الثلاثاء. سبتمبر 22nd, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

قراءة نقدية لقصيدة “شموع الأمل”

1 min read

بقلم الدكتور” صبري فوزي عبد الله أبو حسين “

البنية الفنية في قصيدة (شموع الأمل) للشاعرة المغربية نبيلة حماني

[رؤية نقدية مقدمة إلى ملتقى (قناديل الفكر والأدب) الذي يديره ويشرف عليه الدكتور جمال مرسي، في الندوة المقامة يوم20/7/2020م].

البنية الفنية في قصيدة (شموع الأمل) للشاعرة المغربية نبيلة حماني
للدكتور/صبري فوزي عبدالله أبوحسين
[رؤية نقدية مقدمة إلى ملتقى (قناديل الفكر والأدب) الذي يديره ويشرف عليه الدكتور جمال مرسي، في الندوة المقامة يوم20/7/2020م].
(شموع الأمل) للشاعرة المبدعة نبيلة حماني قصيدة تفعيلية سطرية حرة في إيقاعها، وُسطى في كمها السطري، تتكون من اثنين وأربعين سطرًا، جاءت بنيتها الإيقاعية على نسق البحر المتقارب(فعولنْ)، بصورها (فعولنْ السالمة مثل(بعيني)، و(فعو) مثل[تزلْ]، و(فعولُ مثل (جمالِ). وبين السطرين التاسع والعاشر تدوير، حيث ربطت الشاعرة إيقاعيًّا بين التفعيلة الأخيرة في السطر التاسع والتفعيلة الأولى في السطر العاشر، تقول:
و مما روته الأساطيرُ
منذ قديم الزمانِ الذي قيل منها
وتأتي القافية المتقاطعة المقيدة(اللام الساكنة)رابطة بين معظم سطور النص ومقاطعه؛ ففي السطر الأول نجد القافية(تزلْ)، وفي السطر الخامس(بالقبلْ)، وفي السطر الحادي عشر(يقلْ)، وفي السطر السابع عشر(الأزلْ)، وفي السطر الحادي والعشرين(الغزلْ) وفي السطر الثامن والعشرين(الوجلْ)، وفي السطر الرابع والثلاثين (الحُللْ)، وفي السطر التاسع والثلاثين (يكتملْ)، وفي السطر الثاني والأربعين، الأخير (الأملْ).

وجاء السطران: الثاني والعشرون، والثالث والعشرون متحدي القافية، حيث الختم بالتاء المطلقة بالضم، والدالة على المتكلمة الساردة العليمة! تقول شاعرتنا:
على درب حُلمِي مشيتُ
تعبتُ , سكنتُ , غرقتُ
والنظرة الرأسية لرؤية النص تدلنا على أن الشاعرة جعلت بنية نصها مكونة من عنوان رئيس أساس(شموع الأمل) وقسمين فكريين كبيرين، ثم بيت أو سطر الختام.
أما العنوان الرئيس(شموع الأمل) فهو تعبير إضافي مكون من لفظة المضاف(شموع)، وهي مادية محسوسة تدل على الإضاءة والحرارة، وهي جمع تكسير للكثرة! ولفظة المضاف إليه(الأمل)، وهي معنوية، ذات إيحاء نفسي طيب، حيث تلك اللفظة المريحة المطمئنة التي تستمر بها حركة الحياة والأحياء.

أما القسم الأول:
فيبدأ من السطر الأول حتى السطر الحادي والعشرين، ويهيمن فيه الزمن المضارع حيث جاء اثنتي عشرة مرة حيث: الأفعال [تزل/تطوف/تراود/تعطر/تقول/تثير/يُقل/تناغي/تهيم/تصبو/تشق/ينمو] مقابل مرتين جاء فيهما الزمن ماضيا حيث الفعلان[قيل/روته].

أما القسم الثاني:
فيبدأ من السطر الثاني والعشرين حتى السطر الأخير الثاني والأربعين. وهيمن فيه الزمن الماضي حيث جاء ست عشرة مرة، منها ثلاث عشرة مرة مختومًا بالتاء المتكلمة المضمومة، وهي: [مشيتُ/تعبتُ/سكنتُ/غرقتُ/قطعتُ/سافرتُ/صنعتُ/غنيتُ/ارتديتُ/مضيتُ/شربتُ/تمنيتُ/سمعتُ] وثلاثة أفعال ماضية مطلقة، غير مقترنة بضمير التكلم أو الخطاب، وهي:[كانَ/تناثرَ/ أضاء]
لقد وظفت الشاعرة صيغتي الزمنين: المضارع والماضي، في عرض رؤاها، من خلال تقسيم العمل الشعري هذين القسمين. وهذا الصنيع الشعري مناسب لمقام كل من القسمين؛ فالقسم الأول فيه ثنائية بين الشاعرة ومن تخاطبه في السطر الأول قائلة:(ولي فيك بعض المنى لم تزلْ)، ثم تخبر عن قوله:

تقولُ :
بعينيكِ أفراحُ عيدِ
تثيرُ منَ الْقصص المغرياتِ
و مما روته الأساطير
منذ قديم الزمانِ الذي قيل منها
و ما لم يٌقلْ

ثم تصفه:
تناغِي سكوناً
تهيمُ بصمت الحديثِ
وتصبو كطفلٍ غَريرٍ
…وتظل تصفه إلى تختم هذا الوصف بهذا التصوير الفني الاستعاري والتشبيهي المتداخل، المعبر عن التأثير الجمالي فيها، حيث تقول:

تشقُّ بصحراءِ عمرِي بحورًا عِذابًا
فينمو نخيلٌ , مداه ظلالٌ
ولحنٌ كسحرِ الغزلْ.
وما أجمل هذا التشبيه(لحن كسحر الغزلْ)

ويأتي القسم الثاني سردًا ذاتيا خالصًا عن الحالة الماضية المنتهية للشاعرة:
على درب حُلمِي مشيتُ
تعبتُ , سكنتُ , غرقتُ
قطعتُ مسافاتِ شوقٍ
وسافرتُ مثلَ اليمام إليكَ
ثم تعلن عن الجانب المظلم الليلي من حالتها الماضية هذه، تقول:
مضيْتُ على هُدْبِ ليْلي
أسائلُ نجْماً
لم الحُلمُ كان سَراباً
شربْتُ لظاهُ وضاع صبيّاً , فتيّاً , نديّاً
و يا كم تمنيتُ لو يكتمل.
فما من جوابٍ سمعتُ
سوى بعضِ نورٍ تَنَاثرَ في كلِّ صوبٍ
أضاءَ بعيني شموعَ الأملْ
فالسراب واللظى والضياع وعدم الاكتمال والتناثر ظاهر واضح في هذا الختام الحزين الذي لم يخفف منه إلا العبارة المفتاح، العبارة الأم، العبارة العنوان (شموع الأمل)!
والنص به ثالوث مهم، يكاد يتوزع في النص، وهو(المنى/الأمل/ الحلم): (المنى) تلك اللفظة الدالة على رغبة مستحيلة، و(الأمل) الدال على هدف مرغوب دافع على الحركة والحياة، و(الحلم) على رغبة نفسية مضمرة.

تقول الشاعرة في المطلع: [ولي فيك بعض المنى لم تزل….] وتقول في وسط النص (ولي فيك كل الأماني) متحولة من البعض إلى الكل، ومن المنى إلى الأماني.

ثم تنتقل بنا الشاعرة من (المني والأماني) إلى (الحلم) في بداية القسم الثاني من النص، حيث تقول:
على درب حُلمِي مشيتُ
ثم تختم الشاعرة النص ببعض النور وشموع الأمل في سطريها الأخيرين، حيث تقول:
سوى بعضِ نورٍ تَنَاثرَ في كلِّ صوبٍ
أضاءَ بعيني شموعَ الأملْ
والبناء التعبيري في هذه الرائعة ماتع ناصع يُحيي فينا الجمال اللغوي والتصويري عند المدرسة الرومانسية ديوانيًّا ومهجريًّا وأبوليًّا، حيث تعبيرات: (رياض الجمال)، (ثغر الضحى)(أفراح عيد) (تناغي سكونًا) (تهيم بصمت الحديث)(ماس شفيف) (نور الأمل) (لحن كسحر الغزل) (أسائل نجما)… هذا إضافة إلى أن هذا النص أنموذج عالٍ لما يسميه الدكتور محمد مندور الهمس الشعري واللغوي!
شكرًا أختنا نبيلة، دام إبداعك، وأمتع، وأسمع!

النص المقروء:
(شموع الأمل):
1-ولي فيكَ بعضُ المُنَى لم تزلْ
2-كريْحانةٍ في رياض الجمالِ
3-تطوفُ بعيْنِي
4-تراودُ حلْمِي
5-تعطِّر ثغرَ الضحي بالقبلْ
6-تقولُ :
7-بعينيكِ أفراحُ عيدِ
8-تثيرُ منَ الْقصص المغرياتِ
9-و مما روته الأساطير
10-منذ قديم الزمانِ الذي قيل منها
11-و ما لم يٌقلْ
12-تناغِي سكوناً
13-تهيمُ بصمت الحديثِ
14-وتصبو كطفلٍ غَريرٍ
15-لبسمة صبحٍ مضيء
16-نَداه على الورد ماسٌ شفيفٌ
17-وهمسٌ كنورِ الأزلْ
18-ولي فيك كلُّ الأمانِي
19-تشقُّ بصحراءِ عمرِي بحوراً عِذاباً
20-فينمو نخيلٌ , مداه ظلالٌ
21-ولحنٌ كسحرِ الغزلْ.
22-على درب حُلمِي مشيتُ
23-تعبتُ , سكنتُ , غرقتُ
24-قطعتُ مسافاتِ شوقٍ
25-وسافرتُ مثلَ اليمام إليكَ
26-يرومُ جِناناً هي المستقر.
27-رفيقاي فيها اصطبارٌ ووهمٌ
28-و منجايَ ظِلُّ الوجلْ
29-صنعتُ من الوهمُ قصراً
30-وغنيتُ لي
31-ما يظلُّ لحوناً وعزفاً يبدد خوفي
32-فلم يَسْمَعِ الشدْوَ صَحْبٌ
33-ولا مَنْ إليهِ ارتديت
34-بَهيَّ الحُللْ
35-مضيْتُ على هُدْبِ ليْلي
36-أسائلُ نجْماً
37-لم الحُلمُ كان سَراباً
38-شربْتُ لظاهُ وضاع صبيّاً , فتيّاً , نديّاً
39-و يا كم تمنيتُ لو يكتمل.
40-فما من جوابٍ سمعتُ
41-سوى بعضِ نورٍ تَنَاثرَ في كلِّ صوبٍ
42-أضاءَ بعيني شموعَ الأملْ
الشاعرة المغربية: نبيلة حماني