الثلاثاء. سبتمبر 17th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

فصل من رواية ( عبرة الايام )

1 min read

بقلم دكتور محمد السيد حسن – شموس نيوز

الطفل المبتلي عمر في المستشفى

بعد ان اجتاحت بيتنا عاصفة الأحزان بعد اكتشاف اصابة عمر باللوكيميا ( سرطان الدم) ..كان لابد لي من التماسك والصبر لأتدبر كيفية إدارة هذه الكارثة .
اتصلت بزملائي في معهد الاورام ومستشفي ٥٧ لأعرف الخطوة التالية ..وقد اجمعوا علي ان بروتوكول العلاج (خطة العلاج كما يسمونها) تختلف من مركز لآخر حتى في أعتى الدول تقدما في المجال الطبي .
ظللت طوال الليل أقلب الأمور علي وجوهها وانتهيت إلي زيارة مركز الأورام اولا . ثم أخذتنى سنة من النوم رأيت فيها الحبيب الفقيد د. مصطفي وهو يجلس بجوار عمر باكيا ملتاعا ويمسح علي رأسه ويدعو له بالشفاء .

استيقظت من النوم مبكرا وأيقظت أهل بيتى وأيقظت عمر وجاهدنا لكى نبدو امام عمر في حالة طبيعية بعدما رأي فيضان الدموع بالأمس .

اتخذت قرار غريبا في توقيته ولكننى كنت مقتنعا به وهو ان أذهب الي طنطا ومعي عمر لكى تراه والدته.فالله وحده يعلم الي اين تأخذنا مقاديرنا.
وأخذت عمر معي بمفرده وما إن فتحت باب بيتى حتى رأيت منظرا عجبا..رأيت الاستاذ حازم العرابي والد عمر الحقيقي نائما علي سلم بيتي ..فجلست بجواره وأيقظته وقلت له : ماذا تفعل هنا ولماذا تنام هكذا ولم تطرق بابنا ..
مسح عينيه ثم استفاق من أثر النوم وقال لي : لقد رأيت عمر في الرؤيا في كرب عظيم فقمت من بيتي وركبت الاوتوبيس المتجه الي المنصورة وقضيت الليل ابحث عن بيتك حتى اهتديت له وقررت ان انتظر امام بيتك لكى أري فلذة كبدى عمر وأطمئن عليه .وبالطبع لم يكن من اللائق ان أطرق بيتك في هذا الهزيع الأخير من الليل..

قلت له لقد أخطأت في حق نفسك وفي حقي بهذا التصرف وكان لقاؤنا عندك في عملك بالمحلة لقاء حارا يسمح لك بايقاظي في اى وقت ..فرد على وهو منكس الرأس : الم اقل لك من قبل اننى رجل مهزوم كسير لا أجيد المواقف التى تحتاج لرباطة جأش وحسن اقدام ..اصطحبته وصعدنا ادراج السلم لكي يتناول طعام الافطار فأقسم بالله ايمانا غليظة انه لن يصعد وانه يكفيه الاطمئنان علي عمر .

انكب الرجل علي عمر لثما وتقبيلا واحتضانا وعمر مندهش من حرارة اللقاء .
ركبنا نحن الثلاثة وطلبت من عمر ان يركب في المقعد الخلفي بجوار عمه :هكذا قلت له لأنني لم أكن قد اتخذت قرارا بالموعد الذي سأصارح به عمر بأن من يركب بجواره هو والده الحقيقي الذي من صلبه أتى عمر .

ظل الرجل بدافع الأبوة الجارف يحتضن عمر ويقبله بين الفينة والفينة ..فقال عمر لي : ان عمى هذا رجل طيب ياعماه. كان وقع كلمة عمى التي اشار بها عمر الي حازم صاعقا فانفجر بالبكاء وهو لا يستطيع ان يسمع من ابنه كلمة : بابا

فهمت مادار في رأس حازم وقلت له : كل شيئ سيتم كما اتفقنا ولكن في الوقت المناسب فلا تتعجل الامور …مسح الرجل دموعه ثم تسرع وقال لعمر هل يمكن ان تقول لي : يا أبي ..فكان رد عمر صاعقا حين قال ليس لي الا أب واحد هو العظيم الشريف الحنون والدى الدكتور مصطفي رحمه الله …اوشك صبري ان ينفد وقلت لحازم ألم اقل لك منذ قليل : كل شيئ في وقته فلا تتعجل فقال: سمعا وطاعة .
سالنى حازم عن صحة عمر فقلت له انه يعانى مشاكل بسيطة في الدم وسوف يكتب الله الشفاء له ..فسألنى لماذا نحن متجهون الي طنطا فقلت له : لابد ان يزور عمر والدته اولا قبل كل شيئ .
كنت قد اوصيت عمر بما قاله رب العزة عن بر الوالدين وعن احاديث المصطفي عن مكانة الام..وكنت حازما وقاطعا حين قلت له : مهما أخطأت امك فلا يحق لك محاسبتها او محاكمتها او عتابها ..ووعدنى عمر بما أردت .

ذهبنا الي شقة السيدة ف وتعمدت ان يدخل عمر اولا فاحتضن امه بحرارة وقبل يديها وانكب بسرعة فائقة وقبل قدميها ..ثم سلم بفتور ملحوظ علي جدته .
وبعد ذلك جلس عمر في حضن أمه ورأيته يخرج من جيبه بضعة اوراق مالية ووضعها في جيب والدته وظل يحدث والدته عن شوقه اليها ولولا ان ابناء عمى يذاكرون معي لجئت وأقمت هنا بجانبك ..كانت السيدة ف سعيدة بهذا اللقاء الحميم وكانت امها اكثر سعادة حين لمحت عمر يدس الاوراق المالية في جيب والدته.فهذا ما يهمها اولا وأخيرا ..

بالطبع لم يكن حازم معنا بل طلبت منه الانتظار في السيارة ..وحين حان موعد انصرافنا قلت للسيدة ف ان عمر يعانى من بعض المشاكل الصحية في الدم وقد نحتاج اليك لكى تكونى مرافقة له في المستشفي …وهنا انتفض عمر وقال : أية مستشفي لن أذهب الي مستشفيات مهما تطورت الامور ..قلت له : لك ما تشاء .
وعندما خرجنا سلم عمر علي امه وودعها بحرارة .

وبعد ان اصبحنا خارج الشقة انتحي بي جانبا وقال لي قرار الاقامة في. المستشفى من عدمه أمر خالص لك تقرره وما علي الا السمع والطاعة فسألته فلماذا انتفضت هكذا بالداخل رد علي ردا قارعا : لقد انتفضت من فكرة ان تكون رفيقتي في المستشفي فأنا لا احتمل البقاء معها وجها لوجه ..والله لوعشت ابد الدهر ما نسيت خيانتها لأبي ولا نسيت غدرها به بالاشتراك مع الكلب الأجرب عبده بساريا ..لاتكلفنى مالا اطيق ولاتحملني فوق ما أحتمل ..،لقد فتحت الموبايل الخاص بوالدى رحمه الله وتمزقت نياط قلبي وتقطع كبدى إربا حينما اطلعت علي الرسائل التى كان يرسلها لها ويستعطفها بحق العشرة ان ترحمه من الشكوك التي كانت تفتك به ..كان ابي كما تعلم شديد الغيرة وقد ذهبت به الظنون والشكوك مذاهب شتي فلم تعره ذرة من الاهتمام وهي تعلم طباعه وتفكيره وفي رسالته الأخيرة استعطفها بحق الانسانية ان ترحمه من موت محقق ولكنها هزأت به وقال لها بالحرف الواحد : هل يمكن لانسان ان يترك شخصا تلتهم النيران ملابسه وتشتعل في جسده ثم لا يبادر لانقاذه مهما اختلفت العقائد والديانات والقناعات فهذا واجب انسانى فلم تزد الاجحودا ونكرانا .
كنت معها في تلك الايام وكانت تقضي الساعات في محادثات هاتفية اعلم جيدا انها كانت لعبده بساريا وكانت تضحك ضحكات خليعة ..هل تريد منى بعد ذلك ان تكون رفيقتي يوما باكمله .هذا والله لن يكون ما حييت.لقد عاملتها كما يقول شرع ربي بل اننى اعطيتها مصروفي طوال العام الماضي …كنت ادخره لكى اعطيه لها لأننى أعلم ان احوالها المادية الآن سيئة وانا اعلم يقينا ان والدى طلب منك الا تأخذك بها شفقة ولارحمة ..فما دمت فعلت ما اوصانى به الله فلا تطلب منى تجاهها أكثر من ذلك قيد انملة لاننى سأعصي أمرك في هذه الحالة ..

وقفت مشدوها مذهولا من قدرة عمر علي المحاججة وقدرته علي التفريق بين شرع الله وما تحتمله القلوب فيما لا طاقة لنا به ..
وصلنا الى مركز الاورام واسقبلنى صديقي ورأي صورة الدم وصورة النخاع وطلب اعادة كافة التحاليل ومسح ذري وأشعة مقطعية وبعد ان انتهى من كل ذلك قال لي الحمد لله فان نوع اللوكيميا التى عند عمر من الحالات التى تستجيب للعلاج الكيماوى بسرعة ولكنه اصر علي احتجاز عمر لديهم لمدة شهر علي الأقل .
طلب الطبيب المعالج تجهيز السرير الذي سيرقد فيه عمر …ولكن ظهرت مشكلة عويصة حينما سألنى عن السيدة التى سترافقه ..فقال ابوه حازم انا سأكون تحت قدميه فاعترض الطبيب وقال ان المرافق لا بد ان يكون سيدة لان العنبر للاطفال وكل المرافقات فيه نساء …فشرحت للطبيب الظروف الاسرية فسألنى الا توجدأخت له او عمة فقلت : لا يوجد له احد ….ففكر طويلا ثم قال : سأخصص له ممرضة تقوم بدور المرافقة وترعاه بمفرده وتنام بجواره وترفه عنه وتسليه حتى تدبروا اموركم وتبعثوا من يقوم بدورها فشكرته جزيل الشكر وحان موعد الانصراف فاحتضنت عمر وطلبت منه ان يتصرف تصرف الرجال وقبلته بحرارة الا ان المشكلة جاءت من حازم حيث ظل يحتضن عمر ولا يريد ان يفلته ..واستطعنا بصعوبة ان ننتزع عمر من أحضان ابيه ..كان حازم قد ادرك اننا في عنبر سرطان الاطفال وكانت دموعه تهطل كالمطر ..
وبعد ان قفلنا خارجين نادانى عمر قائلا : هل ستتركنى هنا ؟ وبكى بحرارة فجلست بجواره وهدأت من روعه ..وعندما ههمت بالخروج نادانى عمر وقال لي: اننى أحبك جدا قالها بالعامية الموجعة( انا بحبك اوى اوى ) فقلت له وانا اموت فيك عشقا ..وحينما هممت بالقيام قام عمر قبلي وقال بلهجة قاطعة لن انتظر هنا دقيقة واحدة بدونك ..انهمرت دموعي التى كففتها من قبل بصعوبة بالغة .

وخطرت ببالي فكرة فقابلت الطبيب المختص وقلت له : بقاء عمر هنا مستحيل فهل يمكن ان تكتب بروتوكول العلاج وانا سأنفذه حرفيا ..فقال لي ان العلاج مكلف جدا ولابد من عمل صورة دم يوميا والعلاج يعطى في محاليل بالنقطة وسيتم اعطاء دم له اولا باول ..فقلت له سوف انفذ ذلك حرفيا فقال ان الامر شاق عسير فقلت له لن يكون اكثر مشقة وعسرا علي نفسي من ترك عمر بمفرده

كتب الطبيب بروتوكول العلاج بدقة وكتب الملاحظات في روشتة منفصلة وعلمت منه كل ما ينبغي عمله … عندها اصطحبت عمر في يدى وقلت له لم نتركك هل انت راض ؟ فضحك ضحكة فيها كل سعادة الدنيا واصر حازم والده علي حمله وهمس في اذن عمر : اتمني ان اسمع منك كلمة : بابا ..كان عمر في نشوة فقال له لن أقول لك بعد ذلك الا: بابا ..ولم اتوقع ما حدث فقد انهار حازم وسقط علي الارض وظل يبكي بكاء أليما وقال : منذ سنوات طويلة وانا اتمنى ان اسمع هذه الكلمة السحرية التى بعثت في نفسي كل ما اتمناه لم أعد اريد من الدنيا شيئا بعد ذلك.

ذهبنا الي بيتنا وبدأنا بروتوكول العلاج بكل دقة .
في الحلقة القادمة سوف نتابع تطورات الحالة الصحية والآثار المدمرة للعلاج الكيماوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *