السبت. ديسمبر 14th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

علاج الادمان بين السراب والواقع – الفصل الثاني

1 min read

بقلم دكتور أحمد الباسوسي – شموس نيوز

صرخ الشقيق الأكبر لأحد المرضى في جلسة من جلسات برنامج الارشاد الاسري التي نقيمها في مصحة العلاج مرة واحدة اسبوعيا، قال لي ” اتحداك يادكتور لو ذكرت لي اسم مدمن واحد اتعالج وشفى”؟. بدا غاضبا ومحبطا وواثقا في قوله الذي استحق عليه تعاطف وتأكيد باقي افراد الأسر من حولي. حقا ان مسألة العلاج من الادمان ليست سهلة بنفس درجة سهولة الوقوع فيه. في مسألة الادمان يختلط كل شيء، الحابل بالنابل كما يقولون في المثل الشعبي الشهير. ان قضية العلاج من الادمان تبدو مجتمعية أكثر كونها قضية طبية. مدمن المخدرات في نظر عوام الناس شخص منحرف، ضل طريق الحياة المستقيمة، انجرف لارضاء رغباته، يرتكب المحرمات من كذب وسرقة واحتيال ونصب وأمور اخرى. المدمن في نظر رجل الدين شخص ضل طريق الهداية واستعمل مواد حرمتها الأديان السماوية، هذه الأشياء تعبث بعقله وتدفعه الى ارتكاب المحرمات التي نهى الله عنها. المدمن في نظر رجال القانون شخص يرتكب جريمة، سواء بالاتجار في مادة محرمة بحكم القانون، أو عن طريق تعاطي مادة محرمة بحكم القانون أيضا. المدمن في نظر الطبيب شخص مريض، مسكين، فاقد السيطرة على سلوك تعاطيه نتيجة للالحاح غير الطبيعي لفكرة الدفع للتعاطي، ويكون هذا الالحاح قهري وغير مسيطر عليه. المسألة معقدة ومتشابكة، يتشارك فيها الجميع من دون استثناء بالرأي والافتاء والمساهمة في نشر المعلومات الخاطئة في معظم الأحيان. من هنا تكون الصعوبة والمشاكل. تتزايد التدخلات من قبل غير المختصين، يتم تداول مفاهيم كثيرة خاطئة بين المدمنين واسرهم بخصوص العلاج واساليبه، تستولى على الأدمغة بقوة مزعجة ربما تعطل من سريان العمليات العلاجية المنبنية على اسس علمية سليمة. ودائما الحقائق العلمية تدهشنا وتثير فينا الاستغراب أحيانا. في بدايات عملي في مجال علاج الادمان شغلتني كثيرا قضية انتكاسات غالبية المرضى بعد خروجهم مباشرة من مصحات العلاج، وتكرار هذه الانتكاسات على فترات زمنية قصيرة. سعيت الى تقصي هذه المسألة وبحثتها في سياق بحث علمي صغير. جاءت النتيجة مدهشة، وتطرح اجابة مقنعة لصديقنا الغاضب المتحدي (أخو المدمن) ردا على السؤال الذي طرحه في بداية جلستي معهم بغرض ارشاد وتوجيه الأسر والتدخل العلاجي اذا لزم الأمر. اشارت نتائج البحث ان حوالي (25%) فقط من المرضى المقيمين بالمستشفيات هدفهم العلاج والتخلص من الادمان نهائيا، وكذلك الرغبة في تغيير نمط حياتهم. بينما تبين ان (75%) من مرضى عينة البحث دخلوا مصحة العلاج لاسباب أخرى ليس من بينها التغيير أو التعافي من الادمان. الحقيقة العلمية الواقعية تقول ان من بين كل اربعة افراد دخلوا المستشفى للعلاج من الادمان هناك فرد واحد فقط يسعى للتعافي بينما الثلاثة الآخرون لهم أهداف أو أغراض أخرى، ليس من بينها التعافي من الادمان. تشير نتائج البحث أيضا ان هذه الأسباب التي تدفع ثلاثة ارباع المدمنين لدخول المستشفيات لأسباب غير العلاج والتغيير النهائي تمثلت فيما يلي من دون ترتيب:
1)ارضاء الوالدين أو الزوجة بعد ان تم انهاكهم واستنزافهم بشدة.
2)تخفيض جرعة التعاطي بعد تزايد معدلاتها نتيجة لتحمل وطلب جسده المزيد في الآونة الأخيرة بدرجة كبيرة وغير قابلة للسيطرة، لدرجة ان استمرار التعاطي على هذه الوتيرة يمثل خطرا يهدد حياته.
3)شعور المدمن بالانهاك الجسدي، وانذارات الخطر على حياته.
4)تبدد معظم الأوردة التي يسكب داخلها المادة المخدرة (في حالة التعاطي عن طريق الحقن)، الأمر الذي يضطره الى عمل استراحة جبرية داخل المصحة للتخفف من كثافة السموم داخل جسده، واستعادة الحيوية للعروق الميتة مرة أخرى بحسب اعتقاده. يطلق المدمنون على هذا الأمر عبارة ” نفخ العجل”، المقصود العروق، بمعنى انه يدخل المصحة من أجل احياء بعض العروق التي يدفق فيها المادة المخدرة.
5)الاختباء داخل مصحة العلاج هربا من ملاحقات رجال الشرطة، أو مطاردات الدائنين.
6)طغيان مشاعر مؤقتة بالذنب تجاه مصير الابناء ومستقبلهم بسبب عار الادمان الذي يلاحق والدهم.
ان نتيجة هذا البحث المدهشة تفسر السبب الرئيسي لانتكاسات غالبية المدمنين الذين يلتحقون بالمصحات العلاجية ويستمرون فيها اياما أو اسابيع.
الآن علمنا ان ثلاثة ارباع هؤلاء المدمنين يدخلون المصحات بسبب أهداف شخصية، ليس من بينها العلاج بالمعنى الحقيقي الشامل لكلمة علاج. ان هؤلاء المدمنين يطلبون فقط علاج الأعراض الانسحابية الجسدية withdrawal Symptoms التي تترتب على توقفهم عن التعاطي للاسباب التي ذكرناها، والأعراض الانسحابية الجسدية في حد ذاتها مؤلمة للمدمن أثناء محاولة توقفه، فهي تحاصره بالألم جسديا ونفسيا على النحو التالي:
الأعراض الانسحابية
التعريف: الأعراض الانسحابية هي ذلك المرض الناتج عن الشعور الجسدي/النفسي الذي يعاينه المدمن نتيجة توقفه المفاجئ عن تعاطي المخدرات أو الكحوليات. ويعرف قاموس كولينز كوبيلد Collins Cobuild الشخص الذي يعاني من أعراض الانسحاب بانه شخص مريض، يشعر بمرضه بعد ان يتوقف عن تعاطي المخدر الذي اعتاد على تعاطيه. وفي هذا السياق يعتبر حدوث ” الاعراض الانسحابية”، أو المرض الذي يترتب على التوقف الفجائي عن تعاطي المخدرات والكحوليات شرطا أساسيا لنعت هذا الشخص بالادمان. ومن المعروف انه مع دخول المدمن المصحة للعلاج يكون جسده ممتلئا بسموم المادة المخدرة والمواد المخلوطة فيها. ان توقف المدمن عن التعاطي يعني ان كميات السموم داخل جسده تتناقص تدريجيا، ومن ثم تظهر عليه علامات الأعراض الجسدية.
يمكن تصنيف الأعراض الانسحابية للمخدرات والكحوليات الى صنفين
الصنف الأول:الأعراض الانسحابية الجسدية التي تحدث مع التوقف عن تعاطي الافيونات والكحوليات والمهدئات.
هناك ستة أعراض انسحابية ذات الطابع الجسدي يمكن تحديدها على النحو التالي
أعراض مرتبطة بالرأس: الصداع، الدوخة.
أعراض مرتبطة بالصدر: صعوبات التنفس، ضيق الصدر.
أعراض مرتبطة بالقلب: خفقان، سرعة ضربات القلب، تسارع النبضات.
أعراض مرتبطة بالبطن: غثيان، قيئ، اسهال، الام المعدة.
أعراض مرتبطة بالعضلات: توتر العضلات، تشنجات، رعشة، اهتزازات، الآم العضلات.
أعراض مرتبطة بالجلد: تعرق، وخز.
الصنف الثاني: الأعراض الانسحابية النفسية الناتجة عن التوقف عن جميع انواع المخدرات والكحوليات.ويخبرها الشخص المتوقف سواء كانت مصاحبة للاعراض الجسدية ام غير مصاحبة لها وهي:
أعراض القلق مثل القلق، نوبات الهلع، عدم الراحة، التهيج والعصبية.
أعراض الاكتئاب مثل العزلة الاجتماعية، فقدان الرغبة على الاستمتاع، التعب، ضعف الشهية للطعام.
أعراض مرتبطة بالنوم مثل الأرق، صعوبات النوم، أو فرط النوم.
كما توجد أعراض أخرى تتعلق بفرط الحركة والرغبة الملحة للتعاطي(الاشتياق)، وأحيانا هذاءت حسية وبصرية بحسب نوع مادة التعاطي وشدتها.
وهناك أعراض مرتبطة بالعمليات المعرفية مثل ضعف التركيز، ضعف الذاكرة، وتشتت الانتباه.
ويجدر بالذكر ان درجة خطورة الأعراض الانسحابية تتباين من مادة الى أخرى في حالة التوقف المفاجئ للمدمن عن التعاطي. في حالة الكحول والمهدئات يتسبب التوقف المفاجئ في ظهور مشاكل صحية خطيرة مثل النوبات الصرعية الكبري، الأزمات القلبية، السكتة الدماغية، والهذيان. لذلك يتطلب الأمر في هذه الحالة ضرورة الاشراف الطبي على معالجة الأعراض الانسحابية الناتجة عن التوقف عن التعاطي، ولا يسمح للمدمن ان يتوقف عن التعاطي من حاله، أو بحسب اجتهاده الشخصي. بينما في حالة الافيونات مثل الهيروين، والاوكسيكونتين فان الأمر قد يختلف، الأعراض الانسحابية الجسدية تكون شديدة وغير مريحة، لكن درجة الخطورة وتهديد الحياة أقل، ما لم تكن هذه المخدرات مخلوطة بمواد مخدرة أخرى مجهولة الهوية، لذلك يلزم الحيطة والحذر عند اتخاذ قرارات العلاج، ويكون اللجوء للمصحة الخيار الأول، ومن المعروف ان انسحاب مخدر الهيروين من الجسد لاينتج عنه نوبات صرعية، ولا نوبات قلبية، أو سكتات دماغية وهذيان. ونخلص القول ان التدخل الطبي الدوائي في معالجة الأعراض الانسحابية لدى المريض المدمن مسألة ضرورية وملحة لمساعدته على التخلص من تأثيرات السموم، في هدوء ومن دون مشاكل طبية قد تهدد حياة حياته. ويجب ان يوضع في الاعتبار ان تفاعل الجسد مع المادة المخدرة يختلف من شخص لآخر، وكذلك يختلف باختلاف نوع المادة أو المشروب، وأيضا باختلاف الكميات التي يتعاطاها المدمن، والمساحة الزمنية التي استغرقها التعاطي (ازمانية التعاطي). ان الأعراض الانسحابية في حد ذاتها بشقيها الجسدي والنفسي تمثل خبرة مؤلمة لدى المدمن الذي يسعى التى تجنبها بقدر ما يستطيع، عن طريق اما الاستمرار في التعاطي من دون توقف وهذا الحل السهل الميسور للمدمن، أو الذهاب الى المصحة للحصول على الدواء المناسب الذي يخفف عنه الكثير من تاثيراتها والآمها. ان جميع المدمنين الذين قرروا التوقف نهائيا عن التعاطي ويمثلون ربع عدد المدمنين الملتحقين بالمصحات العلاجية، أو من قرروا التوقف عن التعاطي مرحليا ويمثلون ثلاثة ارباع المدمنين داخل المصحات العلاجية، يستهدفون في الأساس معالجة الاعراض الانسحابية للتخفف من الألم الرهيب المصاحب لتناقص معدلات السموم من الجسد نتيجة هذا التوقف. تستمر المدة الزمنية التي يقضيها المدمن خلال انسحاب المخدر من جسده بين ثلاثة الى اربعة عشر يوما، ويتوقف أمر ذلك على عدة عوامل هي :
اولا:كفاءة وظائف الاعضاء لدى المدمن مثل الكبد المسئول عن تكسير السموم وتنظيف الجسد.
ثانيا: نوع مادة التعاطي من حيث شدة تأثيرها الادماني/العصبي.
ثالثا:كمية المادة المتعاطاه.
رابعا: ازمانية التعاطي.
سراب التعافي ومأزق المدمن
يستعيد المدمن المتوقف عافيته البدنية من الاعراض الانسحابيه عقب زوال السموم من جسده، يصبح أكثر نشاطا وحيوية، وأكثر نهما وشراهة للطعام، وكذلك أكثر اقبالا على الحياة. وبالتالي يتخلق لديه شعور طاغي وزائف انه تعافى تماما، وأصبح بامكانه السيطرة على سلوكيات التعاطي، وكذلك يسيطر عليه شعور طاغي زائف بقدرته على ادارة حياته باسلوب مختلف عن السابق، ومن دون الحاجة الى المخدرات وكافة الأمور التي تدور حولها. ويطالب بخروجه من المصحة، ويستمر في الالحاح على طلب الخروج ويختلق المعاذير التي تبرر خروجه ويستمر في الضغط بقوة على اسرته، وعلى الاطباء، وعلى جميع العاملين بالمصحة، ويصرف كل وقته وتفكيره في محاولات اقناع الجميع انه شفي تماما من الادمان وقادر على ادارة حياته. ذلك هو السراب الذي يراه المدمنين في مثل هذه الحالات والظروف. انها مشكلة أزلية تواجه العاملين في مصحات علاج الادمان في كل مكان، بمجرد ان يتخفف المدمن من تأثيرات الأعراض الانسحابية الجسدية ويبدأ جسده في الانتعاش والفوقان، ويتورد وجهه وتعود له الحيوية والحياه، يقدم على تناول الطعام بنهم وتلذذ، يتنفس بعمق وأريحية طبيعية، يكتشف انه استرد قوته الجسدية بالكامل. في هذه اللحظة يسيطر على رأسه سراب وفكرة هي ان تعافيه من مرض الادمان قد اكتمل، وانه طالما استرد عافيته الى هذه الدرجة وقادر على التنفس باريحية طبيعية فانه قادر على السيطرة على سلوك التعاطي، وبالتالي لا يوجد مبرر للبقاء داخل المصحة طالما تعافي ولم يعد مريض!. وبناء على هذا الأمر يطالب طبيبه المعالج بالخروج من المصحة، لكنه يصطدم برفض الطبيب الذي يطلب منه استكمال برنامجه العلاجي المتفق عليه وفقا لاتفاق علاجي مبرم مع المصحة قبل الاحتجاز. لكن المريض يري نفسه مكتمل الصحة والبنيان وصحته ربما تكون أفضل حالا من بعض من يتعامل معهم من الممرضين والعاملين في المصحة، ويلح بشدة على الخروج، يبلغ اسرته برغبته في الخروج، تستشير الأسرة الطبيب المعالج في الأمر، يبلغهم بضرورة الانتظار، المرض مايزال كامن داخله. يستمر الحاح المريض وطلبه للخروج، تتزاحم الأفكار داخل رأسه، وتسيطر عليها تماما. النتيجة تطور هذه الأفكار من الاعتقاد الزائف السرابي في التعافي الى فكرة الاضطهاد، يرى ان الآخرين يضطهدونه بدأ من الطبيب والممرض وحتى الأهل، جميعهم يتواطئون ضده من اجل احتجازه داخل المصحة. يسعى بكامل طاقته من أجل الخروج لكنه يصطدم برفض الطبيب والأسرة. ماكينة الأفكار تعمل بقوة من أجل اختراع اعذار للخروج مثل: أمي في غرفة العناية المركزة ولابد اكون معاهم عشان اساعدها!. قد تكون المعلومة صحيحة لكن لا احد ينتظر منه مساعدة. أو ان عمي توفى ولابد اكون في العزاء حتى لا ينكشف أمري انني في مصحة الادمان!. وأحيانا يحاول خداع اقاربه ويثير الذعر في قلوبهم حينما يبلغهم ان المخدرات يتم تداولها داخل المصحة بسهولة ويخشى على نفسه من الانتكاسة!!!….وهكذا يستمر في كفاحه من أجل التحرر. تترجم هذه الافكار السلبية لاحقا بالضرورة الى انفعالات ومشاعر سلبية تقلق بال وراحة المريض، حيث يعايش حالات من الغضب والاحباط والاكتئاب نتيجة للمشاعر اللاحقة الخاصة بالاضطهاد والنبذ التي تسيطر على دماغه بسبب رفض الآخرين الاستجابة لطلباته بالخروج من المصحة. تتطور الفكرة الخاصة “بالتعافي السراب المزيف” وتوابع هذه الفكرة من مشاعر الاضطهاد والاكتئاب والنبذ والغضب الى توصله الى استدلالات مثل “انا الآن سجين”، ” انا الآن شخص معزول ومنبوذ، محروم من الحقوق “، “ان اهلي واخواني يسعون للتخلص مني”. تتطور مشاعر الغضب الى عصبية مفرطة تجاه العاملين بالمصحة، وأحيانا الى عنف لفظي وجسدي لأتفه الأسباب، واستقطاب زملائه لمؤامرات تخريبية داخل المصحة، ومحاولات للهروب من المصحة في نهاية المطاف، وفي بعض الأحيان يسعى الى تهريب المخدرات لتعاطيها داخل المصحة. والسؤال الذي يلح على أذهاننا الآن لماذا كل ذلك وقد دخل المصحة للعلاج بكامل ارادته الحرة؟.
العمليات الادمانية
لمحاولة الاجابة على هذا التساؤل يجب ان نسلم ان العمليات الادمانية مسألة معقدة للغاية. ان العلاج من الادمان يشتمل في جوهره على تغيير نمط حياة الفرد، وان هذا الأمر يتطلب قدرا مناسبا من الارادة المصحوبة برغبة نفسية وسلوكية في احداث التغيير. هذا التغيير يتضمن كل شيء يدور داخل الفرد، وكل شيء يدور حول الفرد. المريض المدمن أو أي شخص آخر غير مدمن اعتاد في تفاصيل حياته اليومية المعتادة على ممارسة انماط معينة من السلوكيات تسهل له سبل التكيف والتعامل مع نفسه ومع من حوله، واذا تدخلنا لتغيير هذه النمطية النفسية/الأدائية سواء عن طريق الاكراه، أو عن طريق حثه على التعامل مع الاشياء والواقع بطريقة تختلف عما اعتاد عليه سوف يصيبه الازعاج والضجر والضيق بكل تأكيد، وسوف ينتابه شعور جارف بعدم الراحة، وتتحفز خلاياه لمقاومة هذا التغيير الجديد الناشئ، وسوف تتكرر محاولات رفضه واستبداله بالانماط التي سبق الاعتماد عليها وسبق ترسيخها. الصعوبة تأتي من هنا، المحاولات التقلدية لرفض كل ما هو جديد ومختلف عما اعتدنا عليه. ان المتخصصين في علاج الادمان يدركون عن يقين ان مسألة “التغيير” تمثل الحجر الأساسي في العملية العلاجية وجوهرها. وانه بدون ذلك لن يتمكن المدمن المتوقف عن التعاطي من الاستمرار في توقفه والاستمتاع بحياته الجديدة المختلفة.
التبادلية الادمانية
الرهان هنا يكون على ما يمكن ان نسميه “التبادلية الادمانية”Addictive Exchange، بمعنى استبدال نمط ادماني معطل للحياة الصحية/ النفسية/الاجتماعية/الاقتصادية للفرد بنمط ادماني آخر ييسر للفرد سبل التكيف والتواصل والانتاج والاستمتاع بمعناه الشامل الداعم للارتقاء والتطور. ان عمليات التغيير أو الانتقال من حالة ترسخت وشكلت نمطا اشتمل على زملة من السلوكيات والأفكار والقيم والاتجاهات انحرفت في العديد من جوانبها عن تقاليد وقيم وسلوكيات وأفكار الغلاف المجتمعي المحيط، ونتج عنها صدام مادي ومعنوي مع أفراد أو مجموعات، وأيضا تدهور ملحوظ مادي/معنوي للفرد مقارنة بنظرائه الى حالة جديدة تحمل مضامين وانماط سلوكية/معرفية/ قيمية مختلفة ليس بالأمر اليسير. هذا بالتحديد جوهر العملية العلاجية، وهذا بالتحديد مايحدث داخل المدمن المتوقف داخل المصحة العلاجية. بعد زوال كافة الأعراض الانسحابية الجسدية يبدأ المدمن تحت العلاج في استعادة عافيته ونشاطه المفقود، يصبح قادرا على تسيير أموره بمرونة وخفة. بمجرد ان يعايش الشخص هذه الحالة فان دماغه يمنح الأوامر للخلايا العصبية باستعادة النشاط والحيوية لكامل أعضاء الجسم، ويحدث فورة “صحية” مفاجئة ينتج عنها شعور Feeling يتحول الى معتقد Belief لاحقا مازال سرابا (لم يتم اختباره على أرض الواقع بعد) بالتعافي وانتهاء علاقته بالتعاطي والادمان (يحدث ذلك بالنسبة للشخص الذي يعالج للمرة الأولى)، والثقة الكاملة في قدرته في السيطرة على سلوكيات التعاطي والتوقف نهائيا عن الادمان (يحدث ذلك بالنسبة للشخص الذي اعتاد دخول المصحات للعلاج من الاعراض الانسحابية)، ويتولد عن هذا المعتقد معتقدات فرعية أخرى كأن يرى نفسه انه لم يعد بحاجة الى العلاج، وان استمرار الاحتجاز داخل المصحة اجراء ظالم يبدد الوقت والمال”….الخ. يتحول هدف العمليات العقلية هنا الى التركيز وتأكيد المعتقدات الزائفة التي لم يتم اختبارها بعد، اضافة الى فقدانه الهدف الرئيسي الذي حضر من أجله الى المصحة وهو استعادة عافيته والتخلص نهائيا من الادمان. ان استعادة السلامة البدنية بالتزامن مع الأوامر التي يرسلها الدماغ الى وظائف الاعضاء الأخرى بالنشاط والعودة من جديد الى ممارسة الحياة الاعتيادية السابقة حيث حصل المدمن من خلالها على العديد من المكاسب التي رسخت اعتياده على هذا النمط من الحياة حتى الادمان يخلق حالة من الغضب والعصبية لدى المدمن المتوقف لأن الجسد يبدأ في استعادة ايقاعه الحيوي الذي اعتاده في السابق وقت الادمان ويتضمن كامل انشطته السابقة قبل دخوله المصحة (نوم، استيقاظ، رغبات، سلوكيات، أفكار، وتعاطي، ولذة تخدير).
الاشتياق واللهفة للتعاطي وقود حيوي للانتكاس
يدرك العاملون الاحترافيون في مجال علاج الادمان ان موجات الاشتياق أو اللهفة للتعاطي Craving تعمل بمثابة الوقود الحيوي الذي يمد الانشطة الادمانية بالانتعاش والحياة، هذه الانشطة الادمانية تتمثل في نمط الحياة القديم المطلوب استبداله عن طريق العلاج. والذي يحدث انه حينما يتوقف المدمن عن الاستمرار في ممارسة الانشطة الادمانية مجتمعة أو بعض منها، بداية من هذا التوقف التام عن التعاطي abstinence يحدث خلل جسيم في التوازن والايقاع الحيوي للجسد نتيجة لحرمان الانشطة الادمانية المعتادة من الظهور وممارسة دورها المعتاد المناط به حفظ التوازن النفسي/البيلوجي للمتعاطي، في ضوء ايقاعه الشخصي المعتاد مع التعاطي والسياق الداعم له. تتهافت علي رأسه موجات الاشتياق واللهفة، وقد تأخذ مظهرا بيولوجيا أحيانا ويتمثل في صداع شديد، الآم مبرحة في العظام، تعرق، عدم انتظام في ضربات القلب، ارتعاشات بالاطراف، غثيان واسهال، كما تأخذ مظهرا نفسيا أغلب الأحيان يتمثل في قلق زائد، عدم راحة، عصبية مفرطة، نوبة اكتئابية مؤلمة، تشوش في التفكير، وفي القدرة على اتخاذ القرارات، اضافة الى حساسية مفرطة، وشكوك تجاه الآخرين ونواياهم…الخ. ان هذا الخلل في التوازن البيولوجي/النفسي يرجع سببه الى عاملين رئيسيين هما: التغيير المفاجئ في نمط الحياة المعتادة عن طريق التدخل بالعلاج من أجل تغيير هذا النمط، الأمر ينجم عنه شعور بالضيق وعدم الراحة، والكآبة والاضطراب عموما. والعامل الرئيسي الثاني يتمثل في الخصائص الادمانية للمادة المخدرة وتأثيراتها على الجهاز العصبي للمدمن.
هرمون الاندروفين المخدر
بات من الشائع علميا ان تكرار تعاطي المواد المخدرة ينجم عنه ايقاف افراز هرمون الاندروفين Endorphin في الدماغ. هذا الهرمون يفرزه الجسم وهو عبارة عن مجموعة البيبتيدات المتعددة Polypeptides وظيفتها توصيل الاشارات العصبية خلال الجهاز العصبي، ويرتبط افراز الهرمون بمستقبلات الألم في الدماغ، وبالتالي فان افرازه يكون استجابة فعالة لكل من الاجهاد والألم، أيضا يتمثل عمل الاندروفين في تخفيف الشعور بالألم وخفض الاجهاد وتدعيم الجهاز المناعي، كما ان تأثيراته تحسن من المزاج لدى الشخص، وتمنحه شعورا بالسعادة والسرور. وتشير نتائج البحوث ان آليه عمله في الدماغ هي نفس الآلية التي تعمل بها بعض الأدوية المسكنة للألم والمخدرة مثل المورفين والكودايين، لكن الاندروفين الذي يفرز طبيعيا من الجسم لا يؤدي الى الادمان مثلما هو الحال مع الادوية المخدرة المصنعة كيميائيا. ويعتقد الكثير من العلماء ان الاندروفين هو المسئول عن حالة الشعور بالسعادة التي يشعر بها العداؤن المنتظمون على رياضة الجري. جدير بالذكر الجسم يتوقف عن الافراز الطبيعي لهرمون الاندروفين نتيجة اعتماده على الافيونات التي تدخل له عن طريق المواد المخدرة. اذا يتوقف الدماغ عن افراز الاندروفين الطبيعي لحساب المخدرات التي تدخل الجسم نتيجة للتعاطي، ومن ثم تحدث اعتمادية كاملة للجسم على المخدرات التي تدخل الجسم بسبب التعاطي، ويعتبر ذلك تحدي يواجه المدمن، وفريق العلاج في رحلة العلاج. وعود على بدء وما يتعلق بتعقيدات المرحلة المبكرة من العلاج داخل المصحة وانسحاب غالبية المرضى دون استكمال برنامجهم العلاجي نوضح مسألتين تشكلان تحديات أساسية في هذا الصدد نوضحهم على النحو التالي
التحدي الأول أصله “بيولوجي” ويتعلق بالتاثيرات الدوائية للمادة المخدرة على الدماغ وعواقب انسحاب المخدر من الجسد، ويستلزم هنا التدخل الدوائي المناسب الذي يساعده على اجتياز هذه المرحلة الصعبة في هدوء نسبي ويدعم تماسكه حتى يستكمل مسار العلاج، والتغيير المنشود الممتد.
التحدي الثاني يعتمد على المنحى النفسي/الاجتماعي/ وهو تأهيلي طويل الأمد في العموم، ويهدف الى تغيير انماط سلوكية/فكرية/اجتماعية ترسخت على مدى زمني بعيد، واكسبت الشخص مزايا وفوائد توافقت مع حاجاته ومتطلباته الشخصية، هذه الحاجات قد تكون نفسية مثل معالجة حالة مزمنة من الاكتئاب مثلا Chronic depression، أو الحاجة الى ضبط مستويات الاستثارة Arousal الداخلية المعوقة لنشاطاته الشخصية والاجتماعية، وقد تكون أيضا متمثلة في حاجته الدؤبة في البحث عن متعة عاجلة ومباشرة تمنحه لحظات من البهجة أو النشوة العابرة، كذلك يمكن ان تتمثل حاجته الى الائتناس بآخرين يشاركهم سياق التعاطي ونزقه، هربا من لحظات الوحدة الداخلية المرعبة، وفي أحيان كثيرة أيضا يلجأ الشخص الى المخدر أو الكحول لكي يتحرر من مسألة الكف Inhibition الذي يعوق خروج أفكاره ومشاعره الحقيقية تجاه بعض الأحداث أو الأفكار أو الاخرين، مجاراة للاعراف والقيم التقليدية في حالته الطبيعية بدون تعاطي. وقد تكون هذه الحاجة اجتماعية الطابع مثل المسايرة الاجتماعية للاقران، والرغبة في تأكيد الرجولة، وشغف الحاجة الى الفضول والاستطلاع والاستشكاف والتجربة….الخ. ان التحدي الصعب في هذا السياق يتمثل في ضرورة استبدال أو (تغيير) الانماط السلوكية/الاجتماعية/الفكرية القديمة والتي ترسخت داخل المدمن على فترات زمنية متباينة مع الادمان وشكلت نظام كامل لحياته، هذا النظام يمنحه حاجاته النفسية والاجتماعية والمعنوية التي تتوافق مع شخصيته، وسبل تكيفه مع واقعه المحيط، وتحقق تطلعاته الشخصيه، استبدالها بانماط سلوكية واجتماعية وفكرية مغايرة تماما لما اعتاد عليه منذ سنوات بهدف خلق حالة جديدة من النضج الانساني القادر على التكيف مع واقعه الشخصي والبيئي والاجتماعي بصورة أكثر انتاجية وايجابية وتطورا. بمعنى ظهور نموذج لشخص انساني جديد قادر على المشاركة بايجابية في واقعه. ان هذا الأمر يمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه المدمن تحت العلاج، ويواجه المعالج المحترف والاسرة، بل ويعتبر أساس العملية العلاجية، والمرادف لكلمة “علاج الادمان”. ان عمليات التغيير من حالة الى حالة تعد ظرفا انسانيا صعبا، يحمل من المشقة الكثير، ويتطلب التغيير قدرا كبيرا من وضوح الاهداف، وقدرا متوسطا من الرغبة، أوالارادة المحفزة للانشطة السلوكية والفكرية مع الاحتفاظ بارادة التغيير. هذا الأمر كما ذكرنا يمثل تحديا كبيرا يواجه المدمن تحت العلاج ومعالجه المحترف واسرته، وكذلك يفسر الكثير من أسباب انتكاسات المرضى، وغضبهم داخل المصحات والحاحهم في الخروج أو الهروب من العلاج وعدم استكماله.