الأحد. سبتمبر 22nd, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

شيخوخة الخليل.. بحثا عن شكل لقصيدة النثر العربية في “كتاب الهلال” لمحمد الصالحي

1 min read

كتبت : داليا جمال طاهر

عبر عدة عتبات يستند فيها إلى مقولات إحداها لجبران خليل جبران “اللمسات الناعمة لا توقظ الناس”، يبدأ الشاعر والمترجم المغربي محمد الصالحي كتابه “شيخوخة الخليل” الذي صدر في سلسلة “كتاب الهلال” (يوليو 2016) ويمكن اعتباره خلاصة اجتهادات الأقدمين والمحدثين عن ماهية الشعر، وصولا إلى اجتهاد الشخصي في رسم ملامح خريطة قصيدة النثر العربية.

    وفي الكتاب الذي يحمل عنوانا فرعيا هو “بحثا عن شكل لقصيدة النثر العربية” يسلم الصالحي بأن هناك خلطا وضبابية في المصطلح الذي ربما ينطوي على كثير من التناقض، فالمتأمل للدرس النقدي العربي سيلحظ هذه الفوضى بسبب عدم تدقيق الممفهوم الذي لم يصبح بعد “مصطلحا” يدل على نفسه، ويحطى بالاتفاق العام.

    ويعترف بأن من يتناول قصيدة النثر في الشعر العربي الحديث سيجد من أولى أولوياته توضيح هذا المصطلح توضيحا شافيا حتى يتسنى له فرز المتن الذي سيتعامل معه، ويسهم في إزالة هذه “الضبابية المفاهيمية” التي واكبت قصيدة النثر العربية، وما سبقها من اجتهادات وتغيرات لم تشهده طوال تاريخها الطويل، فلم تكد قصيدة (التفعيلة) تبشر بإيقاعها الجديد الذي سيحرر، في نظر أصحابها، الشعر العربي من رتابة الوزن والقافية، حتى ظهرت قصيدة النثر، أو القصيدة التي تدعي كونها نثرية، لترى في التفعيلة مجرد تكرار لقوانين العروض وخروجا محتشما عن سياج الخليل. وكان ظهور قصيدة النثر “بشكلها الصارخ والهجومي” اختزالا لصراع الأصالة والمعاصرة، فاحتد النقاش حولها واتخذ أبعادا “لم يثرها أي نقاش شعري عربي مـن ذي قبل. ذلك أن القيم العربية العامة لم تتغير جذريا حتـــى تتغير الأشكال الأدبية والبنـى الذهنية جذريا. فالمجتمع العربي لا يزال يراوح مكانه اجتماعيا وثقافيا، ولم يزده الاستعمار الغربي والصدمة الحضارية الناتجة عنه إلا نكوصا وارتدادا إلى ذاته وماضيه”، حيث رأى النقد العربي في قصيدة النثر عصيانا وشكلا غريبا دخيلا، في حين رحب بقدوم الرواية والقصة القصيرة، وهما شكلان غربيان، ورأى في موت المقامة حدثا طبيعيا، كما لم ينتبه إلى كون الشعر التفعيلي ذاته فكرة غربية رغم قيامه على التفعيلة الخليلية.

    ومن بين ألوان الحيرة التي تسببت فيها قصيدة النثر أنها تجمع ازدواجية الانتماء للشعر والنثر معا (قصيدة النثر)، ويرى المؤلف أن الأشكال (اللاشكلية) التي تتخذها هذه القصيدة بحرية بادية، والموضوعات الصاعقة التي لم يخطر ببال يوما، أنها ستصبح موضوعات شعرية، وشخصية شاعرها القريبة من شخصية الصعلوك بمعنييه القديم والحديث معا، ولغتها التي تخلت عن كل (وقار)، وتنصل شاعرها من كل مسؤولية سياسية أو قومية مباشرة ساعيا إلى تغيير الحياة بدل تغيير العالم، مقتربا من رامبو ومعرضا عن ماركس، حيث غدا الشاعر الحداثي يمارس نشاطه بغض النظر عن الشروط العامة التي تضمن لرسالته سلامة الوصول والفهم، إذ أعاد الشاعر النظر في مفهوم الشعر وفي وظيفته، ومنح نفسه وضعا اعتباريا غريبا، وصدم المتلقي، وكل ذلك سهل عملية الهجوم على قصيدة النثر والمناداة بوأدها وهي بعد في المهد، ودفع النقاد الأكثر اعتدالا إلى تقديم النصيحة لأصحابها بالبحث عن الشعر في مظانه لأنهم أخطأوا الطريق!

    ويطرح الكتاب كثيرا من الأسئلة ويسعى إلى الإجابة عنها، ومنها: ما التجليات الشعرية في جسد النثر العربي؟ وما التجليات النثرية في جسد الشعر العربي؟ كيف حصل هذا التداخل حتى أصبحنا أمام أجناس أدبية تحمل أسماء لا تحيلنا لا على النثر ولا على الشعر، بل ترمي بنا وبمسلماتنا في منطقة التماس الصعبة حيث يصطدمان وينتج عن اصطدامهما شرر مستطير؟ ومن منهما (الشعر والنثر) تخلى عن بعضه أكثر من الآخر؟ ماذا فقد الشعر حتى عد قريبا من النثر؟ ماذا فقد النثر حتى عد قريبا من الشعر؟ ثم لماذا حين حصل هذا التداخل أصبحنا أمام نص سلمنا بشعريته، رغم أنه تخلى عن كثير من مواصفات الشعر المتداولة والمتعارف عليها؟ هل لأن الأفضلية في تراثنا الأدبي كانت دائما للشعر، وأن النثر مهما يكن فنيا، فإنه يبقى في منزلة دون الشعر؟

    وقد صدر الكتاب بمقدمة لأستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب بجامعة المولى سليمان بني ملال الناقد المغربي الراحل “العربي الذهبي” يقول فيها إن محمد الصالحي عني بالسعي نحو تبديل موقع وآليات النظر إلى خارطة قصيدة النثر، “بدل الإبقاء على ترجيع الشعارات التنظيرية التي رسبها هذا التراكم الهائل”، متجاوزا كثيرا من الجهود السابقة، أكاديمية كانت أو تنظيرية دعائية وتقريظية، أو رافضة مناوئة، حيث استعرض المسلمات المترسخة حول قضية الشعر بمختلف تعارضاتها، ووضعها موضع المساءلة “حيث تتبدى للباحث هشاشة الكثير من الأسئلة النظرية شكلت منطلق معالجة إشكال قصيدة النثر في الشعر العربي. بل إن عددا كبيرا من القضايا صار، بفعل التكرير والاجترار، بداهات غير قابلة للتفنيد”، وسيجد القارئ نفسه منشدا، بخيط رفيع، إلى جدية المعالجة وفكاكها من الجفاف الأكاديمي الصرف في نفس الآن، إذ يدعونا الصالحي إلى مشاركته “مسعاه الدؤوب إلى تحويل إشكال قصيدة النثر من قضية نزاع بين طرفين يحاكم أحدهما الآخر، بلغة قضائية دفاعية أو هجومية، دون أن يتكلما معا لغة مشتركة تمكنهما من التواصل أصلا، إلى واقعة علمية يتطلب بناؤها المعرفي جهدا مضنيا ومكثفا”.

    ومؤلف الكتاب محمد الصالحي ولد عام 1963 في المغرب، ومن مؤلفاته “قنديل أم هاشم: قراءة وتحليل” (1995)، و”الوخز بالعبر: في صروف الشعر، في أهواله” (2016) ومجموعات شعرية منها “أحفر بئرا في سمائي” (1999)، و”أتعثر بالذهب” (2004).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *