كيف نعالج فوضانا.. بلا صمت؟!

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 24 مايو 2019 - 9:21 صباحًا
كيف نعالج فوضانا.. بلا صمت؟!

أ د.الهام سيف الدولة حمدان – مصر – شمس نيوز

حين راودتني فكرة هذا المقال بطرح هذا السؤال طريقا لحل اتمناه لإصلاح ذات البين لما افسدته فوضانا المجتمعية وتغير سلوكياتنا رأسا على عقب، وكلنا يستشعر هذا ويراقبه في “صمت”بلاحراك إيجابي ولا نية حقيقية لانتشال مجتمعنا من هوة سحيقة لو تركت الفوضي تبرطع فيه فلانجاة لنا منها بعد حين، فسوف تحكم قبضتها علينا بلا رجعة .
هنا قفزت رواية “أبناء الصمت” الى ذاكرتي_فالشيء بالشيءيذكر_ فأحداثها تتناول بعض الجنود ومايكتنف حياتهم من مشاعر تتراوح بين اليأس والرجاء، وتتأرجح بين مايكتنفهم من أمنيات حياتية وتطلعات في الفترة ما بين العام ١٩٦٧ حتي العام ١٩٧٣، فقد التزم أبناء هذا الجيل الصمت في فترة الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي ، في مواجهة ما يدور حوله من أحداث محبطة وفي مقدمتها النكسة المريرة التي تعد نكسة مجتمعية أكثر منها نكسة حربية او عسكرية، و برغم صمته فقد اخذ على عاتقه بمواجهة شجاعة تصحيح المسار، و تحمل مسئوليته في أحلك الظروف عن هذه الانتكاسة التي حدثت من جراء صمته غير المبرر إزاء ما لايصمت عنه ، فأبناء الصمت المعنيون لدى “مجيد طوبيا” يقصد بهم من صمتوا عن رؤية العديد من الموبقات والسلبيات التي ماج بها المجتمع دونما رادع أو مانع .وبدلا من أن يقفوا له بالمرصاد ويتصدوا كان صمتهم عاملا مساعدا على تفشيها وانتشارها، فبصمتهم هان عليهم نهر النيل وما يعانيه من تعديات ، فبصمتهم طاح التجار استغلالا للشعب، سواء كانوا يتاجرون في قوته او في صحته بغياب الرعاية الصحية والأطباء المخلصين لواجبهم ، والأنكى صمتهم عن تجار الدين وبشاعة فكرهم المغرض.حتى ولد من رحم هؤلاء الصامتين جيل أبناء الفوضي ، من العشوائيين حياة وفعلا وقولا وممارسة،حتى تفشت العشوائية في كل مكان، وضربت بقسوة أوصال المجتمع حتي اصبحت نظام حياة يحاصرنا من كل صوب وحدب..و ما بين أبناء الصمت و أبناء الفوضي،وقف المجتمع مترنحا كمن تتلاعب الخمر برأسه يكاد يسقط مغشيا عليه، ،فلا يجد بدا من الاستناد إلى تاريخ سبعة آلاف عام من الحضارة ، اتكاء المهزوم الخاوي الوفاض فلا منقذ له من ترنحه سوى استعادة امجاد عظيمة من صنع الجدود ،وقد عفا عليها الزمان،في محاولة يائسة ذليلة .
لكن تبقى الأسئلة تتدفق وتتدافع في رأسي _ التي تنطوي في إجابتها على الحل_في تقديري:كيف نعالج فوضانا؟!ومتى نضع نصب أعيننا المستقبل الذي ننشده لأبنائنا وبناتنا وأحفادنا؟! ومتى سنتوقف عن التزام الصمت أمام فساد نشهده ببؤبؤ العين وندير ظهورنا ونمضي كما لو كان يحدث في بلد غير بلدنا؟! وإلى متى سنترك الفكر السلفي التكفيري المدمر يتلاعب بعقول أزاهير شبابنا ؟! وكيف نسقط سلاح الفقر من ايديهم كمدخل مضمون لاستقطاب شبابنا؟!
الأمر جد خطير، إن جرثومة السؤال تجر عشرات التساؤلات حول ماذا أعددنا لنصلح من حالنا ونضبط منظومتنا الحياتية من كافة جوانبها، ونحدد بوصلتنا حتى لانضل الطريق من جديد ..ويقيني اننا بدأنا المشوار الذي يقاس بألف ميل بخطوة تلو الخطوة على طريق الإصلاح السياسي و الاقتصادي، وبداية جادة للنهوض بالتعليم، وان كانت في حاجة ماسة إلى الصبر حتى تكتمل التجربة ،وتظهر ملامحها بعد سنوات طوال انهارت فيها المنظومة التعليمية واخترقها الفكر البالي.فلا يعقل أن تحل في لمح البصر؛ بل يكفي أننا وضعنا أيدينا على المشكلة لنطلق العنان للحلول.
وبطبيعة الحال فإن بداية أي إصلاح ينحصر في الاهتمام بالتعليم والثقافة ..لكن مازلنا نعاني حالة “استكانة ثقافية”،فلا قصور ثقافة تقوم بدورها ،ولا مسارح ودور عرض اضيأت ، ولا ملامح لخطة ملموسة للنهوض بها وضعت !
ولا ندري لم يغب عن الدولة أهمية الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة في محاربة الفكر المتشدد ونبذ العنف ولفظ الجنوح للإرهاب.
فالثقافة أولا وأخيرا سلوك ومنهاج حياة متوازنة، يحققها مقارعة الرأي والرأي الآخر بالحجة والإقناع بعيدا عن التربص والصراع؛ لتسقط الأسلحة وتخبو حدة العنف وتتغير القناعات بشتى الآليات المملوكة لهذه الوزارة التي تشتمل على قوتنا الناعمة شديدة الجاذبية والعالية التاثير، التي تمتلك المقدرة على إحداث التغير _وبتضافرها مع وزارات أخرى _ بفنون راقية تقدمها، وبفكر مستنير تطرحه، ناهيك عن التلاقي الثقافي بيننا وبين غيرنا من العوالم المعرفية والثقافية لبلدان أخرى تثري تجاربنا وتعمق مفاهيمنا من خلال التفاعل الحقيقي والاطلاع على كل ما يحيط بها ؛لتعمق وتغذي فنا بفن، وترجمة بترجمة، وعلما بعلم ،وحتى سياحة بسياحة..إلخ.
لم لانخصص ميزانية منطقية تعين هذه الوزارة المهمة على الاضطلاع بدورها التنويري دون أية معوقات فهذا استثمار نحتاجه بشدة في هذه الفترة التي نعيد فيها بناء الدولة المصرية والإنسان المصري.فمانواجهه الآن من تحديات ينحصر في كونه حربا فكرية ثقافية معرفية معلوماتية من الطراز الأول ،فلو لم نحصن عقول شبابنا بالفكر المستنير لن يستطيعوا مواجهة الحرب الضروس المعدة للإطاحة بهويتهم للنيل من قوميتهم، وتدمير ما تنطوي عليه الشخصية المصرية من مميزات جعلتها أهلا للصمود برغم توالي الطرق علىالرءوس بالضربات القاصمة!

كلمات دليلية
رابط مختصر