الجمعة. فبراير 28th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

عطرُ أمِّي إكسيرُ حياةٍ

1 min read

الشاعرة مرام عطية – سوريا – شموس نيوز

حين طرقتُ بابَ النورِ ، لم أكنْ أعلمُ أنه سيفاجئني بجيوشهِ الظلامُ ، وحين يممتُ خمائلَ الفرحِ ،لم أكن أدري أنَّ الحزنَ سيضمُّني إلى خيامهِ البائسةِ طويلاً ، لما ارتقيتُ مدارجَ النجاحِ ، واعتليتُ عرشَ العلياء ، بكتْ أمِّي كثيراً ؛فالزمانَ الأرعنَ طلبَ فاتورةً ثمينةً منِّي ، قرضَ كفأرٍ ثوبَ أحلامي الثمينَ و حكمَ بالنأي بيني وبين أمِّي ، فعاشت غزالةُ دارنا وحيدةً في سجنِ الأسى، تناوبت عليها الأوجاعُ والجراحُ ، حتى تسللَت أفعى الضعفِ إلى جسدها الحبيبِ ، وكبَّلها ليلُ المرضُ في غفلةٍ من عمري .
ماأشدَّ خساراتي بفراقكِ أمي !! قصورُ الحضارةِ حجارةٌ عقيمةٌ لاتجودُ بذرةِ عطفٍ أو التفاتةِ رضىً أمام محرابِ قلبك وفيضِ عطائك ، عرباتها الفارهة فولاذٌ أصمٌّ لايسمعُ صراخَ روحي ، مدافئها الفاخرةُ صناديقُ صقيعٍ ، نوافذها الواسعة ليالٍ معتمةٌ ، ملاعبها الأنيقةُ أسمالٌ ضيقةٌ ، ليتني لم أعتلِ حصانَ الشهرةِ فأشربَ معهُ كؤوس المرارةِ ، وليتني لم أغادرْ حضنَ أمومتكِ الرحبِ فأخسر َ ينبوعَ الحنانِ
ماأقساك معلماً أيها الزمانُ !! صفعتَ أمِّي بمسائلَ معيشيةٍ صعبةٍ ، و طلبتَ منها أنْ تفكَّ ألغازكَ المعقدةَ ، ونسيتَ أنَّ أمِّي شاعرةٌ وفنانةٌ ،لاتجيدُ لغةَ الأرقامِ واللوغاريتمات ،إنها بارعةٌ في فنونِ اللغةِ والعزفِ ، وقد أورثتني هذه الصفاتِ ، فها أنا أعزفُ خيباتي أنغاماً وخساراتي قصائدَ ،أغرقُ في اليمِِ وأفشلُ في حلِّ مشكلاتِ الفيزياءِ والحسابِ .
ماأسماكِ معهداً للعلومِ أمِّي !! و ما أحلى رضاكِ ! تلالُ صدركِ الخضراءُ أغنى من مدنِ الحضارةِ كلها ، و همساتُ فؤادكِ الدافئةُ أقدسُ من تراتيلِ الكنائسِ ،فكيف لا أسألُ الله أن يرحمني بطهركِ فيهبني عطركَ السماويَّ إكسيرَ حياةٍ ، وقزحُ حبكِ أوسع من محيطاتِ الكونِ ؟!!
________________
مرام عطية