الأثنين. ديسمبر 9th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

كتاب ” استراتيجيات اساسية في علاج الادمان، مأزق المدمن والأسرة وطوق النجاة”.

1 min read

الدكتور أحمد الباسوسي – شموس نيوز

الفصل الاول
المشكلة … تأثيرها في مصر
في نهار الأحد من شهر مارس عام 2013 كان يقف شخصان على ناصية شارع الغزالي المتفرع من شارع ناهيا بمنطقة بولاق الدكرور المزدحمة بالبشر، تشي ملامحهم المنهكة ببكورة الشباب.كانا يستندان على جدار بناية قديمة، وكان الشارع مزدحم مثل العادة. وضح على الشابين إنهم في حالة مزاجية غير طبيعية وظهر ذلك على سلوكهم المنفلت، وتهورهم وجنوحهم في اتجاه الآخرين. اتخذت حالتهم المزاجية شكلا هوسيا مزعجا في الشارع، طفقوا يتحرشون بالمارة في شارع نهيا الشعبي ويثيرون الجلبة والصخب في الطريق العام، ولم يمنعهم شيء من رشق المارة في الشارع بالالفاظ البذيئة والجنسية المنفلتة، والتحرش الجسدي ببعض النسوة أحيانا. والمدهش إن أحدا من المارة لم يجرؤ على التصدي لممارسات الشابين في الطريق العام نظرا لما هو معروف عنهما بتعاطي المخدرات بكثافة، وحملهم اسلحة بيضاء ونارية أحيانا في ملابسهم، صنفتهم الشرطة المحلية على اعتبار إنهم مسجلين خطر، واعتاد الناس في هذا المكان على تجنبهم والابتعاد عن المشاكل. أحد الشابين مال على زميله هامسا في أذنه ببضع كلمات، والآخر استجاب بتلقائية، دخلا شارع الغزالي الطويل الضيق، عرجا على بيت خال أحدهم، المنزل مكون من خمسة طوابق، كل طابق يحتوي على شقتين، الباب الخارجي مفتوح، والرجل يعيش في شقته بالطابق الأرضي وحيدا بعد وفاة الزوجة وخروج الابناء والبنات بالزواج والسفر. ضغط ابن شقيقته على جرس الباب، لم يستجب أحد، كرر الأمر مرة ثانية وثالثة، لم يستجب أحد أيضا، قال لزميله إنه متأكد إن الرجل بالداخل، لايترك الشقة ابدا سوى للصلاة وما يزال الوقت مبكرا على صلاة المغرب، استخدم كف يده القوي في خبط الباب، لا استجابة أيضا. تصاعد الغضب، قال لنفسه وزميله بجواره” العجوز رآنا من العين السحرية ويرفض استضافتنا، لابد أن يخرج والا كسرت الباب”. انهال وزميله الغاضب بقوة خبطا على الباب باليد والاقدام ثم قررا اقتحامه بجسديهما، كان الرجل واقف متسمر خلف الباب، ضاع صوته من شدة الرعب، دخلا رأسا نحو غرفة النوم، طفقوا يفتشون في خزانة الملابس، ويقلبون فرش السرير بحثا عن نقوده المختبأة، استجمع الرجل شجاعته جرى خلفهم، قرر ان يوقفهم، دفعه ابن شقيقته بقوة ليبتعد عنهم في بحثهم المحموم عن النقود المختبأة بحسب اعتقادهم، تهاوى الرجل. ارتطمت رأسه بالحائط قبل ان يسقط على الأرض مضرجا في دمائه من دون حراك. لم يشغلهما هذا الأمر كثيرا، استمرا في البحث والتنقيب في الأماكن التي يحتمل ان يكون العجوز خبأ نقوده داخلها من دون نتيجة، وقبل ان يقررا الإنصراف كانت الشقة قد اكتظت بالنسوة والرجال من الجيران الذين هلعهم صوت الارتطام بالباب والمشاجرة داخل الشقة، دوى صوت الصياح والصراخ في المكان بقوة. رفع الشقيان اسلحتهم في مواجهة الأهالي، اطلقوا عدة أعيرة لأعلى قبل ان ينفتح الطريق امامهم ويفروا الى الخارج. وأما العجوز فجاءت سيارة الاسعاف وتم انقاذه قبل ان يفقد كل دماءه فوق سجادة غرفة النوم العتيقة. رجال الشرطة عاينوا المكان، استجلوا شهادات الجيران، انتهوا من اجراءاتهم الشكلية وانصرفوا معلنين مطاردتهم للجانيين المتهورين. عاد الهدوء للمكان، وليس لسكان المنطقة المكتظة بالكثير من هذه النوعية من الشبان الذين يتعاطون المخدرات ويتداولونها بيعا وشراء في وضح النهار، وامام أعين الجميع من دون ان يضايقهم أحد. والمثير للدهشة كان في العودة السريعة للشابين المتهورين للظهور في المنطقة وممارسة انشتطهم السابقة في التعاطي والمتاجرة في المخدرات ومضايقة الناس والتحرش بالنساء احيانا. هذا الحادث يكشف عن عدة حقائق يننبغي التعامل معها بجدية وبساطة.
اولا: ان جهاز الأمن خلال هذه الفترة التي شهدت اضطرابات سياسية وامنية واسعة لم يكن بمقدوره السيطرة على كافة الامور الأمنية في البلاد منذ احداث يناير 2011. خلال تلك الفترة تم استنزاف الجهاز، وخسر خلالها الكثير من هيبته وسمعته ومقاره ورجاله ايضا.
ثانيا: نتيجة لهذا الفراغ الأمني المفاجئ في البلاد ظهرت عصابات تجارة وتداول المخدرات في الشوارع تعمل في وضح النهار وانضم الى هذه العصابات الآف من شباب العاطلين والمدمنين، اضافة الى اتساع مسرح الجريمة بكافة صنوفه من سرقة سيارات وسلب وخطف وقتل واغتصاب واعتداء على اراضي الدولة وأملاك الغير…الخ من الجرائم التي تسبب انتشارها بشكل وبائي في هلع المواطنين وفقدانهم الشعور بالأمن.
ثالثا: كان لانتشار تجارة المخدرات وتداولها نصيب كبير نتيجة لهذه الفوضى، يذكر عبد الرحمن حماد رئيس وحدة مكافحة الادمان بمستفى العباسية انه وفقا لاحصاء وزارة الصحة فان نحو (6%) من المصريين يتعاملون مع المخدرات بطريقة ضارة ولايمكنهم الاقلاع عنها، ومعنى ذلك ان عدد الذين يحتاجون للعلاج من الادمان في مصر يتراوح بين (5-6) مليون مصري. و أيضا في ضوء البحث القومي للادمان الذي تم انجازه باشراف وزارة الصحة المصرية فان نسبة من تعاملوا مع المخدرات تبلغ نحو (20.6%) من ابناء الشعب المصري سواء لمرة واحدة أو أكثر في حياتهم، أو على فترات متقطعة كالاعياد والافراح، أو بصورة منتظمة لكن لأقل من سنة ويمكنهم التحكم والاقلاع عنها، أو بصورة منتظمة ولايمكنهم الاقلاع عنها.
رابعا: يتسع نطاق انتشار المخدرات في المناطق الفقيرة والعشوائية حيث تكون السيطرة الأمينة في هذه المناطق ضعيفة، وينتشر سلوك البلطجة ويتدنى الوعي، ويلفت عمرو عز رئيس صندوق مكافحة الادمان الانتباه الى ظهور مخدرات رخيصة الثمن كالبانجو والمخدرات الدوائية، وكذلك انواع رخيصة من الهيروين مخلوطة بمواد اخرى. كما يوجد انواع من المخدرات تناسب اولاد الشوارع مثل استنشاق الكولة، ومؤخرا ظهر استخدام واسع المدى بين الشباب لمخدر الاستروكس، وهو عبارة عن خليط بين مادة البردقوش ممزوجة بمادة الكيتامين التي تستخدم لتهدئة الحيوانات، توضع داخل احشاء السيجارة، مجرد ان يتعاطى الفرد نفسين حتى تظهر عليه آثار اختلال الوعي ويدخل في حالة فريدة من الهذاءات والهلاوس. يذكر عبد الرحمن حماد ان نحو (60%) من متعاطيي المخدرات من الطبقات الفقيرة والمهمشة، في مقابل (39%) من ابناء الطبقة الوسطى، و (1%) فقط من ابناء الطبقة الغنية، الأمر الذي يلفت الاهتمام بضرورة دعم وتطوير وتنمية ابناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة اقتصادية وتعليميا وصحيا من اجل تخفيض طلبهم على الاتجار وتداول المواد المخدرة بقدر الامكان.
خامسا: تؤكد دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ان معدل انفاق المدمنين على المخدرات في مصر يتجاوز (26) مليار جنيه سنويا. ويصل المعدل العالمي للانفاق على المخدرات الى (800) مليار دولار سنويا. لكن تتباين معدلات الاحصاء فيما يخص معدلات الاتجار في المخدرات في مصر حيث بلغ حجم التجارة وفق تقرير صدر عن مركز بصيرة (2014-2015) نحو (45) مليار دولار، وهذا الرقم يعادل نحو (51%) من موازنة الدولة المصرية في نفس العام. وذكرت شبكة المعلومات العالمية للمخدرات (جناد) ان مصر تقع في المركز الثاني عشر من بين الدول الأكثر استخداما للحشيش. وفي تقرير لهيئة الرقابة على المخدرات ذكر وقوع مصر ضمن حزام المخدرات بحدودها الطويلة مع جيرانها. وكلفة المخدرات تتعاظم وتتشعب، يذكر عبد الرحمن حماد ان مصر دولة غير منتجة للمخدرات، مصر تعتبر دولة عبور، ومن ثم تعتمد على استيرادها بالعملة الصعبة الأمر الذي يثقل كاهل الاقتصاد المصري المعتمد على استيراد السلع الاساسية والادوية وغيرها بالعملة الصعبة من الخارج. أيضا هناك كلفة عالية تثقل كاهل الدولة المصرية تتعلق بالمشاكل الناجمة عن الادمان وخاصة بين الشباب الأمر الذي يخرجهم من فئات المنتجين ويؤثر على الناتج العام للدولة. في االولايات المتحدة بلغت كلفة هذا العامل وفق تقرير المخدرات العالمي عام (2014) نحو مائة وعشرين مليار دولار بما يمثل نحو (60%) من حجم المشكلة. يضاف الى ذلك الكلفة الهائلة بالنسبة للاموال التي تخصص لعلاج وتأهيل المدمنين وبناء مصحات لاستيعابهم، وتأهيل المسجونين من المدمنين، فضلا عن مشاكل الطلاق والأدوية والفرق العلاجية وخدمات التأهيل، وحملات التوعية لمنع الوقوع في براثن الادمان من البداية.
سادسا: رصدت احصائيات الأمن العام في الخمس سنوات بين (2010-2015) ان معدل ارتكاب جرائم المخدرات يكون في أعلى مستوياته في شهور سبتمر (13%) واكتوبر (11%) ومارس (10%) . ويبدو ان خلال شهور الصيف يزداد دخول المخدرات عبر المنافذ الحدودية مثل سيناء، الاسكندرية، ومرسى مطروح. وتحتفظ القاهرة بالنصيب الاعظم من حيث انتشار وتوزيع المخدرات وبالتالي الجرائم المتعلقة بها. ووفقا لتقارير الأمن العام عام (2015) حصدت القاهرة المركز الأول بمعدل (3613) جريمةة بنسبة (15%) تليها محافظة الاسكندرية بمعدل(3119) جريمة، وجاءت محافظة الشرقية الأولى بين محافظات الدلتا بمعدل(1855) جريمة، في حين جاءت محافظة بني سويف الأعلى بين محافظات الصعيد بمعدل (1039) جريمة. وتبرز احصائيات الأمن العام ايضا ان العاطلين هم الفئة الأعظم من بين مرتكبي جرائم المخدرات بنسبة (38%) من اجمالي عدد الجرائم البالغة (25) الف جريمة، يليهم الطلبة بنسبة (22%) ثم العمال الحرفيين بنسبة (17%) .
سابعا: وعن علاقة تعاطي المخدرات بالجريمة المباشرة يذكر اللواء مجدي البسيوني مساعد وزير الداخلية المصري ان ادمان المخدرات يتسبب في (30%) من حوادث العنف في مصر، وكذلك يتسبب الادمان على المخدرات في حوالي (65%) من الجرائم الاسرية، وفي نحو (23%) من النزاعات العنيفة. ونحو (30%) من حالات العنف ضد الاطفال ، ومثلهم فيما يخص الجرائم الاخلاقية، أيضا يتسبب الادمان على المخدرات في نحو (25%) من جرائم القتل، و نحو (10%) من الجرائم المالية.
الارقام هنا تشير الى جدية الأمر وحتمية الاستنفار المجتمعي لمواجهته. وان توفر الدولة الآليات المناسبة في مسألتي تخفيض المعروض من المخدرات داخل السوق المحلي، عن طريق ضبط الحدود الخارجية، والمتابعة المستمرة لأوكار الاتجار والتعاطي والادمان، والارتقاء باجهزة المعلومات المتعلقة بالتهريب والتجارة والبيع لتبلغ حدها الأقصى، واستحداث آلية مبتكرة للتعاون مع المواطنين قائمة على الثقة والجدية بين الطرفين تفضى الى تشجيع المواطنين على القيام بالدور المنوط بهم في سياق حماية المجتمع وابنائه من آفة المخدرات المعوقة لحركة التطور المجتمعي والمدمرة للشباب، وذلك عن طريق تواصلهم الجيد مع اجهزة الدولة المختصة بمكافحة ظاهرة انتشار المخدرات والتعاطي والادمان. والمسألة الثانية التي تقع على كاهل الدولة المصرية تتعلق تخفيض الطلب على المخدرات عن طريق نشر الحماية المجتمعية في سياق برامج وقائية مبتكرة الأساليب والجاذبية، تستهدف جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية المختلفة مع التركيز على فئات المراهقين والشباب الأصغر من ناحية، والطبقات المتوسطة والفقيرة من ناحية أخرى، وتهيئة مناخ داعم من المعلومات العلمية الصحيحة المفندة للمزاعم التقليدية المترسخة ذهنيا بين العوام عن اسباب انجذابهم لتعاطي بعض المواد المخدرة الخاصة بالتنشيط والحيوية الجنسية. والاستعانة بخبراء محليين وأجانب في هذه الحملات التوعوية حتى تحقق مبتغاها المطلوب تحقيقة. أيضا تأخذ الدولة على عاتقها مسألة العلاج من الادمان باعتباره مشروع وطني جاد، عن طريق التوسع في فتح المراكز المتخصصة في علاج وتأهيل المدمنين بأقل كلفة ممكنة، وامداد هذه المراكز بالمتخصصين في مجالي العلاج النفسي والتأهيل وتهيئة المناخ الداعم لعمل هذه المراكز، ونشر ثقافة مغايرة عن علاج الادمان في جميع وسائل الاعلام، ثقافة مختلفة عن النموذج الطبي التقليدي الذي يعتمد بصورة كبيرة على العقاقير الطبية باعتبارها الوسائل الأهم في علاج المدمن وشفائه. هذا النموذج لم يعد موجودا في الكثير من بلدان العالم التي تتعامل مع مسألة العلاج بجدية مطلوبة. كما انه يحقق لمستخدميه درجة كبيرة من السهولة السطحية في تناول المرض الصعب، بالاضافة التى درجة كبيرة من التربح المؤكد، ويظل المريض وعائلته ضحايا لتخلفنا عن الركب الحضاري وسوء التقدير. وعود على بدأ للحادثة التي صدرنا بها هذا الموضوع فقد يتبين لنا ان ما فعله الشابين في شارع نهيا ربما يكون نتاجا طبيعيا لما تم شرحه لاحقا من حدوث تغيرات جسمية في المنظومة القيمية نتيجة لاهتزاز الأوضاع الاقتصادية وسقوط الرمز الأمني المهيمن نتيجة للمظاهرات والاضطرابات الواسعة في 25 يناير 2011 ، وكانت فئة الشباب بمختلف مراحلها العمرية المرشحة لأن تكون الأكثر تأثيرا بهذه الأحداث، اتسع نطاق البطالة، واتسع نطاق الاستهلاك بدرجة كبيرة حولت جهود الشباب الى البحث عن وسائل تحقق الحصول على المال الوفير بأية طريقة، وفي ظل فراغ امني ليس له نظير تكالب الشباب على تعاطي المخدرات والاتجار فيها، واعمال السلب والنهب والسرقة بالاكراه وطلب الفدية، والتوسع في التنقيب عن والاتجار في الآثار وفي السلاح ومختلف أنواع التجارة غير المشروعة التي تتم عادة في غياب قوة الدولة الأمنية.