الأربعاء. يوليو 8th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

فصل من رواية عبرة الأيام

1 min read

د محمد حسن – شموس نيوز

مجلس الحكماء ينقذ الموقف
كان مجلس الحكماء في طنطا كما أسلفنا من قبل دولة داخل الدولة ولكنها دولة تنشر العدل وتعيد الحقوق لأصحابها وتقيم شرع الله وتضرب علي يد الظالم وتأخذ للضعيف حقه من الباغي المعتدى ..ولذلك احتل هذا المجلس تقديرا واحتراما شديدين من الشرطة والقضاء ..فكم من قضايا فشلت الأجهزة الرسمية في فك طلاسمها ولكن المجلس هو الذي وضع الأمور في نصابها ..
ذهب أهل مراد وذووه إلي مجلس الحكماء يبكون ويلطمون الخدود حينما أدركوا أن ابنهم ذاهب إلي الجحيم .كيف يدفع هذا المسكين مبلغ ربع المليون من الجنيهات وهو يكسب قوت يومه من التوكتوك يوما بيوم .ومرتبه من مجلس المدينة لايكفي طعام اسبوع واحد من الشهر .
استدعي مجلس الحكماء الفرقة الثامنة وهي الفرقة التى تتولي حل المصائب التى تتشعب خارج مدينة طنطا وذلك بعد ان فشل المجلس في العثور علي السيدة ف داخل طنطا .
لم يكن الأمر عسيرا علي هذه الفرقة فقد سألوا عن السيارة التى أقلت ف ثم استدعوا سائقها وذهبوا به المنصورة وعلموا مكان ف بالتحديد .
طرق كبير الفرقة باب الشقة وفتحت له ف فدخلوا بغير استئذان وكانوا ثمانية رجال يتقدمهم اثنان تبدوعليهم المهابة والوقار من استطالة لحاهم البيضاء ولم تكن هذه اللحى إلا مظهرا مستعارا لبث الطمأنينة في نفوس من يستقبلونهم وسرعان ما يتم خلعها إذا تطور الأمر وتحول إلى العنف.
بدأوا الحديث مع ف وأخبروها أنهم من مجلس الحكماء ولايريدون بها إلا الخير إن أعطت لهم ما استولت عليه من المسكين مراد.
لم تكن ف في حاجة إلي الجدال لأنها تعلم ماذا يمكن أن يحدث لها بعد أن شاهدت عبده بساريا مختطفا من القاهرة ومصلوبا علي جذوع النخل يوم وداع أعظم من أنجبت طنطا الدكتور مصطفي .
طلب الفريق منها قائمة المنقولات التى وقع عليها مراد فأحضرتها لهم وطلبوا منها وثيقة الزواج وأن توقع عليها باستلامها مؤخر الصداق وطلبوا منها المهر الذي أخذته وهو خمسون ألف جنيه باعتبارها لم تكن تنوى الزواج وانما تنوى الغدر فأعطتهم ما تبقي معها وهو خمسة وأربعون الفا من الجنيهات فقبلوها ثم طلبوا منها إقرارا بأنها أخذت كل حقوقها من مراد كاملة غير منقوصة ثم أخذوا منها توقيعا علي إيصال فارغ المحتوي وبدون تاريخ .وبعد ذلك اتصلوا بقادة المجلس وأبلغوهم بما أنجزوه فأشادوا بهم ولكنهم طلبوا منهم رد الايصال الأخير .
انصرف الفريق ولم يتفوهوا بكلمة واحدة إلي ف ولكن أحدهم نصحها نصيحة واحدة : يا بنيتي اتقي يوما ترجعين فيه إلى الله .
ذهب الجميع الي مجلس الحكماء وسلموا ما لديهم ولكن المجلس تصرف تصرفا مضحكا للجميع فبعد ان سلم مراد كل مستحقاته وأوراقه وطمأنه علي موقفه تماما أصدر المجلس قرارا بان يتم توثيق مراد وربط رجليه معا ورفعهما لأعلي وضربه عليهما عشرين ضربة مؤلمة وهو ما يسمى في المدارس القديمة ( المد علي الرجلين ) وكان هذا التصرف عقابا له علي زواجه من ف باستهتار وعدم أخذ الحيطة والحذر مما حدث مع سيده وسيد أهله اجمعين الفقيد د. مصطفي


علي الجانب الآخر ذهبت ف من فورها الي الطبيب الشاب في أقصى مدينة طنطا لأنها كانت تشعر بالهوان والذل مما فعلته ومما فعل معها من مجلس الحكماء وأدركت أنها تتخبط في حياتها تخبطا مريعا ولم تعد تتصرف تصرفا لائقا بها وبماضيها كسيدة طنطا الاولي ذات يوم ..كانت تشعر انها تسير في وحل لا ينتهى ومطبات وحفر لا نهاية لها حتى هذا المسير الذي تسير فيه الي طبيب متزوج وعرضها عليه الحب والهيام ليس إلا مزيدا من الهوان والذل فليس هكذا تورد الإبل .
استقبلها الطبيب بمودة زائفة وهي بذكائها تبينت الزيف في مشاعره فانخرطت في بكاء عنيف هز قلب الطبيب هزا عنيفا فأحضر لها الماء والعصير وظل يتلطف في الحديث معها ثم عرض عليها أن يخرجا من العيادة لتناول طعام العشاء في الخارج .
مشي الطبيب والسيدة ف صامتين كأنهما في جنازة إذ لم يكن لدى الطبيب سيارة وكلما مرت ف في مكان تذكرت موقفا يهز وجدانها للفقيد د مصطفي :هنا سرنا سويا متشابكى الأيدى وهنا جلسنا علي الكورنيش وهنا تناولنا طعام الافطار علي غير عادتنا ومن هذا المتجر اشتري لى أجمل فساتيني وكلما مرت في مكان تجد الذكريات تحيطها من كل جانب .
دخل الاثنان إلي المطعم وطلبا طعاما خفيفا لم يتناول كل منهما ربع مافيه فلم تكن لدى كل منهما شهية للطعام وإن اختفت البواعث والدوافع. كانت ف مازلت تشعر بالهوان وتشعر ان الشاب الذي يجلس أمامها لا أمل فيه ولا عاطفة لديه أما الطبيب فكان يشعر بالاشفاق عليها ويتمنى لو ينتهى اللقاء بأسرع ما يكون وتختفي من حياته بغير أن يجرح مشاعرها او يمس كبرياءها .
وفجأة وعلي غير توقع توجه الطبيب بسؤال مباغت إلي ف قائلا : لدى سؤال أتمنى أن تجيبي عليه لأنه يشغل بالي دائما ولا أجد له إجابة مقنعة ..فقالت له ف أي سؤال ؟
فقال لها لماذا فعلت مع زوجك العظيم الدكتور مصطفي ما فعلت ..أنا لا أحاسبك أبدا ولكنني أستفسر منك إذا سمحت لي بذلك . لماذا خرجت مع عبده بساريا ذلك المشوار المشئوم الذي جر الخراب علي الناس جميعا …يصعب علي أن أتخيل أنك خرجت وفي نيتك خيانة الدكتور مصطفي ( أقصد طبعا الاستمرار في خيانته بعد ذلك لأن هذا المشوار منفردا خيانة بشعة ) وأنا استبعد ذلك لأنه ليس في تاريخك الذي درسته بكل تفاصيله ما يشير إلي أنك تستمتعين بالخيانة .وهناك سبب آخر لاعتقادى هو يقيني الجازم أن أية إمرأة علي وجه الأرض لا تستطيع خيانته لأنه من السهل عليه أن يحصي عدد النمل في طنطا وأيهم نائمة وأيها تسعي ..ليس هذا بالرجل السهل البسيط الذي يعتدى علي حرماته أحد .
يتبقي الاحتمال الثانى وهو خروجك مع عبده بساريا بقصد الارتباط به زوجا والانسحاب من حياة الدكتور مصطفي وهذا شيئ يشيب له الوليد أن قدر له التفكير فيه .فهل يعقل أن تترك انسانة في رأسها بقايا مخ بشري يمكن أن تترك الدكتور مصطفي من أجل بساريا .
ليتك يا سيدتى تجيبينى علي هذا السؤال فقد أرق نومي ونوم زملائي ليالي طويلة.
صمتت السيدة ف ولم تقل كلمة واحدة وهطلت دموعها طويلا ثم قالت :
أنا مثلك ومثل زملائك لا أعرف تفسيرا ولكن أقصي ما أستطيع أن أقوله ان هناك بعض الناس خلقت من أجلهم الهموم وربما جلبوها ان تأخرت عنهم .
هناك فريق من الناس حقت عليهم الضلالة .
هناك اناس لا يقدرون لنعمة الله قدرها وهو ما يسمى في الفقه( الكفر بالنعمة) ولكنهم لا يشعرون بجسامة ما يفعلون .
وهناك أمر آخر أعلنه لك أننى لم أكن أعتقد أبدا أن الدكتور مصطفي سيتمكن من نسيانى أو الاستغناء عني مهما أخطأت ..كنت أظن أننى إن ارتكبت إثما فربما يتركني فترة من الزمن ثم يحاسبني ويعاقبنى مثلما حدث من قبل .
رد عليها الطبيب : رغم أنني لم أرتو من الرد إلا أنني أتفهمك وأعلم أنك دخلت إلي حقل الألغام بقدميك وأنت تظنين أنها منطقة آمنة يمكن احتواء ما يحدث فيها والغريب أنك زوجته عشر سنوات كاملة ولم تعرفي أن خروجك ليلا مع صعلوك وتناول العشاء معه ليس إلا لهوا بقنبلة مدمرة وحدث فعلا أنها انفجرت في وجهك ووجه الجميع ..
فقالت : معك الحق كل الحق في كل ما تقول .
وعندما وصل اللقاء الي منتهاه قال لها : ليس لدى يا سيدتى ما أقدمه لك إلا أن أكون أخا لك تستعينين به وقت الشدائد .
فقالت له بأسي والدموع تغرق وجهها : شكرا لك ..أعلم انني سأظل أدفع ثمن ما فعلته مع الدكتور مصطفي إلي الأبد ..