شرفات النور في القصيدة الفلسفية النثرية

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 22 فبراير 2015 - 10:00 مساءً
شرفات النور في القصيدة الفلسفية النثرية

اخترت لكم أحبتي قصيدة ( الكهف ) للشاعر الناقد د . أنور الموسوي

أحد أعلام الأدب العربي .. لنبحر معا في هذه الدراسة
بقلم رشا السيد أحمد

( الكهف )
حينما فتح عينيه و أطلّ إطلالته الأولى ،
رأى خراباً ،
فكتب قصيدةً .
و حينما أطلّ إطلالة ثانية ،
رأى موتاً ،
فتجمًد في صمته الحزين .
و حينما عاوده الوهم ،
أطلّ إطلالة ثالثة ،
حينها رأى أرواحاً هزيلة و عقولاً مظلمة ،
فتلاشى بهدوء .
و لجأ الى كهف يبكي وحده ،
على النقاء الغريب ،
على القلب الغريب .
هناك وحده ينتظر حياة أخرى ،
يرقب جيلا يأتي ،
جيلا يعرفه .

القصيدة الفلسفية
من أتى أولاً يا ترى لساحة اللغة ؟ هل هي الفلسفة أم الشعر؟ هل سبق الشاعر الفيلسوف أم العكس ؟ أم كلاها جاءا معاً ؟ أم هما بالأصل شخص نظر للحياة من بوتقة فلسفته الخاصة , ورؤاه الشخصية بعد تحليل الواقع ضمن إطار معرفي عميق وجمالي بعيد الرؤى ؟ تحت مجهر فكر شاسع المدى , ينظر للحياة نظرة تحليلية وإجمالية ويستنبط قواعدها الموجودة أصلاً في الكون . أم هو الشاعر تلك الحالة الوجودية والخيالية , التي مازجت الحالة الواقعية , بما ملكت من وجدان يملك المساحة الشعورية الشاسعة بكافة أكوانها المختلفة وفضاءها الكبير جدا ليحاكي الكون كافة ؟ ويكلم كل شيء حوله بلغته الجمالية , ويصيغ الكون في خياله كما يشاء

بعد نظرتنا المجملة أظننا ما عدنا نعرف من جاء أولاً ؟ فماذا لو كتب الشاعر القصيدة الفلسفية , أو كتب الفيلسوف القصيدة بفلسفته الخاصة ستكون معنا من الصورة المجازية المركبة , بكل رموزها وإيحاءتها وأبعادها ، بالنظر إلى فضاء الفلسفة وإلى فضاء الشعر وإلى فضاء القصيدة النثرية أجد أن .

القصيدة الفلسفية , فضاؤها عميق وبعيد جداً ، فكما هو الشعر صفوة اللغة وأعلى عتباتها , تعتبر القصيدة الفلسفية برأيي هي الأعمق والأبعد للشعر , فماذا إذا كانت هذه القصيدة فوق ذاك هي قصيدة نثرية تحمل الكثير من الرموز الصورية , والسيكولوجية الشعرية والإيحائية؟

أن مدلولات القصيدة الفلسفية تفتح جهات التأويل على اتساعها , وتعطي للمجاز تلك الصورة الإنسانية الأعمق, التي تُنسج بتأثير من الواقع , مع ذاك الخيال المحلق بعيدا بأجنحة الذات عبر أفق الكون ندخل لقصيدة د . أنور ، فنجده قد أفتتح قصيدته بعنوان ( الكهف ) وهي فاتحة القصيدة وأن لم يكن العنوان في قصيدة النثر , أحيانا يحمل خلاصة القصيدة فهو حتماً يحمل الدلالة التعبيرية الواسعة للحالة الوجدانية والصورية لمرمز القصيدة . “الكهف “

هو تناص ديني خفي يطل علينا , لو ذهبنا في أعماق القصيدة لرأيناه أشبه بعالم خاص للشاعر , فقد صنع لنفسه عالماً خفيا ، فالشاعر دائما يصنع لنفسه , العالم الذي يناسب ذاته العميقة فها هو يفر من عالم يملؤه العنف والتدمير , عالمٌ يرفض كل تنوير وإصلاح ويتجه للدمار والإبادة وذاك بفساد عقول الكثير وضمائرهم وقلوبهم الغُلف التي خربت المجتمع ، هو إذا كاؤلئك اللذين فروا بدينهم وأعتصموا بحبل الله من ملاحقة ذاك الطاغية لهم .. وهذا الطاغية هو ذاك الواقع المرّ . انّ المعامل الداخلية للشاعر تضافرت لتعطينا مجازية عميقة جدا من وحي كتابنا العظيم , أنه تناص ديني يضعنا فورا ضمن الحدث .

يقول : في المقطع الأول :
( حينما فتح عينيه و أطلّ إطلالته الأولى ، “
رأى خراباً ،
فكتب قصيدةً ” )
وكأنه أفاق بعد قرون طويلة وهو مجاز يبين مدى التأثّر الداخلي , المؤلم جدا .. أنه واقعنا المضني ، وكأنّ سنوات الشقاء في الأوطان , سنوت تعادل قروناً يقول .. بعد أن فرّ من هذا العالم الرهيب , بما حمل من نور , أفاق علّه يرى العالم قد أصبح جميلا خيِّرا كما يحب ، يرى الوطن كما ينبغي أن يكون , يرى الناس كما يجب ن يكونوا . فماذا وجد ؟ لقد فتح عينيه ونظر نظرة المشتاق باحثاً عن السلام والأمن والطمأنينة ، لكنه فوجىء بالدمار بكل ما حوله , فتحرك دفقه الشعوري متأثرا بما يرى وهذا طبيعي لشاعر , يفاجأ بخراب ما حوله من وطن كبير , أنها الصدمة غير المتوقعة ، رفضه للواقع وعزوفه عنه , وتواريه، وحلمه بعالم جميل بوطن من سلام وبعد ذلك يستفيق على ذاك الدمار حوله لا بد سيكتب قصيدة تصف حاله وحال الواقع أنها المعامل الشعرية للشاعر التي تعمل على مدار الساعة , للتدفق بلحظة الاشتعال , لحظة الصفر للانطلاق الهذيان الشعري التلقائي .. حالة تأثرت فنزفت محلقة بفضاءات شاسعة
لن أبحر بالألفاظ الرمزية بشكل مفصل ما يهمني الحالة الفلسفية والشعرية العميق في داخل الشاعر .

في المقطع الثاني :
( و حينما أطلّ إطلالة ثانية ،
رأى موتاً ،
فتجمًد في صمته الحزين ” )
لقد انتبه , فرأى الموت يأكل كل ما حوله , فراح بصمت سحيق وحزين ، انها انعكاسات الواقع على الذات العميقة التي تمنح جمالية وعمق للصورية ، فنحن هنا نجد أن الصورة مشتعلة بالحزن الذي ضج في الداخل , عجزه عن تغير الواقع , وصدمته بواقع مدمر متشظي .. غير أمن وقلق مؤكد ستؤثر في أعماق الشاعر , فالحزن هو قيمة من القيم العليا لإنسانيتنا العميقة .

كيف سيغير هذا الدمار لحالة جمالية يتوخاها , لكنه لا يملك طاقة سحرية تحول الكون كما أنتظر أن يكون ، من هنا مؤكد سيركض الحزن لداخل قلبه ، فرؤية كل تلك الدماء المسفوكة , ذاك السلب للحياة من حوله، كل ذاك لابد أن يجعل داخله يعكس الواقع بقصيدة تصف الحال الشعوري الداخلي متأثرا بواقع صادم , وتصف ما ألفاه حوله هذا هو الشاعر المتأمل حين يلمس الكون داخله ، أنها رؤية فلسفية بعيدة توظف الرمز بحالة قصوى من المعنى لتصوير حالة شعورية تغطي مساحة كبيرة في الداخل , تتماوج ما بين داخل مشتعل وخارج مستعر .

في المقطع الثالث يقول ..
( ” و حينما عاوده الوهم ,
أطلّ إطلالة ثالثة ،
حينها رأى أرواحاً هزيلة و عقولاً مظلمة ،
فتلاشى بهدوء . )
عاوده الوهم , يستفزّه لينظر مرة ثالثة لواقع كسر داخله , هو يريد أن يتأكّد مما رآه ، هل هذا حقا ما يحدث ؟ أنها صدمة المتلقي الكبرى ، صدمة العقل والقلب معا ً , التي تجعل الشاعر يرفض تصديق ما وجده , فيريد التأكد مما ألفاه ، فأطل إطلالة ثالثة وهذه المرة رأى أرواحا هزيلة ، الصورة الشعرية عميقة للغاية فلسفتها الدينية من الرموز المحفوظة في الداخل , رسمت الصورة ومنحتها البعد الدلالي ، هو رأى من الناس أرواحهم ، الصورة هنا مفتوحة التأويل , قد تكون أرواحا هزلت من تعب الواقع الدموي المضني , وقد تكون أرواحاً انساقت خلف الظلال والطغيان ,وحملت في رؤوسها فكراً أسوداً لا يرى بغير الطغيان و التدمير والقتل طريقاً للحياة
لا شيء يدعوه للبقاء , لا شيء يشعل قناديلا في ظلمة الواقع حوله , لا شيء يبشر بغد من سلام ، هذا كله جعله كطيف يتلاشى .. جمالية الصورة أعطتها صوفية دينية كطيف يحضر من عالم آخر , لا يعجبه ما يرى فيتلاشى كخيوط من دخان .

الصورة وقعها في النفس عميق يهز وجداننا بقوة , هو رفض كلي للواقع الركام ، النفوس النيرة ترفض الواقع الأسود , المثقل بالدمار والموت والخراب والحزن , وبكل ما يحطم الجمال الإنساني والمعنوي داخلنا ..
في المقطع الأخير , هي تضادات معنوية ومادية بين ما يرزخ داخل قلب الشاعر وخياله وبين الواقع ، يتابع في لوحة تصويرية كلية , لحال ذاك الذي أفاق من غفوته :

( و لجأ الى كهف يبكي وحده ،
على النقاء الغريب ،
على القلب الغريب .
هناك وحده ينتظر حياة أخرى ،
يرقب جيلا يأتي ،
جيلا يعرفه )
عاد من جديد لكهفه يبكي , حالة شعورية قصوى من الغضب
عجز عن تغيير الواقع صدمة لم تكن بالحسبان , تراجع كرد فعل وراح في نوبة بكاء .. إنه الإنسان فينا حين يكون حزنه عظيماً تنهمر دموعه غضبا مجلجاً يغسل ما أثقل الروح.

لكنه على ماذا بكى ؟ .. إيحائية ورمزية تتوهج لتعطينا بعدا شعريا فلسفيا آخر ، هو بكى على نقاء فقد من قلوب البشر وكأنه يأتي هذا النقاء غريباً ويعيش غريباً ويرحل غريباً , صارت القلوب دياجي تتلقفها دياجي أنه النقاء للقلب المغمور بالنور . أحد الرموز العليا للخير في قلب الإنسانية .. رمز معنوي يرفض حالة واقعية موحشة ، ” القلب ” أن الرمز هنا محسوس لا ملموس لكن منشأه داخل الإنسان والذي يهب لهذا الكون هذه الصفة الرائعة , هو قيمة عليا في القلوب الخيرة تنعكس على الكون فتحيله جمالاً للحياة ، لقد بكى على قلبه وعلى كل قلب , كقلبه يأتي لهذا الكون ويستشعر بعدم انتمائه لكون يلفه ركام من الخرائب الإنسانية . تدمير لكل قيمة جمالية ومعنوية عليا ، في النهاية قرر البقاء في كهفه ينتظر .. جيلاً يعرف الحق ويؤمن به طريقا للحياة يعرف الخير ويمده مسافات لها ، يعرف كل القيم النبيلة التي تعيش داخل الشاعر , وداخل كل إنسان يؤمن بأن الحياة يجب أن تسودها الفضائل الإنسانية ويسوده النور

فهذا الجيل ذو القلوب الداكنة المظلمة , قلوب ابتعدت عن الفضيلة والحق ، لا دخل له بها
وهو بالتالي لا ينتمي إليها ولا يعرفها , ومن هنا أتى شعوره بالغربة .

نرى أن مجازات الشاعر استخدمت صورا معنوية تحتوي على قيم عليا , استطاعت بشكل شاسع أن تستجمع دفقه الشعوري الداخلي وتصبه في تكثيف لغوي كبير جدا و رشيق وسلسل وبنفس الوقت حمل الرمز الإيحائي الفلسفي الكبير لإعطاء المعنى أبعادا آخرى تفتح آفاقا شاسعة للمتلقي . فتحيّة لروعة الشعرية .

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.