين او متقاتلين وهو طلب من الله أن يظهر الحق في جانب منهما ويقضي بالهلاك علي الطرف الظالم وقد وردت هذه الآية في سورة الأعراف حينما تآمر قوم شعيب عليه وصمموا علي أن يردوه إلي الشرك هو ومن معه وإلا فانه لا بد ان يخرج من قريتهم مطرودا وجادلهم شعيب كثيرا وتودد إليهم ألا يطردوه ولا يجبروه وقومه علي الشرك وهم كارهون فرفضوا رفضا قاطعا ولم يكن أمامه إلا أن يدعو الله بأن يفتح بينه وبين قومه بالحق وينزل عقابه عليهم بغير إمهال ..ثم تلي ابراهيم الآية من سورة الأعراف : قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين ..قد افترينا علي الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منهاوما يكون لنا أن نعود فيهاإلا أن يشاء الله ربنا..وسع ربنا كل شيئ علما علي الله توكلنا…ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) وأكمل ابراهيم قائلا : فهو استشهاد في غير موضعه وهو دعوة إلي الله أن ينزل عقابه علي الظالمين .
أكمل ابراهيم حديثه وران الصمت علي المكان وفغر الموجه فاهه من الذهول ونادي علي ابراهيم واحتضنه وقبله وقال له : بارك الله فيك يا بنى ..أنعم بطالب نابه مثلك ..وسأله عن حفظه للقرآن وعن دراسته للتفسير وغير ذلك .ثم وجه حديثه لابراهيم : هل يمكن أن تزيدنا مما علمك ربك ومما فتح به عليك ..فقال ابراهيم : أنا تلميذ صغير في حضرة أساتذتى وأعمامى وكبرائي ولا أستحق ما تقول يا سيدى الموجه العظيم …فقال له الموجه : دعك من هذا وزدنا مما أفاء الله به عليك .
فقال ابراهيم : ليأذن لي أستاذي أن أقول له أننى سمعت رأيا للعالم العلامة الشيخ محمد متولي الشعراوى وأنا الضعيف الصغير أختلف معه فيها .
يردد العالم العلامة قولا شهيرا عنه وهو : ما وقع قضاء إلا بذنب ولايرفع إلا بتوبة ورغم جمال العبارة وروعتها وحضها للناس علي البعد عن الذنوب واللجوء إلي التوبة إلا إننى لا أراها دقيقة في معناها الفقهى ..كيف نقول ان لا قضاء يقع إلا بذنب ..ما الذنب الذي أذنبه المصطفي صلي الله عليه وسلم حينما فقد فلذة كبده ابراهيم وعمره عامان وبكى الحبيب عليه كثيرا وبكى معه المسلمون جميعا ..كان هذا ابتلاء ولم يكن عقوبة ..
الابتلاء قد ينال العصاة عقابا لهم وقد ينال الاطهار رفعة لدرجاتهم .
ما الذنب الذي أذنبه ايوب عليه السلام حين ظل الصديد يأكل جسده ستة عشر عاما ونفر منه أهله الأقربون إلا زوجته ..لقد كان ابتلاء لتمحيص الايمان ورفعا للدرجات ولم يكن بسبب ذنب أذنبه أيوب عليه السلام .
رحم الله العالم العلامة الشيخ متولي الشعراوي وجزاه خير الجزاء عما قدم للإسلام ولكن مقولته هذه ليست دقيقة في مفهوم القضاء والقدر ..
احتضن الموجه ابراهيم مرات أخري ودعا له بكل الخير وطلب من الأستاذ ان يذهب بابراهيم معه الي بيته لمواصلة الحديث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *