قــراءة مـقـلوبــة لأولــويــات المـرحــلة

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 18 مايو 2014 - 10:00 مساءً
قــراءة مـقـلوبــة لأولــويــات المـرحــلة

مشكلة النخبة من المثقفين المصريين ، إنفصالهم عن الجماهير، باعتبارهم الصفوة المنتقاة من العوام ، وبُعدَهم عن الشارع ، بحكم انشغالهم الدائم بالتثقف من أجل الجماهير وخدمة لهم . وهذا الإنفصال ، وذاك البُعْد ، يُفقِد المرء الإحساس بنبض الجماهير وهو بينهم ، وفي وسطهم ، ويهتف معهم بما يهتفون ، إنما هي العزلة الشعورية التي تجعل المرء يفتقر إلي حسن إدراك التوجه الجماهيري الغالب ، والموجة الشعورية الغالبة ، فتكون النتيجة الحتمية لوجود هذا الجدار العازل ، القراءة المقلوبة للمشهد بتفاصيله الدقيقة ، من جانب المثقف ، فيجد نفسه في جانب ، والجماهير في الجانب الآخر ، بل إنه قد يجد نفسه في الإتجاه المعاكس في ذات الجانب ، وبدلاً من قيادة الرأي العام ، والتأثير في توجهاته العامة ، بما يخلق ضغطاً علي صانع القرار، أو دعماً له ، يجد نفسه في حالة تناقض وتصادم مع احتياجات الشارع وتطلعاته . بل وفي حالة خصومة وتعاند ، قد تصل إلي الترفع والتعالي ، والتبرم الدائم من  جانبه ، لوجود قراءة مختلفة للمشهد من جانب الجماهير تختلف عن قراءته . وإشباعاً لحالة الغرور والتعالي ، لابد وأن تكون القراءة المختلفة هي القراءة الخاطئة ، وهي خاطئة لتفشي حالة الجهل والتخلف لدي أصحابها ، وهي خاطئة لسهولة التأثير عليهم لقابليتهم للإستهواء ، وهي خاطئة لوقوعهم تحت تأثير قصف إعلامي مركز يغسل أدمغتهم ، وهي خاطئة لتعرضهم للإبتزاز بسبب عوزهم . صاحب القراءة الخاطئة ـ باعتبارها مختلفة مع قراءة المثقف النخبوي ـ هو ضحية لعوامل كثيرة ـ من وجهة نظر المثقف ـ لذا كان لزاماً علي المثقف ـ من باب البحث عن دور ـ أن يدافع عن قضية صاحب القراءة المختلفة . والواقع أن قراءة المثقف النخبوي نتيجة لبناءه الجدار العازل بينه وبين مجتمعه هي القراءة الخاطئة ، لأن قراءته مقلوبة لأولويات المرحلة التي يعيش فيها مجتمعه . والقياس العقلي المنطقي الذي لا يختلف عليه إثنان ، يقضي بأن درء المفسدة مقدم علي جلب المنفعة ، كما لو أن أحدهم قد قذفك بحجر وتفاحة في آن واحد ، فليس من المنطقي أن تلتفت إلي التفاحة لتلتقطها ، وتدع الحجر يبطح رأسك ، وإنما المنطقي أن تتفادي الحجر ، ثم تلتقط التفاحة فيما بعد .

أما أن تصر علي التقاط التفاحة أولاً فتلك هي القراءة المقلوبة للمشهد . وعندنا في مصر بعض المثقفين النخبويين الذين يصرون علي تلك القراءة المقلوبة للمشهد ، بإصرارهم علي وضع العربة أمام الحصان ، وهم يدركون أن مهمة الحصان جر العربة وليس دفعها ، فمن المنطقي وضعها خلفه وليس أمامه . والأوضاع في مصر قبل ثورة يونيه 2013 م في ظل نظام الحكم الإخواني كانت تسير في أحد إتجاهين : إما إختطاف الدولة وفقاً لمشروع الجماعة . أو نشوب حرب أهلية بين ميليشيات الجماعة والمجتمع ، أي أن الشعب كان بين خيار الموت أو الموت . وفي ظل هذا الوضع تجد من يقول لك بأنه لم يكن يتعين علي الجيش أن يتدخل منحازاً إلي طرف علي حساب الآخر، وإلا عُدَّ تدخله انقلاباً ، مع أن تدخله في هذه المرحلة كان انقاذاً في ظل حالة الصمم والإستغشاء التي أصابت النظام الحاكم في حينه .

ولا يقول لي مثقف من هؤلاء أن الحشود الهادرة التي نزلت في مواجهة هذا النظام كانت جماهير ” فوتوشوب ” ، أو أن هذه الحشود لم تكن في حاجة إلي تدخل قواتها المسلحة لإنفاذ إرادتها وحمايتها . صحيح أن المسطور في بطون الكتب يقرأ مشهد تدخل الجيش في الحياة السياسية انقلاباً ، ولكنها في الحالة المصرية قراءة مقلوبة . كما أن قراءة اعتصام رابعة باعتباره اعتصاماً سلمياً يمثل حقاً مكفولاً من حقوق الإنسان لم يكن يتعين فضه ، وإن جاز فليس بهذه الطريقة ، هي أيضاً قراءة مقلوبة ، لأن الإعتصام استمر لفترة غير مسبوقة تاريخياً ، وكان مسلحاً ، وكان يمثل بؤرة صديدية تستهدف خلق شرعية موازية لشرعية الدولة ، وخروجاً عليها ، بقصد إتاحة الفرصة لتدخل قوي معينة لفض النزاع بين شرعيتين .

وكونه كان مسلحاً ينزع عنه أي مسحة تحول بين الدولة وحقها في استخدام القوة المسلحة لفضه . وليس متصوراً شرعنة الخروج المسلح علي الدولة والمجتمع بدعوي الحفاظ علي حق مُدَّعَي في شرعية مزعومة  ، في مقابل نزع الشرعية عن حق مقرر في شرعية قائمة . ولا شك أن الإعتصام بصورته التي كانت قائمة كان مفسدة عظيمة تستوجب الدرء قبل استجلاب أي منفعة . وما المثقف النخبوي ـ مع افتراض حسن النية وليس سوء النية ـ إلا كالإخواني الذي لا يري حديث انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً إلا بعين واحدة  ، فتراه ينصر صاحبه باعتباره مظلوماً علي طول الخط . فالمثقف النخبوي رأي فيما حدث انقلاباً ـ سواء انقلاباً عسكرياً أو انقلاباً علي الحرية أوالديمقراطية أوحقوق الإنسان ، أو كل ذلك جميعاً ـ ثم مد الخيط علي استقامته دون أن يلتفت  لإعادة قراءة المشهد . وإزاء حالة القبول والحب التي حظي بها المشير السيسي ـ علي نحو تلقائي ـ علي نطاق واسع بين جماهير الشعب ، وذلك للشجاعة التي تحلي بها ، والتضحية المحتملة بحياته التي أقدم عليها ، وانحيازه لإرادة الشعب ، وتلك معادلات إنسانية متبادلة تسمو فوق حسابات الورقة والقلم ، والربح والخسارة ، إزاء ذلك توجس المثقف النخبوي من بزوغ نجم شخصية كاريزمية تلتف حولها الجماهير ، فتنجرف في اتجاه صناعة الدكتاتور . وصناعة الدكتاتور تتصادم مع غايات الثورة وأهدافها .

فكان لابد من تشويه المشهد بالقراءة المقلوبة له . فما أن طالبت جماهير الشعب ـ والحديث دائماً عن الأغلبية ـ المشير السيسي بالترشح لرئاسة الجمهورية ، حتي جري استدعاء كل سوءات الحاكم الفرد ، خاصة من كان صاحب خلفية عسكرية . ذلك قبل أن يعلن الرجل ترشحة ، وزادت ضراوة الحملة المضادة بعد إعلان ترشحه . والقضية هنا ليست قضية ترشح السيسي من عدمه ، ونجاحه في الإنتخابات من عدمه  ، وإنما القضية هي قضية القراءة المقلوبة للمشهد .

فقد ذهب الفكر النخبوي إلي القول بأن التبشير بالحاكم الفرد صاحب الخلفية العسكرية يعني الترويج للخبز والأمن بديلاً عن الديمقراطية ، والترويج لاستقرار الدولة وتماسك المجتمع ومواجهة الارهاب بديلاً عن حقوق الانسان وسيادة القانون ، فالقضايا الأولي لها الأولوية علي القضايا الثانية ، بما يعني فك الإرتباط الموضوعي بين الثورة وأهدافها . والعودة إلي الحاكم الفرد / المنقذ / الملهم / صاحب القدرات الخارقة ، في مقابل ضعف المساءلة / المحاسبة / الرقابة . هذا الموقف الفكري من المثقفين النخبويين يضع المجتمع في مواجهة ساخنة في تصورهم مع المرشح السيسي ، وفي موقف سلبي من المؤسسة العسكرية ، وإحداث نوع من الفصام النكد بينها وبين المجتمع المصري . والواقع أن موقف المثقفين منتقد من زاويتين ، الزاوية الأولي : أن الدستور الحالي ، والسلطات الموزعة ما بين رئيس الجمهورية ، ورئيس الوزراء ، ومجلس النواب يحول دون صناعة الحاكم الفرد / المطلق / المستبد . ولم يعد الشعب المصري في حاجة إلي ثورة جديدة مع صلاحية البرلمان في سحب الثقة من الرئيس ، ولم تعد الحكومة مجرد سكرتارية لرئيس الجمهورية . ولم تعد الحرية وحقوق الإنسان مجرد منحة من الرئيس ، وإنما هي حق دستوري لا ينازع . ومن هنا يصبح لزاماً علي المثقفين إعادة قراءة الدستور، وإعادة البناء علي هذه القراءة . والزاوية الثانية : أنهم وضعوا احتياجات المجتمع في مواجهة تناقضية فيما بين بعضها البعض . فمن قال أن الأمن والخبز بديل الحرية ؟. ومن قال أن استقرار الدولة وتماسك المجتمع بديل حقوق الإنسان وسيادة القانون ؟ . وجميعها احتياجات بشرية لازمة لأي تجمع بشري ، والقضية هي قضية ترتيب الحاجات بحسب أهميتها النسبية للفرد والمجتمع . أو بمعني أدق ، النظر في حاجة المجتمع إلي الحرية  ، والديمقراطية ، وتداول السلطة ، وحقوق الإنسان ، في ظل الظروف الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والدولية التي تمر بها مصر . وحتي تكون قراءة المشهد المصري الراهن في الإطار الصحيح .

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.