شعرية الإيقاع في قصيدة البيت

شعر عبد الحميد بريك نموذجا

بقلم الأستاذ: أحمد المباركي /تونس

المقدمة:

” الشعر جنس أدبي ليس كباقي الأجناس الأدبية الأخرى، عبر مساره التاريخي تربع على صهوة لسان حال الأمم و الأقطار الكونية و استطاع اختراق طروحات فكرية و ثقافية و إنسانية معانقا المعاصرة و الحداثة متأبطا رؤى الجمالية والفلسفة المشبعة بروح الشعر و الأصالة معا…” هكذا يعرف الدكتور المغربي ” عبد السلام فزازي” الشعر ذات ندوة بمهرجان الجريد التونسي بتاريخ ديسمبر 2013 و من هذا المنطلق نتبين عسر الإمساك بتعريف دقيق للشعر فلئن رآه النقاد القدامى “كلاما موززنا مقفى دالا على معنى”و رآه الناقد الفرنسي ” رولان بارت”: درجة ثانية من الكتابة لما يتضمنه من ترانيم و أخيلة /معنى المعنى حسب تعبير “عبد القاهر الجرجاني” و لعله احتفال مهيب يجمع “المغاني و المعاني” حسب الأستاذ التونسي “توفيق بكار” فليس من عجب أن تتحير فيه عقول الدارسين لما يتضمنه من كنوز كل يقتطف منها ما يبهره و “الشعر التونسي” في هذه الألفية الثالثة قليل التناول و المقاربة مقارنة بالمدونات السردية لابراهيم الدرغوثي مثلا بل لا غرابة في احتفال دارسين تونسيين كثر بتجارب عربية غير تونسية لشعراء أمثال ( محمود درويش و سميح القاسم الفلسطينيين و أدونيس السوري و بخيت المصري …) فكانت القراءات المعانقة لشعر التونسيين شحيحة لاتظهر دررنا للقراء في العالم العربي و ما زاد الأمر تفاقما استنكاف الدارسين من تجارب ” نساج قصيدة البيت ” فمن هذه الزاوية انطلقت مقاربتنا -هذه- جريئة علها تضيء بعض ما تعتم و تكشف ما يروم البعض حجبه بدعوى الحداثة وانقراض عصر”الشعر

العمودي” وآثرت تناول تجربة الشاعر التونسي عبد الحميد بريك الذي يعد و إخوانه من الرافعين لواء “قصيدة البيت “في تونس وآثرت التوقف عند سباحته نغما…

أفليس الشعر – على الأشهر – رحلة إيقاعية خيالية ممتعة ؟؟ فإلى مفهوم الإيقاع.

I- في مفهوم الإيقاع

يرى الأستاذ الباحث التونسي “رضا الابيض” أن الإيقاع ” ظاهرة قديمة انتبه إليها الإنسان في الطبيعة ( تعاقب الليل و النهار ) و في نفسه ( نبضات القلب ) و ذهب “بنفنيست” إلى أن الإيقاع في التصور الأوروبي التقليدي استعير من الحركة المنتظمة للأمواج و لغة الإيقاع من الجذر( و/ ق /ع ) و من معانيه” اتفاق الاصوات و توقيعها في الغناء(انظر المعجم الوسيط) و جاء في “المعجم الفلسفي” أنه هو الجانب الموسيقي في الشعر و يعرفه لاروس/ larouss ::هو اطرادالفترات الزمانية التي يقبع فيها أداء صوتي ما بحيث يكون لهذا الأداء أثر سار للنفس لدى سماعه “إذن للإيقاع معنى عام (الطبيعة والإنسان) و معنى مخصوص يشمل جميع الفنون السمعية و حتى البصرية و لعله أهمها الرقص و الغناء… و الشعر الذي يقوم على تناوب العناصر المتشابهة :الأصوات ،الألفاظ، التراكيب ، الصور …و عليه فإن الإيقاع في الشعر نوعان :: خارجي (الوزن والقافية و الروي ) و داخلي يمثل مجال إبداع و تميز لأنه يقوم على تصريف مخصوص للمشترك ، و الإيقاع في رأي أغلب الدارسين و منهم “جون كوهين” ليس مجرد حلية أو زينة ،بل هو أداة فعالة في خلق المعنى. و يجمع الدارسون اليوم على أن “الإيقاع أشمل من الوزن” و أنه ليس خصيصة للشعر بل قد يكون من سمات النثر و أن الوزن وحده لا ينشئ خطابا شعريا و إذا كان الوزن صارما باعتباره تطبيقا لقواعد فإن الإيقاع يظل في جانب منه إحساسا يشترك الباث والمتلقي في حصوله..

II – في شعرية الإيقاع عند عبد الحميد بريك

و إذا كان” الإيقاع غير الوزن” فإننا نسير في ركاب الباحث التونسي “حافظ محفوظ” حين صدح مرارا بأن “الوزن لا يصنع الشعر” و هو عند اليونانيين “الجريان و التدفق” فهو ” خطوط عمودية ترسم على خط الزمن الأفقي باعتباره” حركة تقطع الزمن الذي عليه الكلام” و يقول “بول فاليري” أنه وجد عشرين تعريفا له و لكن يظل زئبقيا و لعلي أميل إلى تصنيف مستوياته مع الباحث “نديم دانيال الوزة” في مقال له بعنوان ” مدخل إلى مفهوم الإيقاع الداخلي للشعر” فيراه متشظيا إلى الابعاد التالية : البنية النظمية -البنية البلاغية – البنية الدلالية- البنية المرئية) و وفق هذه الابعاد سأتناول الايقاع في تجربة الشاعر التونسي ” عبد الحميد بريك ” و هو شاعر تونسي ناسج ملاحم احتفت بها الجرائد التونسية و العربية هذه السنوات الاخيرة و هو أيضا مؤسس لأكثر من عقد الملتقى الوطني للشعر العمودي الذي تحول إلى عربي ..له باكورة دواوينه : “غربة و غرابة ” و قد صدر 2007 عن ” دار الأخلاء التونسية في طبعته الاولى و قد ضم 35 قصيدة زاهيات.

(أ)الايقاع باعتباره بنية نظمية:

يحتفي الشاعر التونسي “عبد الحميد بريك” بقصيدة البيت/القصيدة العمودية الخليلية و يفاخر بها وسط الجموع و التيارات الزاحفة و التي تعلن أغلبها انتهاء الشعر التقليدي الفراهيدي بقدوم كتائب شعراء الحداثة من قصائد التفعيلة إلى النص الإبداعي أو القصيدة النثرية حسب قولهم إلى قصائد الومضة إلى الهايكو الياباني … و إذا ما تأملنا البحور التي تعانق قصائد شاعرنا نتبين احتفاءه بصنفين :: بحور الفرسان المناسبة لجليل المعاني و المناسبات و ما اوفرها عند مبدعنا!! فنرى “الكامل” قد احتل الصدارة ففي “غربة و غرابة”سبعة نصوص و ستة ما بعده و يليه بحر”البسيط” بسبع قصائد في كتابه و ثلاث بعده و الصنف الثاني بحور نغمية أساسا أبرزها (المتقارب و الرمل و المحدث و الرجز) و من هذه الزاوية -زاوية الايقاع الخارجي أساسا – نكتشف أن شاعرنا ميال إلى البحور الوافرة النغمة المؤاتية لإبراز جليل

القضايا و أشد الحرائق الملاصقة للواقع العربي الراهن..و يمكن أن نؤكد احتفاء مبدعنا بالبحور التامة تقريبا بعيدا عن المجزوءة و المشطورة و المنهوكة و كما أنه ميال إلى المطولات متأثرا بالمعلقات الجاهليات التي يراها أيقونة الشعر العربي باعتبارها الجذور /المنبع/الهوية /الأصالة/الأمجاد..و يمكن ان نلمح استقطابه لقواف رقراقة جذابة متوسطة الشيوع كالفاء في قصيدته ( أريد شمسا- هم على الصدر ) أو نادرة الشيوع مثل ضاديته و زائيته (ارجع إليك- فوضى) و الأروية المعتمدة متنوعة أبرزها ( السين – الفاء – الباء- الهمزة- القاف- الميم – النون- الزاي- الضاد- الثاء- الجيم- اللام ) و نراه في القصائد الأخيرة ميالا إلى ربط حرف روي ابياته بحرف الهاء (طرازها- عباسها-هطولها- صمته- أوراقها) و البحور ميالة إلى التامة بعيدة عن الزحافات الغريبة و العلل المستهجنة.. و من زاوية الايقاع الداخلي ففي المتقارب مثلا في قصيدته ( غربة و غرابة ) نجد علة البحر ( فعول- مقطع قصير مع مقطع متناهي الطول ) وفي قصيدته الشهيرة ( لحن و ذكرى) العلة ( فعو + مقطع قصير + مقطع طويل/إنقاص مقطع طويل) و في بحر الكامل في نصوصه ( أترى نصدقهم +غربة+ فوضى +طلاق+ ارجع إليك ) يجمع بين البحر سالما من العلة و بين علله المألوفة ( متفاعل + متفاعل/بتسكين التاء وفتحها) و في ” البسيط” نتبينه ملتزما – نغما- بالعلة التالية ( فعلن/بكسر العين) و في كل ذلك تطريب للمتلقي و تحقيق لمتعة وفيرة ..كما نلمح شاعرنا حائدا عن” التدوير” و هو انفلاق الكلمة إلى كل من الصدر و العجز فقلما تتراءى لدينا هذه الظاهرة الإيقاعية لعله هتاف في ذلك بانفصال الصدر عن العجز و استقلالية البيت نغما ..فإذا القصيدة من هذه الزاوية حلقات مترابطة متباعدة أو هي مواويل تتصادى أشبه بمواكب من الحداء تتلاحق إمتاعا للسامعين و أكرم به من إمتاع!!!

وأما الاروية فمتعددة تقريبا أغلب الحروف الألفبائية استوعبت كنوع من الإعجاز و الإمتاع الصوتي لتنوع الموسيقى كما نجد تنوعا في حركة الروي: السين الساكنة في قصيدة ( لحن و ذكرى) مثلا و الضمة في ( كوني التي لا شيء يشبهها+ صراع+ أريد أمسا) و الفتحة في ( أترى نصدقهم+ الصبح آت + همّ على

الصدر+ فوضى+ غربة…) و عليه نجد شاعرنا التونسي متعقبا القواقي المفتوحة التي احتلت اكثر من نصف إبداعاته ثم تليها المضمومة لعله تواق إلى النغمة المتصادية التي تترك صدى عند المتلقي و الأروية التي تزينها الفتحة أبلغ و كثر تطريبا للقارئ حتى قديما ( انظر وقع معلقة عمرو بن كلثوم في قبيلته تغلب”ألا هبي بصحنك فاصبحينا+ و قصيدة بشار: “و ذات دل كأن البدر صوتها ++ باتت تغني عميد القلب سكرانا…) فشاعرنا عاشق للإشباع حد الشغف نافر من الاروية المكسورة فانعدمت أو كادت في ما جاد به علينا من أطايب أبياته ما خلا مقطوعته (إرهاب). إذا نبشنا – في قراءة أركيولوجية – في الإيقاع الداخلي في نصوص الشاعر التونسي ” عبد الحميد بريك ” و يمكن لملمته في جداول ثلاثة ( التكرار الصوتي + التكرار اللفظي + الموازنة ) .

١- التكرار الصوتي :

يحتفي الشاعر بحروف مجهورة شديدة توافق إنشاده و تروم إمتاعه و إسعاده..ففي نصه ” لحن وذكرى” الوارد في ديوانه البكر ” غربة و غرابة ” نتأمله شغوفا بحرف ” السين ” فتتالت قريبا من خمسين مرة وتوزعت كما يلي: البيت الاول: واحدة بالصدر و اثنان بالعجز/البيت الثاني : اثنان بالصدر و واحدة بالعجز /البيت الثالث: لا سين في الصدر واثنان بالعجز السابع : اثنان بالصدر و اثنان بالعجز ..كذلك يحتفي بحروف الصفير ( السين+ الصاد + الزاي ) في الأعجاز أكثر من الصدور و يتجلى ذلك في البيت(17 ): “وفي البال مازال صوت أبي +++ يرن بسمعي رنين الجرس”..و في قصيدته “الصبح آت ” تتراكم حروف الصفير أيضا لأكثر من ستين مرة رغبة في التنغيم و جعل النص مموسقا منشدا يقول في البيت الثاني :

” قوموا لتقتبسوا من نور من سبقوا +++ أو ربما تركوا من نارهم قبسا “

.. و في نصه ( فوضى ) يتراءى لنا طوفان من النغم في أعلاه الزاي و أخواتها الصاد و السين و أقوى الحروف المفخمة في اللغة العربية ” الضاد ” و قد تعاقبت سبع مرات فرغبة شاعرنا التونسي في التنغيم استجلبت بل عانقت حروفا بعينها تطريبا للأسماع و من هنا كانت أبياته جوقة مفعمة بالإيقاع بالحروف الرنانة و الطنانة فلا نجد صاحب الابيات محتفيا بالحروف المهموسة إيمانا منه بصولة الحرف الجهير و قدرته على إيقاظ الأمة و تحريك وجدانها و إمتاعها.

٢- التكرار اللفظي :

وهو مسهم بدوره في مموسقة القصيدة و إثراء أنغامها ففي “لحن و ذكرى” نتبين الافعال المقفاة بحرف السين ( أحس+ حبس+ خرس+ انعكس+ يئس+ جلس + لبس+ نبس+ اختلس…) إن الأفعال كرنفال من الأنغام خاصة أنها منتهية بنفس الحرف أو متقاربة وزنا/صيغة صرفية/أفعال ماضية ترمز إلى خلود الإيقاع متحديا صولات الأمكنة و حدثان الأزمان يقول شاعرنا :

” و حيث أولي فوجه أبي +++ و لحن من الناي عذب سلس “

و نجد أيضا كلمات مثل( مازال+ أبي) مكرورة لغاية نفسية و نغمية أيضا.. و في نصه ” الصبح آت ” تتالت ألفاظ من قبيل ( قالوا) تسع مرات تقريبا و( قوموا ) أربع مرات و كلمات تحتفي بحرف “القاف” :(الصدق+أعماق+ القهر+ قاطبة+ قدم + القنوط+ قبسا+ القول+ مقالتهم+ القطر + قصائدنا ) كما نلمح انطلاقة الأبيات بلوازم شعرية ففي نفس القصيدة- الصبح آت- كلمة ” الصبح “في مستهل الابيات الاولى و الرابعة و العشرين و الأخيرة و أفعال في صيغة الأمر ( قوموا+ ضخي + ولترفعي + و ليسألوا) فهذه اللازمة الشعرية محققة لنغمية ثرة ثرية كما لا يخفى على أحد.

٣- الموازنة:

و المقصود بها التساوي بين الكلمات صرفيا و كميا .يقول ابن الأثير في الموازنة في كتابه ” المثل السائر ف أدب الكاتب و الشاعر ” :” الموازنة هي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية

في الوزن ” كأن تتساوى الكلمات أو الجمل… كأن تقول الخنساء : هباط أودية- شهاد أندية – حمال ألوية ” .. يقول شاعرنا :

” ومازال في الناي دفء و همس +++ و مازال فيه شعور و حس”

و قد نجد مراوحة بين الإثبات و النفي كما في قصيدة ” صراع” و مهما يكن من الأمر فقد تتساوى عدد كلمات الجمل كما في ” الصبح آت” ( قالوا و قالوا ) أو الجمل المنفية ( و لاتمعر…و لااكفهر) أو الجمل المتساوية في الوظائف النحوية ( قوموا لتقتبسوا- قوموا لنلجم – قوموا لتغرس…) أو الجمل الإسمية المركبة و تركيبتها ( مبتدأ + ظرف مكان + خبر) مثل ما بثه الشاعر التونسي عبد الحميد بريك في نصه ” هم على الصدر ” : أهلي هناك بأرض الله…+ أهلي هناك غدوا…) أو جمل إسمية مسبوقة بناسخ فعلي : مازالت الريح..+ مازلت أسمع..+ مازلت ألمح..) فشاعرنا يخلق موازنات خاصة قوامها تكرار تركيبة الجمل أو نوعها أو تساوي عدد كلماتها ..و كل ذلك يحدث تنغيما مبهرا ثريا.

و قصارى ما نصل إليه في “الإيقاع باعتباره بنية نظمية” أنه متجاوز الوزن – كما أشرنا إلى ذلك سلفا- و يراه النقاد المعاصرين – حسب الأستاذ: نديم دانيال الوزة- متشظيا إلى ثلاث مستويات: (الإيقاع الكمي+ الإيقاع الكيفي – مستوى التنغيم ) و المستوى الأخير يعتمد على أصوات الجمل من صعود و انحدار و ما شابه.

ب- الإيقاع باعتباره بنية بلاغية:

في الواقع يعتمد معظم النقاد هذا المستوى للدلالة على الإيقاع الداخلي ،و ربما هذا ما جعل الدكتور :نعيم اليافي يعتبر الوزن أساسه الكلمة، بينما الإيقاع أساسه الجملة أو الوحدة ،و إذا كان من المسلم به أن اعتبار” اليافي” صحيح فإن اعتبار هذا المستوى وحده بمثابة الإيقاع الداخلي للشعر مطلقا قد لا يكون دقيقا لسببين : ١- الأول : اتفاق معظم النقاد على أن الإيقاع شيء من طبيعة اللغة عامة،فهو خاصية نثرية ( انظر مثلا المقامات و كتابات المنفلوطي و جبران…) و شعرية عامة. ٢- الثاني : أن هذا

المستوى يتضمن مستويين متمايزين أيضا هما : أ- المستوى الصوتي كالجناس و التكرارات بشكل عام. ب- المستوى الدلالي : كالطباق و التقديم و التأخير النحوي و ما إلى ذلك..و ذاك لعمري كاف لرفض مقولة البلاغيين التقليدية التي تعتبر أن الإيقاع الداخلي أو الموسيقى المهموسة أو التي تعتمد على التجانس بين الحروف في الكلمة ،أو الانسجام بين الكلمات في الجملة – ليس لأن ما توقف عنده النقاد القدامى من عيوب يروق لي الآن،و إنما لأن التنافر في حد ذاته صار خاصية إيقاعية قد تكون جميلة إذا ما كانت تلبي ضرورة شعرية كما هي الحال في الكثير من إبداعات الشعر الحديث هذا مجمل ما ذهب إليه الاستاذ : ” نديم دانيال الوزة” ..فما تجليات الإيقاع بلاغيا عند الشاعر التونسي “عبد الحميد بريك” ؟؟

ففي الجناس – مثلا- يقول شاعرنا في قصيدته” هم على الصدر” بالبيت الخامس عشر:

كل له صحف حبلى بواطنه +++ جلت صحائفه أن تشبه الصحفا فكلمة “صحف” مختلفة معانيها و اتحدت حروفها و تماهت فالصحف الأولى مدنسة و الثانية مقدسة..و يقول أيضا ملاعبا الحروف باطراد معكوس لفظا لا معنى ويظهر ذلك في نصه ” الصبح آت في البيت الثاني”: قوموا لتقتبسوا من نور من سبقوا +++ أو ربما تركوا من نارهم قبسا.. فالكلمتان ( سبقوا- قبسا) لهما نفس الحروف و إن وردتا بصورة عكسية..و هي من الجناسات في إبداعات شاعرنا ..و قد نتبين الإيقاع بلاغيا من خلال الطباق ( الكلمات المختلفة في المعاني ) يقول الشاعر في ” لحن و ذكرى ” : استنطق حبس/ – ينير طمس/- الرماد قبس/ مات يعيش/ البعد اقترابا/ الضياء الغلس/ أقام جلس/ – أبي أمي/ سيرة دنس …) و نلمح شاعرنا محتفيا بالأضداد موميا إلى الصراع بينه و بين التحديات الاجتماعية و الحضارية عموما و مشيرا – في غير مواربة- إلى النطاح العنيف بين دعاة التغريب و الاستخراب و بين الأحرار المخلصين للأمة و هويتها..و يتجلى الإيقاع

بلاغيا في كيفية انتشار التشابيه والاستعارات و مثال ذلك في ” الصبح آت” في تتالي الاستعارات النور يطرد الغلس- نلجم أفواها- سياط الخوف- غليظ القول- تغرس أيدينا كرامتنا-جندا من حمائمنا- قدم التاريخ- جوف صومعة- المجد حبس) و كل ذلك يخلق إيقاعا متخيلا قوامه ” أنسنة الجوامد” أو تحويل المعنوي إلى محسوس لغاية إبلاغية أساسا.

و في قصيدة ” غربة ” نجد سمفونية بلاغية دعائمها ” الرموز” و مرجعياتها الفرقان العظيم و قصص الأنبياء خاصة من خلال استمطار( يوسف الصديق- زليخة- العجاف) و قصة موسى الكليم عليه السلام و قد نجد التاريخ الأدبي في ذكر سجل الشعراء و قصص شياطينهم ( الأعشى- امرئ القيس/ مسحل و هبيد ) فهذه النمنمات البلاغية صنعت ترنيمة غير مألوفة متجاوزة المعنى إلى ” معنى المعنى” حسب تعبير الجرجاني في ” أسرار البلاغة”.. قد أسس شاعرنا لنغمية مخصوصة ماتحة من القصص القرآني و التاريخ الأدبي مؤسسة لواقع أفضل /الحلم /المشتهى أي ما يرغب الشاعرفي أن يكون..

و عليه يظل الإيقاع باعتباره بنية بلاغية باحثا في طرائق إيراد الصور و ترتيبها و لابد من الإشارة بأن الشاعر التونسي:”عبد الحميد بريك ” ينتصر للاستعارة التي تجمع العوالم المتنافرة أو تنحو نحو ” أنسنة الجوامد” أو تحويل المعنوي إلى حسي لغايات إبلاغية و جمالية ماتحا من الموروث الديني و الأدبي فلا تسير استعاراته في طرائق ملغومة و سبل ضبابية كالشعراء الذين ينتصرون ” للحداثة “التي تنهل من تجارب الغرب أو الشرق كالهايكو الياباني مثلا .فلا يميل إلى الغموض لأنه ينتصر للشعر “رسالة” و للشاعر ” نيبا” مثل الشاعر ابن بلده ” أبي القاسم الشابي ” في قوله على بحر “الخفيف” : :

(( فهو في مذهب الحياة نبي +++ و هو في شعبه مصاب بمس )).

ج- الإيقاع باعتباره بنية دلالية :

بداية إن إفراد بنية دلالية للإيقاع لايعني بحال من الأحوال أن المستويين السابقين -النظم و البلاغة- خاليان من الدلالة و إلا تحول الكلام إلى لغو و إنما لكي تدل على علاقات صوتية أو بلاغية بل على

علاقات دلالية مثل ” العقدة و الحل”أو ” التقابلات و التضادات و ما ينتج عنها من توازيات أو حلول جدلية .. و من هذا المنطلق نلفي الشاعر التونسي ” عبد الحميد بريك ” مؤسسا في كل نصوصه أو أغلبها لعلاقة تصادمية

و مثال جلي على ذلك قصيدته التي اتخذت ” الكامل” بحرا ” و ” السين” رويا ” و عنوانها” أترى نصدقهم؟”:

عبثا أعلله الفؤاد بوردة +++ و قصيدة قد أعلنت إفلاسها

و لكم سكبت الحزن فوق بياضها +++ و النار مني أججت أنفاسها

جسد القصيدة لم يعد ليثيرني +++ لما ادعى ذاك الغريب مساسها

يا قرية عطشى و كل سحابة +++ يتحالفون ليقطعوا نسناسها

و أبو نواس و الندامى حوله +++ باسم الحداثة كفروا عباسها

و دماء عثمان تباع وتشترى +++ و ضمائر سفها شرت نخاسها

هم جوعوا قاروننا حتى انحنى +++ ليد له مدت رغيفا باسها

هم حرفوا القرآن في أعماقنا +++ من كل نفس أيقظوا نسناسها

هم أسكنوا قابيل بين ضلوعنا +++ من كل روح أخرجوا إلياسها

من هذه الزاوية تتراءى لنا الثنائيات ( الشاعر + هم/القصيدة + اللاقصيدة/القرآن+ الخناس/ قابيل+ إلياس/ العطش+ السحابة/ دماء عثمان و الضمائر+ النخاسة/ جسد القصيدة+ عزوف الشاعر …) هي مؤسسة لتضادات و صراعات دامية لاتخلو منها قصيدة من قصائد عبد الحميد بريك و هذه الأضداد إيقاع دلالي مكرور حتى بات من أبرز تيمات شاعرنا و من السمات المهيمنة التي لا تغيب شمسها و لا تنطفئ حرائقها في نصوصه تلهب قارئه كما تلهبه سياط عذاباتها في رحلة دلالية ممتعة تتزيى بأزياء متباينة و لكن الهيكل واحد في كل ترانيمه الشعرية في ديوانه البكر ” غربة و غرابة ” و ما بعده من قصائده العصماء.

د- الإيقاع باعتباره بنية مرئية :

ربما يكون توزيع الكلام في القصيدة العمودية /الخليلية إلى شطرين هو نتيجة حتمية لطبيعة الأوزان التي تنظمه مما يجعل القول في تقصد هذا التشطير كحاجة إيقاعية مرئية أقرب إلى التلفيق منه إلى طبيعة الأشياء ،و مع ذلك يمكن أن يعتبر ذلك و لاسيما بالمقارنة مع الأجناس الأدبية المعروفة إحدى السمات العفوية للإيقاع البصري و في العصر الحديث و مع تطور إيقاعات الشعر و تنامي العلاقات بين الأجناس الأدبية و الفنية بدأ الشعر يستفيد من أشكال الإبداعات الأخرى بما فيها الرموز و العلامات الرياضية ليظهر نوع جديد من الإيقاع /الإيقاع البصري/لعبة البياض و السواد و قد برز جليا في القصيدة /اللوحة و القصيدة /الصورة و القصيدة /التمثال..فالإيقاع المرئي يعتمد أساسا على ترك فراغات بيضاء بين السطور ثم انتقل إلى استخدام الرموز و العلامات العلمية و خاصة الأشكال الهندسيةليظهر نوع جديد من الإيقاع.. و قصيدة البيت لم تهتم – عند أغلب ناسجيها – بالإيقاع البصري فتظل محاولات أصحابها نادرة و ربما يقصد بها الترف الفني لا أكثر حسب الرأي الغالب و لكن لا يختلف اثنان في أنها قائمة على نظام التشطير و هو نظام بصري بلا شك و لعله مستمد من رحلة “العربي ” في الصحراء بانيا خيامه حالة استقراره مثبتا أوتاده مواجها الزعازع العاتية متخذا أسبابا/أسباب إقامته في البيوت فإذا اليعربي منتقل من بيت إلى بيت و من تغريدة إلى أخرى مراوحا بين الإقامة و الرحيل بين الاستراحة و الكدح كما يراوح شاعرنا التونسي “عبد الحميد بريك” بين الكتابة و البياض ففي الكتابة حياة و في البياض فناء و ما تعبئة أبياته و تنشئة صدور و أعجاز إلا بث الحياة في النفوس أو

بعث للإنسان بعثا جديدا و هل عجيب أن يصر شاعرنا على ملء الفراغ لرغبة شديدة تسكن جوانحه تدعوه إلى التمسك بالحياة قبال العدم و الفناء؟ و هذه الرغبة النفسية تخلق إيقاعا بصريا موميا إلى ثنائية الوجود و العدم /الحياة و الموت..

و ما استقلالية الأبيات تركيبيا إلا مظهر من مظاهر استقلاليتها مرئيا..و عمليا نلاحظ استعمال الشاعر النقطتين المتعاقتين(..) وهي تحيل على رغبة المتكلم على حذف كلام يجب على القارئ أن يتبينه و هو مسلك ينتهجه شاعرنا عن وعي يقول في نصه ” لحن و ذكرى” على وتيرة المتقارب في البيت الخامس عشر:

و استرجع الدفء.. دفء أبي +++ و همسا طويلا به قد همس

و قد يتوسل الشاعر ” عبد الحميد بريك” بالفاصلة ( ، ) و هي بمثابة استراحة زمنية و نفسية قد تفصل- عن وعي- بين موقفين متباينين متضادين أو بين أزمنة متباعدة كما في بيتيه السابع عشر و الثامن عشر من نفس القصيدة :

يقولون مات،أقول يعيش +++ و يجري من النفس مجرى النفس

ليال،شـــــهور،ســــنون توالــت +++ و دهر أراد سلوي يئس

و قد يتوسل شاعرنا ليفصل بين صدوره و أعجازه بنجمات أربع ( **** ) كما في نصه “غربة” و قد تبختر في إيقاع ” الكامل ” :

يا يوسف الصديق أدرك غربتي **** السجن صار من القصيد أحبا

و النجمات الأربع إيقاع بصري و برزخ بين الصدر و العجز هو جسر بينهما لغاية جمالية و بلاغية . وعموما تبدى الإيقاع ممراحا رقراقا دالا على وعي الشاعر بقيمته في صناعة أيقونة شعرية رائقة فحرص شاعرنا على الاعتناء به بالاعتكاف عند البحور النغمية /متحدة التفعيلة كالكامل و المتقارب أو عند بحر

خاض فيه فرسان القوافي و استخرجوا درره و هو بحر ” البسيط ” أساسا /مزدوج التفعيلة نهجا منيرا للمعاني الباذخة و القضايا الحارقة على أني أرى أن الشاعر التونسي ” عبد الحميد بريك ” في حفظه لقصائده و حضوره الركحي المتميز و إتقانه للغة الضاد نحوا و مخاطبة و عشقه للحروف الطنانة المجهورة خاصة كل ذلك جعل من إيقاعات قصائده ممتعة تكاد تذهب بالألباب.

الخاتمة

تناولت في هذه الورقة النقدية التي بين أيديكم مسألة “الإيقاع” و بينت تجاوزه للوزن و تشظيه إلى أربعة شعب (( النظم – البلاغة – الدلالة – الايقاع المرئي )) و أبرزت قيمته في الشعر و أكدت مدى احتفاء ” قصيدة البيت” به أكثر من غيرها..فهل عجيب بعد ذلك أن يهتم به النقاد فتناول الاستاذ “توفيق بكار ” مسألة “المغنى” في القصائد القديمة و مازال النقاد العرب و الغربيين ينبشون في جمالياته ؟؟؟ .. و هل عجيب أيضا أن ينبهر ” أنسي الحاج ” أحد أبرز رواد “قصيدة النثر” باكتناز الاشعار العمودية بإيقاعات ثرة ثرية في قوله :” ستظل الاوزان المعروفة مرغوبة لأن إيقاعاتها استراحة للوجدان و نزهة راقصة للذاكرة و القلب، و لأن في إتقانها براعة تنتزع الإعجاب و كم يحتاج الانسان الى الإعجاب بما لا يستطيعه شخصيا ، ففي هذا ما يريحه في مقعد التلقي يطربه و يهدهده و يحمله على أجنحة النغم السائغ إلى الضفاف الهنيئة .. ستظل الأوزان مرغوبة و قبلة أسماع الكثيرين و ربما الأكثرية،بمن فيهم أحيانا العديد من شعراء النثر ستظل ما دامت الحاجة إلى الرقص المضبوط الإيقاع حاجة للذاكرة و الحواس كما هي حاجة للجسد بأعضائه جميعا )) .(أنظر مقدمة مشكاة الروح )

و عليه كان الشاعر التونسي ” عبد الحميد بريك ” محتفيا بالإيقاع لا في اختياره للبحور الغنية بالنغم فحسب بل في ترتيب بيته داخليا من خلال تصادي الأصوات المجهورة و تتالي الحركات الموحدة و ما تحققه من لذة فنية كما في قصيدته ( أترى نصدقهم ) فرغم طولها نسبيا- في ستين بيت تقريبا – إلا أن سباحته نغميا ممتعة لا يشعر متلقيها بالكلال كما لا نخفي احتفاءه بالجناس و الموازنة و المطابقة و المقابلة و تتعاقب الاستعارات التي تضوع بها أبياته كل ذلك أسهم في تبدي الإيقاعات في حلل سندسية سنية تخلب الافئدة و تبهر العقول و الشاعر قادر على استمطار أنواء أخرى من النغمات تحول نصوصه إلى ملاحم إيقاعية كالأوديسا أو الإلياذة اليونانيتين فلله دره قائلا على وتيرة الكامل في زائية قل نظيرها بهاء و نغمة متحديا الفوضى بالشعر المموسق الأصيل:

و أكاد أذهبني عليها حسرة +++ ضاد أضاعت في الزحام طرازها

ضاد يضاجعها الخصي و نرتجي +++ نسلا يعز الأولين عزازها

هي قسمة ضيزى فكيف نجيزها +++ لا خير فيمن ضازها و أجازها

يا صاح فوضى تستخف عقولهم +++ فتوهمت في عجزها إعجازها

و تسورت محراب كل كبيرة +++ فوضى الرداءة باركت إنجازها

و تطاولت في الناس تبرز قامة +++ يا ليتها ما حاولت إبرازها .

توزر في:20 جويلية 2016

المصادر و المراجع

١- عبد الحميد بريك:ديوان غربة و غرابة – دار الأخلاء- ط١ -2007

٢- قصائد عبدالحميد بريك: لحن و ذكرى- أترى نصدقهم- وهم – إرهاب – طلاق – الصبح آت- هم على الصدر – كوني التي لا شيء يشبهها – غربة – فوضى- إرجع إليك.

٣- حافظ محفوظ : مقدمة في تعريف الإيقاع – الشروق – 8 جوان 2005

٤- نديم دانيال الوزة : مدخل إلى مفهوم الإيقاع الداخلي للشعر- مقال الكتروني.

٥- الاستاذ: رضا الابيض – تعريف الإيقاع – حوار الكتروني.

٦- الأديب : محمد بوحوش- مقدمة ديوان ” مشكاة الروح ” للشاعر التونسي “أحمد المباركي” .

٧ – الدكتور المغربي : عبد السلام فزازي- محاضرة ” الكونية في الشعر ” ألقيت في ديسمبر 2013 بالمهرجان الدولي للشعر بتوزر .