الأحد. مارس 7th, 2021

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

فقه الأمل

1 min read

بقلم الدكتور إبراهيم نجم – مستشار مفتى الجمهورية

ما أحوجنا إلي إحياء هذا الفقه في هذه المرحلة. مقالي في اليوم السابع

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، فلولا الأمل لأرهقت الإنسان هموم الدنيا ومشاقها، ولوضع رواحله عند أول ابتلاء يصيبه، آيسًا من غده، وعاجزًا عن مواصلة المسير وتجاوز محنته.
إن ذلك الأمل المرتكز على إيمان المرء بأن الله سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء، وهو المُصرِّف لما في الأرض والسماء، هو ما يضمن للإنسان البقاء وأداء رسالته التي خلق من أجلها، فلولا ذلك الأمل المفعم بالإيمان لقنط أيوب عليه السلام من رحمة الله، ولكفَّ عن دعائه بالسلامة والشفاء، ولما توجه يونس عليه السلام بالدعاء في بطن الحوت، ولتمكن اليأس من نفس يعقوب وانقطع رجاؤه في رؤية يوسف عليهما السلام، ولكن لما عمرت قلوبهم عليهم السلام بالإيمان، قوي أملهم ورجاؤهم في الله سبحانه وتعالى، وعلموا أنه عزَّ وجلَّ يفتح لهم أبواب الأمل مع اشتداد البلاء، ويحثهم على حسن ظنهم به، ويعلِّمهم أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، وأنه عند تناهي الشدة، تكون الفرجة، وعند تضايق البلاء، يكون الرخاء.
إن الأمل صنو الإيمان وقرينه، من فقده فقد إيمانه بربه، وضاعت ثقته في قدرة مولاه سبحانه، وفي المقابل فإن اليأس صنو الكفر لأنه سوء ظن بالله، قال الله تعالى آمرا المؤمنين بعدم اليأس ومحذرا منه {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنرَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
فالله سبحانه لم يسلط على عباده البلاء والمحن تعذيبًا لهم وتعنيتا، وإنما أراد سبحانه وتعالى أن يبلوهم فينظر كيف يعملون، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لما ابتلى الله عز وجل أشرف خلقه وأحبهم إليه محمدًا صلى الله عليه وسلم بصنوف الابتلاءات والمحن، وقد علم صلى الله عليه وسلم ذلك ، وعلم أن البلاء هو سنة الله في خلقه، والأمل هو سمة المؤمنين الصادقين؛ ولذلك لما تعرض صلى الله عليه وسلم للرشق بالحجارة حتى أدمي كعبه وشج رأسه الشريف، حين عرض الإيمان على بعض قبائل العرب، شقَّ ذلك عليه صلى الله عليه وسلم، ووقف حائرا بين الجبال لا يدري أين يتوجه من شدة الغم والحزن، فبعث الله إليه ملك الجبال ليأمره بما شاء فيهم، فقال له إن شئت أطبقت عليهم الجبلين، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد التمسك بالأمل، مؤمنا بأن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، فلم يرد لهم الهلاك، وقال له: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ويوحده.
وكما تكون المحن والشدائد على الأفراد تكون على الأمم أيضا، وقد ابتليت أمتنا بمحن متعاقبة أظهروا فيها إيمانهم وجلدهم وأملهم في الله سبحانه حتى تكشفت المحن وانفرجت، وأعقبها يسر وفرج وتمكين، وقد حكى القرآن الكريم عن محنة من أشد تلك المحن في غزوة الأحزاب، عندما أحاط الأعداء بالأمة من كل جهة، فقال تعالى حاكيا حالهم: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}.
ففي ظل تلك الأزمة وقف النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الأمة كيف تكون الثقة في الخالق جل وعلا، وكيف يكون الرجاء والأمل قادرين على تغيير الصورة وأن يرى صاحبهما ما لا يمكن أن يراه غيره.
إن الأمل الذي ندعوا إليه هو أمل المؤمن في خالقه، وثقته في قدرته وحكمته، لا الأمل المعلق بالأسباب المادية المجردة، فالإنسان لا يأتيه الفرج ولا يدرك النجاة حتى ينقطع كل أمل له في غير الله سبحانه، فإذا ما أغلقت أمامه سائر السبل، وعجزت حيلته ، وتناهي ضره صرف رجائه إلى الله عز وجل، وعلم أنه مصرِّف الأمور، فهنا يحصل الأمل الحقيقي.
وهذا الأمل الحقيقي الذي دعا إليه الشرع، وعمل به الأنبياء والمرسلون والصالحون، لا سبيل إليه عند المتواكلين، الذين يظنون أن أملهم وحده كافٍ بلا عمل أو جهد، فيطلقون الأماني، ويتركون الأخذ بالأسباب، وهذا هو غاية الجهل ومنتهى الغفلة، فالله سبحانه وتعالى جعل رحمته قريبة من المحسنين، والناظر في أحوال الصالحين يرى أن رجاءهم في تحصيل رضا الله اقترن باجتهادهم في الطاعة والعبادة، فعلموا أن الأمل بدون الجد والإجتهاد، أمنية محضة، وغرور بحت.
إن المؤمن إذا صبَر وصدق أمله ورجاؤه في الله سبحانه، عاين الخلاص والفرج، ورأى أمامه قوله سبحانه: {فإن مع العسر يسرا} فاطمئن قلبه، وقويت عزيمته، ومتى لزم المؤمن تلك الصفة، لم يلبث أن يرفع الله محنته، ويقضي حاجته، فيزداد إيمانا مه إيمانه.
فالأمل المفعم بالإيمان هو القوة الدافعة للإنسان على الصمود والعمل، فبه تبنى الأمم وتشيد الحضارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *