شبابنا.. و”رق الوظيفة”.. و”سوس البيروقراطية”

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 7 يناير 2019 - 5:57 صباحًا
شبابنا.. و”رق الوظيفة”.. و”سوس البيروقراطية”

بقلم أ. د. إلهام سيف الدولة حمدان

بوابة شموس نيوز – خاص

يستطيع الرسام الممسك بالفرشاة و”باليتة الألوان” رسم لوحات رائعة لكل ما تقع عليه عيناه ويهتز لها وجدانه، وأيضًا يستطيع النحَّات بالإزميل نحت تمثال في الجرانيت لشخصيةٍ ما مؤثرة في تاريخ العالم، وكذا يستطيع الموسيقار أن يجنّد اﻵﻻت الموسيقية في ترجمة مشاعره فيطلقها نغمًا مليئًا بالشجن، ولكنهم يعجزون تمامًا عن رسم أو نحت صورة للشيء المعنوي الذي يحتوينا ونعيش في ظلاله وهو”الزمن”!

فالزمن لا يعدو أن يكون إلا “مثلث” أضلاعه “الماضي والحاضر والمستقبل”.

والخوف ظاهرة طبيعية تتخلل مكونات الجينات البشرية، وضعها الخلاَّق العظيم في بعض غُدد الجسد لتفرز مادة “الأدرينالين” أو”هرمون الخوف والتوتر”؛ وذلك عند التعرض لموقف مفاجئ ومُربك أو خطير؛ حيث يُسهم في رفع معدل ضربات القلب وسرعة ضخ الدماء في الشرايين لاستيعاب الموقف الموتر.

ولكن عندما يتحول “الخوف” إلى حالة مَرَضيَّة مُزمنة على الحاضر والمستقبل؛ فهذا هو الخطر الحقيقي الذي لن تجدي معه مئات الآبار من هذا “الأدرينالين”، لأن المستقبل بيد الله.

وهذا ما تلاحظ لي من انغماس شبابنا في هذه الآونة في مستنقع الخوف مِنْ وعَلَى مستقبلهم العملي والوظيفي، فلا زالت القناعات راسخة بأن سوق العمل الحكومي هو الملاذ الوحيد لتحقيق الأمن والأمان بالحصول على “راتب ثابت” ربما لايكاد يفي بالحد الأدنى للمتطلبات الحياتية! أو ربما وصل إليهم ما يتردد على لسان الأهل بأنه “لو فاتك الميري.. اتمرَّغ في ترابُه”! وتلك مقولة كانت سارية في فترة المَدْ الاشتراكي بداية من قرارات التأميم؛ وحاجة شركات القطاع العام إلى جميع التخصصات العلمية والعملية والمهنية، فكانت أوامر التكليف بالعمل تصدُر مع تسلم شهادة التخرج أو الكفاءة المهنية في شتى المجالات، ليجد الشاب نفسه بالكرافت الأنيق يجلس إلى “مكتب” بشركة بحسب نصيبه في التوزيع، أو نرى العامل المهني بالبدلة الزرقاء خلف “ماكينات الإنتاج” بالمصانع.

ولكن ﻷن دوام الحال من المُحال! فكم من مياهٍ مرَّت من تحت الجسور؛ نتيجة الانحرافات الحادة ـ غير المتوقعة ـ بعربة “الاشتراكية” الوليدة الضعيفة وهي بالكاد تخطت عتبات مرحلة الفطام وتستعد لمرحلة الفتوة والصبا والشباب؛ ويبدو أنها انقلبت في الاتجاه العكسي تمامًا، ومعها كل التوازنات المجتمعية التي كانت سائدة ومستقرة وتمنح الأمان للوطن ومواطنيه على أرضه، ولكن هذا موضوع طويل يُدخلنا في متاهات وسراديب عميقة، ومناقشات “بيزنطية” لا طائل من ورائها من السوفسطائيين الذين ابتليت بهم مصرنا، ولكن جُل همنا الآن هو البحث عن دراسة لعقلية الشباب من أجل صناعة المستقبل؛ كي نستطيع أن نرسم الخطوط العريضة لكيفية مواجهتهم لشبح البطالة الكئيب الذي يدفعهم إلى طريقين أحلاهما أو كلاهما (مُرْ)؛ فإما إلى الهجرة الشرعية أو غير الشرعية، أو الانضواء تحت ذراع من يختطفهم إلى طريق اعتناق الإرهاب المموَّل من قوى الشر المتربصة بمقدرات الوطن.

وقد استوقفني حديث أكثر رجال الصين ثراء “Jack Ma” وتقدر ثروته بـ 39 مليار دولار؛ يقول:” لو وضعت نقودًا وموزًا أمام القرود، فإن القرود ستختار الموز، لأنهم لا يعرفون أن النقود تشتري موزًا أكثر! ولو عملت نفس الشيء مع أغلب الناس وخيرتهم بين مشروع وبين راتب شهري في وظيفة معينة لاختارالأغلبية الوظيفة الشهرية، لأنهم لا يعرفون أن المشروعات تجلب نقودًا أكثر من الراتب الشهري وتغير الحياة تمامًا..” ويتابع: “من الأشياء التي تجعل الناس فقراء، هي أنهم لم يتعلموا أن يروا الفرص التي تأتي من المشروعات؛ لأنه طوال حياتهم وهم يتعلمون في المدارس أن العمل دائمًا يكون من أجل الوظيفة الشهرية، وتعلموا أنهم بدلاً من أن يعملوا لأنفسهم سيعملون لدى الغير”!

ولعلي أزيدكم من الشعر بيتًا من خلال تجربة شخصية حدثت معي، فقد كنت أشاهد “صبيًا” يعمل لدى ورشة لدهان الموبيليا، ويقاسي من قسوة صاحب العمل الذي يكيل له الضربات كل صباح بلا أسبابٍ جوهرية سوى نشوة التحكم في العمالة التي تعمل تحت يده، وحين أشفقت عليه ناديته: لماذا لا تترك هذا العمل البسيط المهين وبإمكانك أن تكون صاحب عمل، وقمت بلفت نظره إلى ضرورة امتلاك “أدوات إنتاج” فقط!، وهي تتكون من “ورقة قطن وزجاجة صغيرة من مادة الجملكَّة” التي تستخدم في دهان الأخشاب، ولا يتعدّى ثمنها بضعة جنيهات، فأخذ الفتى بالنصيحة وانطلق ليحتل الطرف الآخرمن الميدان بأدواته الجديدة، ليصير صاحب عمل أخيراً.

إذن .. فنحن نمتلك الكثير من الحلول البسيطة والسهلة ـ بعد إعمال العقل بالقناعة ـ واللجوء إلى الحلول البعيدة عن انتظار “رقْ الوظيفة” ومتاعبها وارتباطاتها ومشكلاتها وما تشتمل عليه ـ الآن ـ من البيروقراطية المقيتة التي “تُوقف المراكب السايْرة”.

فلننطلق أيها الشباب إلى الآفاق الرحبة، فلا يجب إهدار طاقاتكم الخلاقة في طابور الانتظار للحصول على “مقعد” خلف المكاتب الخشبية التي ينخر في قلبها “سوس” البيروقراطية والجمود الفكري الذي يكبل العقل عن متعة التفكير في كيف أصنع من المستقبل شيئًا جميلاً؛ يكون مفخرة لي ولأبناء جيلي ممن يؤمنون بالحرية عملاً وسلوكًا.

ونهمس إلى المسئولين في مراكز صنع القرار: ليتنا نرى مشروعًا على أرض الواقع لتجميع الشباب راغبي العمل الحر؛ فيما يشبه “الكاميونات الجماعية” التي تتكون كل مجموعة منها من خمسة أفراد ـ مثلا-؛ وإمدادهم بدراسات الجدوى الجاهزة لما يتطلبه سوق العمل ـ كما حدث في سنغافورة والصين وماليزيا ـ وبالقروض البنكية بفائدة بسيطة وسداد ميسر؛ ليكونوا نواة لظهورالكثير من النخيل على شاطئي نهرنا العظيم.. وبهذا المشروع نكون قد توقفنا عن إفراز”الأدرينالين” خوفًا من الغد؛ وصنعنا خيوطًا حريرية لثوب المستقبل القشيب، ونقول لـ “الزمن”: لقد احترمنا وجودنا تحت ظلالك بأنفاس الحياة، وعليك أن تحترم تطلعاتنا المشروعة في النجاح والازدهار من أجل الوطن.

أقول: ليتنا.. فهل من مجيب؟ أم سنظل نورث لشبابنا المقولة المُحبطة: “لو فاتك الميري.. اتمرَّغ في ترابُه”!

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.