الأحد. أغسطس 18th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

لقاء مع الشاعرة السورية وفاء شوفي

1 min read

حوار آمنة وناس – تونس – شموس نيوز

السلام عليكم

عليكم السلام

هي التي ترافقها الحياة، لتوشوشها أن الدرب قدر، و بأن العمر صرخة صداها بين فرح و ألم، هي التي يصادقها الحرف ليمسح الوجع عن إحساسها إذا ما انكسر، مؤكدا بأن الأنفاس لا تستقيم بدون حلم، هي التي بمصاحبة مرقمها الورق ينبهر، و لإرادته يرضخ و يستسلم، هي التي تأخذنا إلى دواخلها عبر سفر، لنحلق معها و بالجنان نلتحم، هي التي تؤمن بأن العزيمة دائما تنتصر، و أنه لن يخذلها حرج أصم، هي التي ترفع القلم مصرة بأن العدل على الظلم مقتدر، و بأن السيادة لن تكون إلا للعلم، هي التي حزنها مهما انهمر، لن تنزف ابتسامتها نحو العدم، هي الشاعرة السورية “وفاء الشوفي”

مرحبا بك سيدتي

إن شاء لله كون هكذا .. جميلة قراءتك

س “رداء بابل .. اسمي”، إلى أين يصل صداه؟

ج يصل صدى اسمي إلى مكمن الأنوثة (طفولة العالم) و منبعه ، إلى حيث نهضت عشتار بكامل حليبها و أمومتها لتلدَ آدم ، في مرجعية العالم تلك تعاد صياغة أسئلة الوجود من خلال النص الشعري الأنثوي.. المنقطع عن ماضيه بقطيعة المعرفة و إبعاد المؤنث و سقوط المثنى.. و من هذا السقوط الذي جعل المعادلة تختل يأتي تمرد بابل و استمرارها عبر الزمن اللاواعي.. هنا في عمق الذاكرة القهرية تكمن طفولة العالم، المؤنثة.

س “طفولة العالم”، كيف تحتضن الأنثى “وفاء الشوفي”، و إلى أين تصل معها الشاعرة “وفاء الشوفي”؟

ج طفولة العالم لم تكن سوى رقيمات على جدران التاريخ .. شبه ذاكرة للزمن السرمدي. عالمنا الأنثوي يشيخ ، إذ انقطعَ عن طفولته و أخرجَ من المهد إلى دائرة الصراع.. حُمّلَ رموز ثقيلة بعدَ أن خُلعَ عنه ثوب الطبيعة_الأرض و أُلبِسَ ثوبَ الخطيئة.. لطالما حَملَ الجسد الأنثوي رموزهُ كصليب و ما زال يدفع ثمن تلكَ الخطيئة التي لم يقترفها وحده. الأنثى ليست نصف، و هي بذلكَ لما تزل تكتب عما ينقصها.. لم تكتمل دائرة حقها و كل ما يكتب الآن (عربيا) بأقلام الإناث لم يخرج من دائرة الحلم و ردات الفعل.. القلم ليسَ بديلاً عن سرير الحياة.. و إن تعثّرَ بمعرفته و حقه، و بين الإنسان و ما يكتب (يحلم) للأسف فجوة هائلة ما زالت تخرج منها جميع أنواع العقد و الحروب، ثمةَ مسافة لم تقطعها الأنثى نحوَ إنسانيتها.. لن تردمها الكتابة و إن حاولت.

س “الشعر .. هو صراع لا يهدأ بين الواقع و الحلم… هو شعلة تتقد و تضيء.. تتحدى البرد و العتمة”، بماذا توشوش لك القصيدة عن الواقع و الحلم، عن البرد و العتمة؟

ج القصيدة مخاض.. ثمة حياة تخرج إلى الوجود أجهل شكلها رغم اختمار و نضوج معناها في وجداني. الشعر: محاولة وجود ثانية.. تتمرد على الوجود الطبيعي و لكنها ليست بديلاً عنه.. وجود يختار و ينتقي و ينقد ، كأنه سؤال مُلحّ للطبيعة في تجليها بنا.. كأنه استنفار للكشف و المعرفة. هو محاكمة لهذا العالم.. و محاولة دؤوبة للقبض على الحياة التي تعبر كنهر هادر.

س احتسي من صمتي أيها الحرف الراكض إلي حتي تثمل القصيدة، كيف ترافقك هذه التنهيدة؟

ج الصمت ..؟

يبدو للوهلة الأولى كأنه نقيضُ اللغة.. لكنهُ المصدر .. قاع العالم و بدايته

غَمر العقل الجمعي .. حيثُ تختزن الأضداد حركتها الدائمة و تعرف نفسها عندما تُكتب. القصيدة : تنهيدة كبرى.. طويلة : كاختزال المدى و إعادة صياغته، حليّة تزيّنُ القلب.

س كم أنت مكتظ بالصمت، حرف، يترجّلك ورق مزّقه بوح أصم، كيف تستطعم هذا المعتقد؟

ج استطراداً لتعريفي للصمت .. و اعتبار القصيدة حليّة تتم صياغتها بعين الجمال البصيرة، أقول: لا عقيدة للكتابة رغم قدرتها صياغة ما استبطنَتهُ من معرفة و تجارب، إذ أتحرر من كل ما يثقل ذاكرتي التراكمية بانتقائيتي و أسلك قنوات وجداني، فأنا لا أحاكم العالم فيما أكتب و حسب بل أحاكم نفسي أيضاً و لكي أبرع في ذلكَ عليَّ أن أبدأ من جديد في كل مرة و ألا أنظر للوراء. هكذا تبدو القصيدة طازجة المعرفة و الموقف في كلِّ مرة.

س أبحث عن مقعدي في الذاكرة الموجوعة، بماذا يحدثك هذا البحث؟

ج هو حفر في الوراء .. عودة يائسة ليسَ لما انقضى و حسب بل لقوانين ركّبت حياتنا .. صحيح تبدو التفاصيل قدرية كملامحنا و لكن هناك أيدٍ عبثت في هذا المصير .. و رسمت الدرب كمشيئة محددة.. الألم هنا ندوب صغيرة بقيت فوق اليدين و الأصابع كأنها تؤرخ طفولة خاصة صنعت ألعابها من طين الريف و حجارته.. أراني طفلة خجولة تردد الشعار في باحة مدرستها فلا تسمع صوتها و لكنَ ما يردده الطلاب. كإجابة عالية يؤكد أن صوتي كانَ مسموعاً و عالياً آنذاك.. هذه الطفلة ما زالت تردّد صوتها رغم تمردها على النشيد.

س يا لذهولك، أيتها الطفولة، و الواقع ما يزال يغازل صرختك بزفرة الذات، كيف هي أنفاسك عبر هذا الاستنشاق؟

ج طفولتي .. طفولاتنا جميعا..

كأنها مركزيتنا الكبرى .. من تلك النقطة تفجرت كل الأحلام و الانكسارات و هل هذا الذي نحن عليه سوى تلكَ الطفولات؟

أصغرُ منْ صدىً كأني .. لم أكنْ

يومَ ولدتُ:

جاءت النايات..

كنتُ أصغرَ منْ صدىً..

كنتُ أكبرَ منْ صرخة..

هلْ ذكرياتي؟

تلكَ الطفلة ُ الصامتة؟

تلكَ اللقيماتُ؟

أوشكُ

أنْ ألمسَ طيفيَ الصغير

لكنّ رائحةَ الحبقِ

أقلُّ من الحديقةِ

أنا البرعم..

و أقْدامي جذور

عمّدتني الطيورُ

بريشٍ ملوّن

أغْرتني السمواتُ

بلؤلؤِ كتفيها

و أغمدت الأرضُ

أشْرعةَ البوحِ

في ضلوعي..

لم يبقَ منّي

في ظلامِ المنافي

غيرَ الاسم

س الصرخة التي ترتفع ليعترف الكون بحنجرتها، تعبرنا كجرح”، ما ملامح زقزقة النزف، عبر نبض يركض إلى هناك…؟

ج ليسَ الحزن و حسب ما تنزفه أيامنا .. لجرحنا شُبهةَ المكر المبيّت .. ففي هذا المدى الذي تذوب أناهُ في النشيد العام .. تصبح النحن مرجعية تراجيدية .. كأنما تذوب الأنا الفردية في محيط الطاعة هذا، و ما الصرخة التي كفّت عن ندب

ذاتها و رفضت أن تكونَ الضحية ( رغم كونها كذلك) سوى الفن الذي تحيكه الذات المبدعة كردٍ على آلية محوها و إلغائها و تحويلها إلى رقم ملعوب في سياق الجماعة..

و ما أبهى هذه الصرخة.

س عندما نرحل مع “الأنا”، ما تقاسيم المسافات التي تعبرنا؟

ج الأنا .. ليست نزوة

ليست ذاكرة و لا حسابات و حسب، الأنا : مسرح و مرجعية، خيط غير مرئي يتخلل وجودها .. متضمناً لاوعيها كمساحة كبرى .. ليصنع حبكتهُ الخاصة، و كل نضالاتها فيما بعد محاولات حثيثة لتشكيل

و وعي المستطاع من تلكَ المساحة اللاواعية الكبرى.

ثمةَ تداخل هائل و غير واضح بينَ النهر الهادر للوجود و تلكَ النقطة الضئيلة التي تشكّل ماهيتهُ و معناه و اسمها ( ).الأنا

س لماذا تنزلق من بين أصابعي، أيها اللاوعي، وفي كفي ظلك المفقود؟

ج بينَ الشمس و الظلال مسافةُ السباق..

قفزةٌ نريدها نحو الأعلى .. كأن السماء خيار نجاة، لكننا نهبطُ في أحضان أمّنا الأرض،

و ذلكَ ليس سقوطاً .. بل فعلُ الجاذبية.

اليدُ : لم تكن أقصرَ من الظلال بل هي امتدادها في الطريق.

س بماذا تحدثينني، أيتها الشمس، عن ليل، و أرض، و سفر؟

ج ما الذي تقوله الطبيعة الخالقة لمن منحتهُ حق التغني بها؟ أيها المسافرُ كضوءٍ من عتمةٍ إلى عتمة.. اقرأ آياتِ نفسكَ في فجرٍ أكيدٍ و قد لا تراه.. تبلسم في حديثكَ الزهر .. و اترك أثركَ لمن سيبحثُ عنكَ.. ليسَ عطرُ الراحلينَ ما يبقى بل بذور الوداعات.

س يقول الصحفي المصري “عبد الوهاب مطاوع” “من أصعب دروس الحياة، أن يتعلم الإنسان كيف يقول وداعا”، برأيك، هل “الوداع”، إحساس مبعثر، أم قراءات لخلجات النفس المسافرة في العودة؟

ج كأنّ الحياة سلسلة من الوداعات.. كأنّ تلويحةَ الرحيل عقاب لامرئي للعاطفة و للانتماء، و لكن لا وداع كامل و لا مغادرة نهائية .. كل من يرحل يترك جزءاً منه هنا .. في وجداني و ذاكرتي البصرية و حتّى كتاباتي. الوداع درس قاسي نعاود نسيانه في كلّ تعلّق لنتألم من جديد على عتبات المغادرة. و نحن بالنسيان نقتل جزءاً منّا في محاولتنا محو ما كانَ جميلاً بداخلنا .. و لذلكَ علينا أن نتعلم أن نُسقِط الأوهام العالقة بعاطفتنا النقية.. و نعترف بالخريف كحلٍّ أحياناً و كقفزة باتجاه الجديد. علينا أن نتعلم أن نشيحَ بوجوهنا عما انقضى.

س كم زرعت فيّ من غربة، أيها النسيان، و كم سأقطف فيك من اللاوطن؟

ج حتّى في تراب الكتابة .. هناك عملية تعزيل تسبق الزرع .. هناك عشب بلا جدوى يجب اقتلاعه لتتنفّس الأرض و بذار تغور عميقاً لتعاود الحياة من جديد.. النسيان : ذاكرة تعبت من تراكمها .. فأنكرت ما راكمته لتستريح.. و النسيان عتبٌ قديمٌ على الأوطان، أفقدته خيباته القدرة على البقاء.

سأقولُ:

الهجرةُ لا تتعرّى

تحتفظ بدفء الثوب

بتفاصيلهِ المهترئة

لتبدأ مرّةً أخرى

من الخام الذي أنْكرتهُ

س” قلت للجدران أن تسيل فغرق البيت”، ماذا يحمل لنا هذا الاختلاج من دواخل السورية “وفاء الشوفي”؟

ج يحمل صفات الروح التي إما تقبض الواقع فتخسر الحلم .. أو تلهث وراء الحلم فتتجاوز الواقع، هذه ضريبة الحلم الفردي في حشدٍ مقنّعٍ بالخديعة و الخوف .. يجرفه اللهاث خلف أوهامٍ تشبه سلاسل ذهبية، هذه ضريبة الحلم .. في واقعٍ لا يعترف إلا بالسكين.

س “لكثرة ما حلمت انطفأ آخر نجم لليقظة”، إلى متى مع هذا الوجع؟

ج إلى أن تُرفعَ قبضة التسلط عن بنية مجتمعاتنا الذكورية.. إلى أن تكفَّ الحرب يدها عن بتر أعمارنا.. إلى أن تصبحَ إنسانيتنا حقيقة نستطيع لمسها بالأصابع كما نلمس الماءَ العذب. إلى أن نتعلم كيف نحب كما تعلمنا كيف نكره، و بين هذه اليقظة و ذاك الحلم ثمةَ أشكالٍ مختلفةٍ لموتٍ نختبره و نجربه كقدرٍ و كقيمة عُليا.

س كيف هو الحب في “قلوب مثقوبة”؟

في أزمنة الحروب تصبح السادومازوشية طريقةً لتعبير الجلاد_الضحية .. و يصبحُ الحب قناعاً ضاحكا. يشبه هذا الحب المريض الذي يتنكر لمرضه، و الحياة التي تستقوي على ضعفها. القلوب المثقوبة، مصفاة : نَهَبها الرمل، و لكنها ما زالت تؤمن بحقها بالمياه العذبة.

س “هبني وقتا لا تنكر فيه الوردة عطرها”، أي أنفاس تبعثر وشاحها عبر خلجات هذا العطر؟

ج جديرة ٌ

بوردةٍ بيضاءَ

حياتي..

بنافذةٍ

لا تفضي إلى دخان..

بنسائمِ اللا خوف

و أن أكون

ذاتَ يومٍ

نهايةً بلا قربان

حنينٌ

أمضي فيهِ

بغيرِ هودجِ النحيب

وردُ المعنى

يموتُ على الموتى

ويحلمُ بأن يعودَ

إلى الحديقةِ مرّةً أخرى

وردٌ سبيلهُ

أنْ يُعيدَ للعطرِ جدواهُ

في احتفالِ العاشقين

س كأنني بين أنياب الحيرة

تشويش يسدل خيامه أمامي

فهل أكنس بقايا تواجد

أم هي خيالات أحلام

تحتسي آخر أكواسها

لترمي بجزء من نبيذها

على تربة

تكدّس أرقها

و انبعثت منها رائحة الغياب

إلى أين أنظر

من أين أبدأ

هل الخيال حقيقي

أم الحقيقة دخلت ضبابية اللاواقعي

…؟

ج الخيال : امتداد و إلهام.. و منه تنبع جميع الحقائق .. كأنه ظلال العقل الأول فينا، المعضلة في واقعٍ ينكر العقل و الخيال معاً ليحشر الكائن في زاوية الطاعة الجامدة. فكل أنواع السُلط تأتي من فكرة الاستحواذ، و التقوقع داخل الأنا ..و تنتج عنها عدائية و إلغاء الآخر.. وهل الغياب سوى هذا الآخر البعيد؟ و هل اليد التي ألقت نبيذها سوى يد العطش؟

س تخطفني خطواتي نحو شهقتك، أيها الخيال، إلى كم من إحساس مع هذا الانطلاق؟

ج الكتابةُ فعلُ قراءةٍ بالأساس.. انعكاسٌ بين الداخل و الخارج.. و قبضٌ على المعنى الهارب، هدم و بناء .. و خطوات في المجهول، حيثُ، في تلك المشاوير ترتسمُ الطرق، و في تلكَ الخطوات ترتسمُ الأقدام.

س ما العلاقة بين الفشل و عدم النجاح، عندما يتمسّك الطريق بالقفل و يسقط المفتاح؟

ج الفشل محاولة بائسة.. و عدم النجاح يأس مزمن.. كأن تنتبه لما يضيع في كلِّ مرة، فتجد نفسكَ تحدق في الوراء. القفل : أيدٍ تصنع الحواجز.. و المفتاح : أقدام تقفز. إنه الارتباك.. تماماً كزهرة لا تفهم الخريف .. لكنها تعرفه.

س كيف يبتسم لك الخريف؟

ج يبتسمُ الخريف عندما ينظرُ في ماهيّتهِ .. و إلى دورهِ بين الفصول. عندما يكونُ اليَباس استراحةً و ليسَ مرضاً، و عندما يكونُ الربيعُ محطةً و ليسَ وجْهة سَير. هكذا يكونُ الاصفرارُ بليغاً .. كامرأة حكيمة.

شكرا لك الشاعرة وفاء الشوفي على حسن تواصلك و إلى لقاء آخر إن شاء الله

الشكر لك صديقتي آمنة .. و لأسئلتك الملهمة .. سررت بهذا الحوار الذي يحرك الماء الساكن و يفكر كشلال هادر