الأثنين. ديسمبر 9th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

فيروزتنا.. تميمة المحبة وقطوف النغم

1 min read

أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان – شموس نيوز

فيروز ..العشق الطفولي والوطن ..عنوان مقال كتبته في مثل هذا التوقيت من العام الماضي تحية لعطاء سيدة الغناء الراقي فيروزتنا في عيدها ..كان مقالا تحدثت فيه عن مكنونات كل القلوب المحبة لجارة القمر،كلمة صدرت من قلبي المحب لتصل لقلوب ملؤها المحبة لفيروز ايضا: “فيروز الصوت الملائكى الدافئ فى برد الشتاء تهبك حرارة اللقاء، وفى ساعات الشوق تمدك بأمل الوعود، وفى حالات نسيان جمال الكون والانغماس فى تقنيات المدنية تأخذ بيدك إلى عالم الطبيعة الخلاب، فى صوتها عذوبة الربيع ،وأنفاس الصيف ،وعبق الخريف ودفء الشتاء.لا تسمع غناء فيروز ولكنك ترى الوجود محبًّا للحياة ،الكون والطبيعة والسماء بنجومها ،والأرض بحبالها ،والأشجاروظلالها ،والعشب فى سهولها،والسواقى والصخور،والفجروالليل والعصافيروالحمائم وطير الوروار، كل ذلك ينبض بحركة تتناغم مع نبضات القلب الذى يتسع اتساع الغابات.

لا تجد لفظة فى أغانيها إلا قد امتلأت بالحيوية والحركة، لغة تدب فيها الحياة ولا تعرف السكون، حتى حينما تتغنى ب(سكن الليل) تجد فى ذاك الليل أحلام المشتاقين الذين لا يعرف النوم والسكون طريقًا لهم، والمساكن والدور التى كانت للسكن تدورأكثر من دوران الأنام حين تغنينا (يادارة دورى فينا..) هذا التحرك الدائرى الذى يرسم أبهى صور الجمال ليس تراسلاً للحواس فقط وإنما تصوير لعالم طفولى يحيا فى قلب الإنسان أيضًا مهما تقدم به العمر ومرت السنون، حركة تسرى فى جوانب الأغنية الفيروزية، الأهل يغادرون المكان فتغني(تركوا وراحوا) والهوى فايق، والقمر يجرى بخفة، ومياه البحر تعانق الشط (شط إسكندرية)، والفلك يرحل فى المغيب، هذه الحركة وهذا التنوع هو ما ينقلك فى الصباح وأنت ترتشف فنجان قهوتك إلى أماكن مختلفة فترى نفسك على شاطئ البحر ثم تخبر الجبل البعيد أن الأحبة خلفه لن تثبت فى مكان وأنت تسمع فيروز،

صوت ينتقل بك من فصل إلى فصل آخر حتى تحيا فصول العام دفعة واحدة ؛تحبه فى الصيف وفى الشتا ثم تطالبه بألا ينساها، فقد عاد الربيع وهى تذكر الخريف، وإذا رجعت الشتوية تشدو (ظل افتكر فيّ) هذا النشاط للفصول المتتالية والحب الدائرى فيها يبعث الأمل ويثير نشوة البقاء.. كل الأغانى الفيروزية تغادر الحزن والألم، الهم يطير مع العصافير «ياهم العمر يادمع الدهر يامواسم العصافير» وقلبك يتسع للوحدة الأنين مسلكًا لصخب الموسيقى وصوت الناس فى الأغنية « سألونى الناس» والنسيم لا يكون لوحدك بل بجماعة « نسم علينا الهوى من مفرق الوادي» ليحيا المستمع فى بلاده نشوانًا

« ياهوى خذنى على بلادي» بلادك فيها أجمل الصور والأحلام فيها الضياء والفضاء وحبك الأول الطفولي، فيها الطبيعة التى تأخذ عنك الألم ويذوب فيها الحزن فى شجر الجوز وورق اللوز وزهر التفاح. فيروز تأخذك دومًا من جمال إلى جمال فالعناقيد تراها كثريات الذهب، والحب الذى يصحو بعد زمن لا ينكسر على جانبيه المحبون؛ بل يصبح دعوة لاستمرارية الحياة ،والعيون لوزية تضحك لا تعرف الذبول. لقد جعلت فيروز من أغانيها صورة لجمال لبنان وشط الإسكندرية وبهاء القدس، كما أنها تأثرت بعوالم الموشحات الأندلسية وما فيها من طرب ينبض بجمال تلك الطبيعة الممتزجة بالنفس العاشقة: جادك الغيث إذا الغيث هما يازمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلما فى الكرى أو خلسة المختلس.
لقد حرصت فيروز على أن تصل إلى كل مستويات الخطاب لتغدو أغانيها فى قلب كل عربى فقد صدحت للشاعر اللبنانى سمير عقل بقصائد منها: غنيت مكة أهلها الصيد والعبد يملأ أضلعى عبدا فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زبدا. فليس بمستغرب أن يفخر أنسى الحاج أنه من شعبها فهى بحق تجسد مسيرة عطاء تتدفق كنهر الليطانى حين نسمعها تشدو ( أنت الدنيا يا وطني). لم تكن دافعية الفرح فى أغانى فيروز من انتقاء الكلمة فقط وإنما من اختيارها لأساتذة الطرب وبهاء صوتها.لقد قدمت أكثر من 800 أغنية بألحان كبار الموسيقيين عاصى الرحبانى وابنها زياد وزكى ناصيف وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب حيث غنت له (ياجارة الوادي) و(سهار بعد سهار). قد تكون بعض أغانيها مثل «غزل البنات» تذوب فى فم الأطفال لكن تبقى فى ذاكرتهم وأحاسيسهم ترفع من وعيهم وتشكل طرائق تفكيرهم. أبواب العشق الطفولية تبقى زاهية فى نظر الأجيال والشعوب المختلفة ؛فأنت تزهوحين تسمع أغنية فيروزية من فرقة الموسيقار العالمى «أندريه ريو» ولا تضيق بك الطريق إذا عرفت أن موسيقى أغنية (يا أنا يا أنا ) فى الأصل كانت مقطوعة ساحرة لموزار (الحركة الأولى من السيمفونية 40) وتفخر أنها غنت للقدس (زهرة المدائن) وللشهداء أنهم (يبقوا مثل زهر البيلسان). ومن أعمال فيروز الملقبة ب« جارة القمر» و« جارة القدس» على مدار مسيرتها الفنية زخم من الأعمال المسرحيّة الغنائية من أبرزها باكورة ماقدمته على المسرح « جسر القمر» عام 1962 .كما قدمت ثلاثة أفلام سينمائية منها «بنت الحارس» إنتاج 1968. كما أنها قدمت برنامجا تلفزيونيا غنائيا بعنوان

« الإسوارة» عام 1963. لم تكن فيروز صوتًا حالمًا فحسب، وإنما هى صوت السمو والبراءة والصبا أيضا، لم تعرف سوى الطرب والندى، كان فى صوتها أنفاس الناس ومسامعهم وأمالهم وعشقهم للحياة والوجود الساحر، تختار ما يعرفه العربى من شعر فصيح وتثرى لهجة لبنان بقاموس تراثى يروى عطش الشباب إلى المعرفة ، وتذيب ألم العاشقين فى ربوع الطبيعة، وتقفز بالأخيلة إلى النجوم والقمر، موسيقاها تعانق معانى الأغاني، وصوتها نسائم دافئة بالشتاء حانية بوضوح عن معانى الكلمات ؛بل تبعث فى كلماتها معانٍ كثيرة بنقاء صوتها واتساعه والتحكم فى طبقاته والتنقل بين المقامات والنغمات بسلاسة وهدوء.”
فهي ليست مجرد مطربة تغنى ألحانا،بل هي طاقة نور نزلت على الأرض لتملأنا بالإحاسيس والمشاعر النابضة،إنها بحق مثال حي لكيفية ان ترعى برعما صغيرا ليترعرع ويصير هذا الكيان الذى لا يختلف عليه أحد إعجابا وعشقا، إنها موهبة منحها الله من يرعاها،إنه زوجها عاصي الرحباني هذا الموسيقار العظيم الذى حقق لنا هذا الحلم ،فما فعله عاصى بقلبه الطفولي البريء هو مثال حى كيف يكون الفنان ،فقد كان يقف على شاطئ البحر ذات يوم فرأى طفلة صغيرة و ابوها يسألها:قديش تحبينى؟ففتحت الفتاة ذراعيها و قالت :كبر البحر بحبك ..بعد السما بحبك فما كان منه إلا أن أطلق لنا موسيقى كموج البحر و كتب هذه الكلمات ليسعدناو جاء صوت فيروز ليحقق هذا الحلم الطفولي في أغنية نعيشها حتى اللحظة ونتغنى بها ليل نهار كما لو كانت جديدة بكر تداعب مسامعنا.
والمدهش انه لم يحتكر صوتها ،بل اطلقه يتغذى من قطوف النغم لأعظم الملحنين و الكتاب لينطلق ويشدو بطعوم مختلفة يستقيها من وجدان ومدرسة كل ملحن على حدة ففاز المستمع العربي بتلاوين موسيقية غنائية منحته السعادة والحبور وابعدت شبح الملل من السكنى بتعابير موسيقية واحدة .
فلا شك ان هذا هذا التنوع خدم صوت (فيروزتنا) الحبيبة ومنح أداءها الصوتي خبرات جديدة تنصاف لما منحته ألحان الرحباني إليها. فلم يحبس عاصي صوتها كما فعل الكثير من الملحنين مع زوجاتهم المطربات وحرموا المستمع العاشق لأصواتهم مما اكتسبه صوت فيروز من التنوع الغنائي المائز، فلم يظل حبيسا بل حرا حرية الطائر المغرد على الأفنان يأخذ من رحيق كل زهرة زاده .
لقد اهتم عاصي الرحباني بفيروزته فحافظ على تلألؤها بأن نصحها بالابتعاد عن الأضواء الإعلاميةو لم يسمح لها ان تقوم بعمل اية احاديث إذاعية او تليفزيونية وقد عملت بنصحه طوال حياته إلا أنها ادلت بعدها بأحاديث قيمها النقاد بأنها كانت غير موفقة !
وإذا تناولنا تاريخهما معا ليس كثنائي فني ناجح فقط بل كزوجين محبين نطق حبها له عندما كان مريضا فغنت له فيروز على المسرح:
سألونى الناس عنك يا حبيبى
و لأول مرة ما بنكون سوا
لنجد دموعها تنهمر حزنا وشوقا ووفاء لهذا الرجل الذي رافقها مشوار نجاحها ومحطاته.

إنه ذلك المبدع الذى خرج من تحت عباءته العديد من الموسيقيين المبدعين في مصر والوطن العربي في مقدمتهم عازف الكمان المصري الشهير واضع موسيقا وألحان تتر المسلسل الأشهر (ليالي الحلمية)الموسيقار ميشيل المصري.
اختلفت حياة فيروز برحيل داعمها وراعيها عاصي الرحباني ليأتي ابنها زياد ليتسلم راية فيروز الفنية ويدخل صوتها مرحلة جديدة تتفانى فيه أداء واحساسا لتحتفظ بالقمة، مكانة لاتتزحزح عنها مهما تكالبت عليها سنوات العمر ،والإتقان دأبها فهي بحق راهبة من راهبات الفن الأصيل تعطيه من دمها وخلجات فؤادها لتصب في وجدان مستمعيها دررا لا تقدر بثمن،و تبث فينا حياة وتملأ الوجدان بالطاقة الإيجابية من المحبة والعطاء وحب الحياة .هذه هي فيروزتنا التي نحتفي بيوم ميلادها هذه الأيام فلا أقل من أن يبعث لها محبوها باقة ورد تحمل كل ورقة من زهور الباقة أمنية مخلصة بالدعاء لها بالصحة والعافية والمباركة في العمر والعطاء، دامت فيروزتنا تميمة المحبة وايقونة نادرة لفن جميل واصيل نرجوه عائشا بيننا يغذي وجداننا ويمنح قلوبنا أطياف السعادة التي تعيننا على تحمل مشقة الحياة وصعابها!