الجمعة. يناير 22nd, 2021

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

رواية الندم – الحلقة الثانية

1 min read

د. محمد السيد حسن

كان والد ابراهيم رجلا رقيق الحال يملك محلا للبقالة يبيع فيه بعض البقالة البسيطة مثل الشاي والسكر والخيط وابر الخيط والنشوق وبعض السجائر الذي يبيعها بالواحدة ..كان هذا المحل حجرة صغيرة في البيت الذي يقطن فيه تطل علي الشارع الضيق من خلال شباك صغير في حي منزو من أحياء القرية ..كان الشيخ عبد الله والد ابراهيم يمكث في المحل حتى يأتى ابراهيم من المعهد الدينى فيجلس في المحل مكان أبيه ويفتح كتبه ويذاكر دروسه ويقرأ القرآن في المحل حتى إذا جاء زبون قطع ابراهيم مذاكرته وأعطاه ما يريد .وفي فصل الصيف كان ابراهيم يذهب إلي مصيف رأس البر ليبيع للأطفال البالونات ولعب الأطفال وبعض الحلوى ليدبر مبلغا يستعين به علي المصروفات الدراسية .وكانت المشكلة الكبري التى تواجه ابراهيم في كل صيف : أين يبيت ،، فكان يبيت أحيانا في مقهي وأحيانا في استقبال مستشفي رأس البر . ونصحه بعض الشباب أن يبيت مع نظرائه في دور أرضي لإحدي العمارات تحت التشطيب وذهب ابراهيم ليبيت فيها ويحتضن بضاعته الزهيدة ويربطها بحبل حول رقبته حتى لا يسرقها أحد أثناء نومه وفي الليل سمع أصواتا غريبة فنهض من نومه ووجد الصبية والفتيان يمارسون الشذوذ معا فحمل بضاعته وفر مذعورا وبعد أن ابتعد عن المكان مسافة كبيرة انطلق في نوبة من القيئ الشديد ثم حمل بضاعته ليلا وذهب إلي أسرته وأقسم ألا يعود إلي هذه المهنة أبدا .في الصيف التالي ذهب إلي المنصورة ومر علي مكتبات عديدة ومحال للبقالة ولم يقبله أحد وأخيرا وافق صاحب مقهي علي أن يدعه يعمل عنده ..استبشر ابراهيم بالعمل خيرا وكان يبيت في المقهى ليلا في جو خانق وحرارة لاهبة وعرق غزير .كان ذلك في شهر يوليو وأغسطس من العام الذي يسبق الثانوية العامة .احتمل ابراهيم الحرارة الخانقة والفئران التي تجري فوقه طوال الليل والحشرات الزاحفة في ملابسه في مقابل جنيهات قليلة كان يتقاضاها آخر الأسبوع .وفي يوم كئيب لمح ابراهيم ( العبد ابن شهيرة ) يجلس في المقهى مع ثلة من الفاسدين يدخنون الشيشة بالحشيش . وتواري ابراهيم عن أنظارهم وهمس لأحد زملائه وتوسل إليه أن يذهب إليهم ويقوم علي خدمتهم . ولكن ( العبد ) كان قد لمح ابراهيم فطلب من العامل الذي ذهب إليهم أن يرسل مشروباتهم مع ابراهيم تحديدا .وذهب العامل الي ابراهيم وذكر له أنهم يريدونه علي وجه الخصوص وأيقن ابراهيم أنه مقدم علي وقت عصيب .ظل العبد يسخر من ابراهيم ويقول له : منذ متى تخدم هنا يا اسطى . فلم يرد ابراهيم فصرخ فيه العبد : ألا أكلمك لماذا لا ترد يا حيوان .،اذهب بالشاي فنحن لا نريده وأحضر لنا قهوة . وحمل ابراهيم الشاى وأدار وجهه وهم بالمسير فوضع العبد قدمه أمام قدم ابراهيم المريضة فانكفأ ابراهيم علي وجهه أرضا وتناثر الشاي المغلي علي وجهه وتكسرت الأكواب الزجاجية وانتثر الشاي علي ملابس بعض الحاضرين فظلوا يسبون ابراهيم وهم لا يعلمون حقيقة ما حدث وجاء صاحب المقهى علي صوت الضجيج فهاله ما حدث وانطلق يسب ويلعن ابراهيم ولم يترك له فرصة واحدة للحديث او تفسير ما حدث وطرده من المقهي وسط الضحكات الماجنة من العبد ابن شهيرة .خرج ابراهيم من المقهي وكان وجهه يشتعل نارا من حرارة الشاي المغلي وخرج إليه أحد زملائه ببعض الماء لكى يضعه علي وجهه الملتهب .سار ابراهيم قليلا ثم جلس بجوار جدار متهدم وبكي بحرقة وتوجه إلي الله بالدعاء : اللهم إنى استودع مظلمتى عندك يا من لا تضيع عنده الودائع ..اللهم أنت سندى ومعيني ولا يرضيك ما عانيته من قهر وهوان .اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى .لقد نهش الفقر عظام اسرتي فجئت رغم إعاقتى أبحث عن عمل يعيننى ويعين أسرتي ولكن ضاقت علي الأرض بما رحبت ..أنت وليي في الدنيا والآخرة وأنت أرحم الراحمين .وبعد قليل رن هاتفه وكان المتحدث هو موجه مادة التفسير الذي تحدث معه ابراهيم من قبل وطلب مقابلة ابراهيم بعد ذلك .سأل الموجه ابراهيم عن مكانه وطلب منه أن يمر عليه في بيته بالمنصورة .فاعتذر ابراهيم بأدب وقال له : اعذرنى يا سيدى اليوم فحالتى النفسية أسوأ ما تكون ..فرد عليه الموجه : ماذا حدث ؟ فقص عليه ابراهيم ما حدث فقال له الموجه : انتظر عندك وأنا الذي سوف آتى لك .ظل ابراهيم متكورا كالهرة المريضة بجوار الجدار القديم وبعد وقت قليل جاء الموجه فجلس أرضا بجوار ابراهيم واحتضنه وظل يقبله ودموع الموجه تسبق دموع ابراهيم .قال الموجه لابراهيم : قم معي ولاتسلنى عن شيئ ..وظل الاثنان يسيران الهوينى بغير حديث فقد كانت القارعة أقوى من كل حديث . حتي وصلا إلي شارع جانبي متفرع من شارع كلية الآداب وصعد الموجه وصعد معه ابراهيم حتى وصلا إلي شقة الموجه الذي فتح بابها بمفتاحه ..ودخل الموجه وظل ابراهيم بالخارج فخرج الموجه واصطحب ابراهيم إلي الداخل .أمسك الموجه بدفة الحديث قائلا : كيف ترضى لنفسك هذا الهوان وأنت حامل للقرآن الكريم ..أهل القرآن في عزة وكرامة آلي يوم الدين ..من الغد سوف نفتتح فصولا دراسية صيفية لتحفيظ القرآن الكريم حسب تعليمات الأزهر الشريف وسوف تكون أنت المشرف علي هذا الأمر من أوله لآخره ..أنت الذي ستختار المحفظين بعد أن تمتحنهم من داخل المعهد او من خارجه . وسوف تتقاضي راتبا قدره خمسمائة جنيه شهريا ..وسوف استأذن رجال الأزهر في أن ننشيئ فصولا أخري للتجويد لمن أتم حفظ القرآن الكريم من خريجي المعهد او ممن حفظ القرآن ولم ينل حظا من التعليم وسوف يكون راتبك من دراسة التجويد ألف جنيه شهريا وسيتكفل الأزهر بكل هذه النفقات ..انفرجت اسارير ابراهيم وظهرت الفرحة علي وجهه ذي الملامح الجميلة وهم بأن يقبل يد أستاذه ولكن الرجل رفض وسحب يده بسرعة وقال له : أن هذا القرآن يرفع أقواما وأنت منهم يا ابراهيم وسوف ابشرك يوما بأن القرآن كان فاتحة الخير والفلاح لك في كل حياتك ..أراد ابراهيم أن يستأذن ليذهب إلي أسرته لكى يزف لهم هذه الأخبار السارة ولكن الموجه رفض رفضا باتا وقال له لا بد ان تمكث لسببين : الأول ان تتناول طعام الغداء معي والثانى أن تحدثني فيما أفاء الله به عليك من معانى القرآن الكريم .اعتذر ابراهيم بشدة عن تناول الطعام رغم جوعه الشديد .كان خجله وعزة نفسه وكرامته أبت أن يتناول طعاما هو أقرب مايكون إلي الصدقة منه إلي واجب الضيافة.استمات الموجه وبذل المحال ولكن ابراهيم رفض رفضا قاطعا لا حيلة بعده طلب الموجه الشاي وقال له : إذن أمتعنى بما يفيض الله به عليك .قال ابراهيم : والله إنى لأشعر بخجل شديد من إطرائك لى وانا تلميذ ضئيل في حضور حضرتك ..قال له الموجه : لا عليك هيا حدثني .قال ابراهيم أريد أن احدثك يا سيدى عن موضوع لم يأخذ حظه من الدراسة جيدا في كل مراحل التعليم ومنها كما علمت الكليات الأزهرية . إنه موضوع الموسيقي في القرآن الكريم ..فهم الموجه مذعورا وقال له : هل أصابك الخرف يا ابراهيم ؟ ماذا تقول .،ما علاقة الموسيقي بالقرآن الكريم يا بنى ؟! رد ابراهيم ليسمح لي استاذي ان أشرح وجهة نظري ..الموسيقي الداخلية في القرآن الكريم سر عظيم أودعه الله في الآيات القرآنية وهي سر يجعل القلوب تهفو إلي القرآن الكريم حتى لو لم تتدبرمعانيه جيدا ..فمن يسمع القرآن الكريم يقع تحت تأثير البيان القرآنى المعجز بفصاحته وإخباره بعلوم لم يكن للعرب دراية بها وبلاغته التى أعجزت الأولين والآخرين وهذا التأثير يذهب إلي العقل ليتدبره ولكن هناك تأثيرآخر يقع تحته سامع القرآن الكريم وهو الموسيقي الخفية التى تتسرب إلي الوجدان والروح . ألا تري أن كثيرين ممن يسمعون القرآن ولم يفهموه حق فهمه تقشعر جلودهم .فهم هنا ليسوا تحت تأثير المعانى السامية والبلاغة المعجزة للقرآن الكريم ولكنهم وقعوا تحت تأثير السر الإلهي في النظم القرآنى .لقد قام بعض المسلمين في بلاد الغرب بالوقوف في ميادين عامة يطلبون من المارة أن يتوقفوا قليلا لسماع القرآن وهم لا يعلمون ماذا يسمعون فكانت ردودهم أن هذا شيئ مؤثر وله وقع نفسي عجيب رغم عدم ادراكهم كنه ما يسمعون .ان هذا الجانب من عظمة القرآن الكريم لم يأخذ حظه من الدراسة إلا عند عبد القاهر الجرجاوي في إعجاز القرآن وقد أوقف حياته كلها لدراسة الموسيقي الداخلية في آي الذكر الحكيم وجاء بعده مصطفي صادق الرافعى وبذل مجهودا هائلا في شرح أثر الكلمة في الجملة وأثر الجملة في الآية الكريمة ثم الاثر الكلي للآيات وشرح بتفسير رائع النظم الموسيقي في القرآن الكريم وجاء بعدهما الشيخ سيد قطب في كتابه : التصوير الفنى في القرآن الكريم ودرس الموسيقي القرآنية دراسة وافية واستعان ببعض رجال الفن الموسيقي ليشرحوا له بعض جوانب الموسيقي التى شعر بها ولم يفهمها .بدأ علي الموجه دلائل الاقتناع فأكمل ابراهيم كلامه قائلا : كان العرب أهل فصاحة وبلاغة وقد أعجزهم القرآن الكريم بفصاحته وأعجزهم بشيئ لم يألفوه من قبل وهو الايقاع الموسيقي ..وحينما سمع الوليد بن المغيرة ألقرآن الكريم وذهب إلي قومه فسألوه عنه فقال : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وبدهي أن الحلاوة والطلاوة لا بد ان يكون قد شعر بها من النظم القرآنى المعجز وليس من بلاغة البيان فقط .يقول سيد قطب أنه أثناء رحلته الشهيرة إلي أمريكا وجد بعض المبشرين يعملون بهمة واخلاص فشعر بالغيرة علي دينه وكان اليوم يوم الجمعة فقرر أن يقيم شعائر الجمعة ويصلي بالمسلمين من المسافرين ورفع الأذان ثم خطب في الناس وصلي بينما غير المسلمين متحلقين في الادوار العليا من الباخرة ينظرون إليهم .وبعد ان انتهى من الشعائر نادته سيدة غير مسلمة فسألته : لقد كنت تتحدث بلغتين ولهجتين مختلفتين فما الفرق بينهما ..فقال لها اما الكلام العادي فهو كلامى وأما الكلام الذي أثار اهتمامك وفضولك فهو كلام رب العزة .وقد ذكر سيد قطب ذلك في الظلال ونحن نفهم مما أثارته هذه السيدة أن السر الإلهي الأعظم في الايقاع القرآنى هو الذي لفت نظرها إلي غرابته عن الكلام البشري .يستطيع أي كاتب عظيم أن يكتب مقالا أدبيا يأخذ بالالباب ولكنك لن تجد فيه ذلك الايقاع والنظم المعجز كما تجده في سورة من سور القرآن الكريم .التفت ابراهيم إلي استاذه وقال : أخشي أن اكون قد أثقلت عليك يا سيدى ،فقال له استاذه منبهرا : أكمل يا ابراهيم ..قال ابراهيم : لقد أخذ بعض الذين درسوا النظم الايقاعي في القرآن الكريم قطعا أدبية لبعض مشاهير الكتاب وقرأوها كما يتلي القرآن الكريم مجودا وكانت النتيجة مضحكة فلم يهتز وجدان أحد الحاضرين رغم بلاغة النص الأدبي ولابد ان نلاحظ ان لكل سورة وزنا خاصا فهناك الايقاع السريع مثل سورة الرحمن : الرحمن ..علم القرآن .خلق الانسان ..علمه البيان ) وتظل السورة علي هذا الايقاع السريع حتى آخر السورة : تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام .ولو فكر انسان ان يضع آية من سورة أخري بين الآيات فستلفظها الأذن وتصد عنها صدودا حتى لو لم يفهم السامع مغزى الآيات الكريمة وهناك الوزن الطويل وتجد فيه كل آية تمثل وحدة متناسقة مع الآية التى تسبقها والتى تليها :يقول الحق في سورة ابراهيم : (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم .تحيتهم فيها سلام .) ثم انظر الي الأيات التى تليها : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء .تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.)آيات مؤتلفات متناسقات متجانسات تسري منها الموسيقي والنظم القرآنى إلي الأرواح بلا حواجز ولا قيود .ويجرنا هذا الحديث يا سيدى الي قراء القرآن الكريم فمنهم من يعجن الآيات ويقف بدون فائدة ويرفع صوته نشاذا ويخفضه ويخلط خلطا معيبا فتفقد الآيات جمالها ويضيع النظم القرآني المبدع .ومنهم من يعطي للقراءة حقها من الوقوف والاسترسال واعطاء كل آية حقها مع فهم دقيق لمرادها ومن هنا جاءت ضرورة معرفة القراء بالمقامات الموسيقية ..وحينما سئل الشيخ الشعراواى عن أفضل القراء ذكر الشيخ محمد رفعت ثم عبد الباسط والمنشاوى ثم قال : أما من يجيد المقامات الموسيقية فهو الشيخ مصطفي اسماعيل .والقارئ الموهوب هو الذي يلائم بين المقام الموسيقي والنظم الايقاعي للقرآن الكريم .قد تسمع بعض الاصوات الجيدة ولكنه لا يفهم المقامات فتراه يعجن ويهذي ولا تستمتع بصوته ابدا لانه لم يعط للقراءة حقها كان الشيخ محمد رفعت يقرأ من مقام البياتى ومقام الصبا الحزين ولكنه في سورة المائدة ارتفع صوته عاليا من مقام النهاوند حين وصل إلي : وقالت اليهود يد الله مغلولة .غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا ..) ورغم انه يجوز الوقف عند مغلولة إلا إنه من غضبه وحنقه علي اليهود لتطاولهم علي الذات الالهية وصل الآية بما بعدها بصوت جهوري : غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا . *********شعر ابراهيم انه قد اطال الحديث فهم واقفا واستأذن من استاذه الذي سمح له ودعي له بالخير والبركات .