ما أشبه الليلة بالبارحة!

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 15 أبريل 2018 - 11:26 مساءً
ما أشبه الليلة بالبارحة!

 بقلم الشاعر حسن طلب – مصر

بوابة شموس نيوز – خاص

هذه مقاطع من قصيدة كتبتها منذ خمسة عشر عاما عشية سقوط بغداد فى أيدى الأمريكان الملاعين.. أكاد أرى فيها صورة طبق الأصل مما يحاك اليوم ضد سورية.. واليمن.. وليبيا.. وما تيسر من دول المنطقة!
+++++++++++++++++
هذه كربلاء وأنا لست الحسين
=======================
أَشهدُ أنّ أوَّلَ النُّورِ نِهايةُ الظُّلَمْ
أشهدُ أنِّى قد قُتلتُ غِيلةً.. وانتَكسَ العلَمْ
أشهدُ أنى لم أخُضْ معركةً
يفوزُ فيها المرْءُ تارةً.. وينهزِمْ
أشهدُ أنى قد شهِدْتُ: اكتملتْ شَهادتى
وارتفعَ الآن القلَمْ
وانطَوتِ الصَّحائفُ المُموَّهاتُ.. جفَّتِ الدَّواةُ..
لم يبقَ سِوى بُقْعةِ دَمْ
تجلَّطتْ فوق ترابِ “نِينَوَى”.. وانعَقدتْ
حتى أضاءَ الأحمَرُ القانى الرَّمادَ..
يالَها من لوْحةٍ قد توَّجتْ بالحُمرَةِ السوادَ..
سُبحانَ الذى لوَّنَ.. سبحانَ الذى رسَمْ!
* * *
أشهدُ أنْ ليسَ لِهذا القلْبِ إلاّ دمُهُ
وأنَّ أحدَثَ الرَّدَى: أقـدمُهُ!
أنَّ نِهايةَ الجَحيمِ أوَّلُ الدِّيَمْ
لذا أُطِلُّ الآن مِن عَلٍ عليكمْ
فأرَى أطلالَكمْ
أنظرُ أسْوانَ إلى أطفالِكمْ
أرقُبُ دبَّاباتِهمْ وطائراتِهمْ.. وأبتسِمْ!
أشْهَدُ أنِّى لمْ أخُضْ حربًا
فلو كانَ عَدُوِّى بانَ لِى رأْىَ العِـيانِ!
آهِ.. لو جيشٌ حَقيقىٌ- هنا فى الكَرْخِ- لاقانِى
لأقتــحِمْ!
لو رجُلٌ! لو فارِسٌ حُرٌّ تَحدَّانِى بأن يَبرُزَ لِى
لو بطَـلٌ.. لألتحِمْ!
لكنَّها نارٌ إلَهُ الحرْبِ قد سلَّطها
على بيوتِ الأهْلِ حتى انهدمَتْ
فاختَنقوا.. واختنقَتْ أولادُهمْ
واحترقَتْ أجسادُهُمْ
وتحت وابِلٍ من الحُمَمْ
تفحَّمتْ ذخائرُ المَشرقِ: “بيتُ الحكمةِ” انهارَ
هوَى كما هوَى البرْجُ القديمُ البابلِىُّ..
احترقَتْ آخِرُ مَخطوطاتِ عصرِ “المُعتصمْ”!
واشتعلَتْ مُؤلَّفاتُ المَنطِقِ
استفحلَتِ النِّيرانُ فى رسائلِ الفقْهِ
فشَتْ.. فالتهمَتْ مُصنَّفاتِ النَّحوِ
والشِّعرَ الذى يَلزَمُ ما لا يُلتزَمْ!
* * *
أشــهدُ: قد كنتُ كأنِّى النائمُ اليقْظانُ..
يهْوِى بِى المكانُ حيثُ لا أعلَمُ ما المَصيرُ!
أو كأنَّنى قد كنتُ- في ما يُشبِهُ الحُلمَ- أطيـــرُ!
كان رُخٌّ جائعٌ يُوشِكُ أنْ يَنهشَ رُوحِى
مِثلما تَرْوِى الأساطيرُ
كأنِّى داهمتْنِى- بَغتةً- غيْبوبَةٌ!
فكلَّما حاولْتُ أن أُفِيقَ لا أَقدِرُ..
أو كأنَّنى نِمتُ.. ولم أنَمْ!
* * *
أشهدُ أنْ ليسَ على الحالِمِ إلاّ ما رَوَى
ليسَ عَلى العاشقِ إلا ما كتَمْ!
وأنَّ أَغْمضَ الهوَى أوْضحُهُ
وأنَّنى أفشيْتُ سِرِّى.. لم يَعدْ لدَىَّ ما أفضَحُهُ!
أشهدُ أنَّ آخِرَ البُخلِ الكرَمْ!
لِذا أُطلُّ الآنَ مِن عَلٍ عليكُمْ
فأحِسُّ أنَّنى أكادُ لا أعرفُكُمْ!
أكادُ لا أذكُرُ ما حاقَ بكُمْ.. إلا لَمَمْ!
أكادُ لا أذكُرُ إلاّ ظِنَّةً
أنَّ إلهَ الحربِ قد أصابَهُ السَّأمْ!
ضاقَ بما ظَلَّ عَلى الأرضِ مِن الشِّــعرِ ومُوســيقا الشَّذا
ومِن عَبيرِ البُرعُمِ الغضِّ.. ومِن عُذريَّةِ النَّغَمْ!
فهاج كالثَّورِ.. ارتدَى بِـزَّتَهُ.. استشـاطَ واحتدَمْ!
وجاءَ يستأسِدُ فى وجْهِ النساءِ يَحصِدُ الأطفالَ..
يَغتالُ الرِّجــالَ.. جاءَ ينتقِمْ!
وعندهُ مِن آلــةِ الموتِ عَتادٌ معَهُ زادٌ
وجيشٌ من طُهاةٍ.. وعبيـدٌ وحَشَمْ!
أشهدُ أنْ ليسَ سِوى إحدَى اثنتيْنِ: أنْ تخافوا بأسَهُ
أو أنْ ترُدُّوهُ إذا هجَمْ
فأقْسِموا ألا تخافوهُ.. وبَرُّوا بالقسَمْ
لا تدَعوهُ- إذْ أتَى- يَفغَـرُ كالغُولِ فمًا ويَلتـهِمْ!
…………………………….
أشهدُ أنَّ أولَ الجُوعِ: نهايةُ التُّخَمْ
فلْتَبقُروا بطْنَ إلهِ الحربِ.. ولْتُبادرُوا
من قبلِ أنْ يَهضِمَ ما قضَمْ!
أشهدُ أنِّى قد قرأتُ فى كتابِ الشُّهداءِ
أنَّهُ مَن يَخَفِ الوحشَ- علَى حِيطتِهِ- يَبطِشْ بهِ!
وأنهُ مَن يَسِمِ الوحشَ علَى الخُرطومِ.. يَتَّسِـــمْ!
أشــهدُ: قد حدَّثنِى يومًا أبِى
فقال: قد حدَّثهُ يومًا أبوهُ مرَّةً:
هذا تُرابُـكُمْ
فمُوتوا سادةً.. ولا تَعيشوا فوقهُ خدَمْ
أشهدُ أنَّهُ روَى أُمثولةً ما زلتُ أسْتظهِرُها:
كَبْشانِ كانا فى فَلاةِ يَتناطحانِ.. والذِّئبُ الحكَمْ!
أشهدُ أنى قد شهدْتُ:
كيف يستنجِدُ بالذئبِ قَطيعٌ مِن غنَمْ!
* * *
أشهدُ أنَّنى قُتلْتُ غِيلةً
أصبحْتُ أحْيَا حيثُ لا لذَّةَ بعدَ اليومِ.. لا ألـمْ!
قُتلتُ غيلةً.. ولا أدرِى لماذا!
هل نَبا السَّيفُ.. وخانَتْنى يدِى؟
أم أنكمْ تَركْتُمونِى دونَ أنْ يَحمِىَ ظهْرِى أحَدٌ
يَشرَكُ فى الموتِ.. ويَقتسِــمْ!
أمْ هل تُراكُمْ- ساعةَ الشَّدِّ- تَوانيْتُمْ
فلا سِهامُكمْ أَصْمَتْ.. ولا (اشتدَّتْ زِيَمْ)!
قُتلتُ غيلةً.. ولا أدرِى لماذا!
هل لأنَّ الشُّعراءَ آثَروا الأمانَ؟
هل لأنَّ مَن فى مجلِسِ الشعْبِ- أو الشُّورَى- دُمًى!
أمْ هل لأنَّ الوُزراءَ كلَّهمْ
ومُستشارِى الغُرفةِ العُليا: رِممْ!
أم هلْ لأنَّ القائدَ المِغوارَ خارَ..
البطلَ النَّشْمِىَّ: لا كَرَّ.. ولا عزَمْ!
………………………….
أشهدُ أنِّى لم يعُدْ لدىَّ ما أنطِقُهُ
وأنَّ أوسعَ المدَى أضْيقُهُ
وأنَّنى أُطِلُّ مِن عَلٍ عليكمْ
فأراكُمْ: نومُكمْ شِبهُ مَواتٍ.. وقيامُكمْ وَخَمْ!
وشعبُكمْ يَعبُدُ جَلاَّديهِ.. والخاصَّةُ مِن خاصتِكمْ
لا يَعرفونَ الفرقَ بينَ اللهِ.. والصَّــنمْ!
…………………………
أشهدُ أنَّ آخِرَ السُّـفوحِ.. أوَّلُ القِممْ!
لِذا علىَّ الآنَ: أنْ أَخرجَ مِن حاضرِكمْ وأخْتـــفِى
علىَّ أنْ أهجُرَ مُستقبَلَكمْ وأنْتـــفِى
علىَّ أنْ أُطْفِئَ تلك الشُّعلةَ السوداءَ:
مِن شمْسِ (قفا نبكِ.. )
إلى البرْقِ الذى (أوْمضَ فى الظَّلْماءِ مِن إِضَمْ)!
* * *
أشهدُ.. فلْتحاوِلُوا أن تَشهدوا مَعى
على تلكَ الضَّمائرِ التى بِيعتْ لَهمْ
بأبْخسِ الأسْعارِ.. بالدِّينارِ والدولار فى ســـوقِ الذِّممْ!
أشهدُ أنى- مِن سَمائى ها هنا-
أشهدُ ما لا تَشهدونَ كلُّكمْ!
لستُ نبيًّا أُوتِىَ الحِكمَةَ أو جَوامعَ الكَلِمْ!
لكنَّنِى مَحضُ شهـيدٍ
روحُهُ تحُومُ فى فِرْدوسِها غاضبةً
وهى تُطلُّ الآنَ مِن علٍ عليكُم.. وتُــعدِّدُ التُّهَمْ:
طاغيةُ العراق ليس وحدَهُ
كلُّ وُلاتِكمْ طغاةٌ حولَهُمْ طُغَــمْ!
أشهدُ أنْ ليسَ علَى الشَّاهدِ إلا ما رَأى
ولا علَى الغاضبِ إلاّ ما كَظَــمْ!
أشهدُ أنَّ هؤلاءِ كلَّهمْ قد قَتلونِى غِيلةً:
حَضرةُ صاحبِ السُّموِّ: الملِكُ الفرْدُ المُفدَّى
ووَلِىُّ العهْدِ منذُ كانَ فى المهْدِ..
فخامةُ الرئيسِ القائدِ المُلهَمِ.. أو هذا الزَّعيمُ المحتَرَمْ!
أشهدُ أنَّ هؤلاءِ كلَّهمْ قد قَتلونِى
ولسوفَ يَتركونَكُمْ غدًا: لَحْــمًا على وَضَــمْ!
قد قَتلونِى كلُّهمْ.. واسْتباحوا ـكلُّهمْ أرْملَتى!
لم يَخْتشُوا قطُّ.. ولم يَحتــشِموا
الأنثَى التى تَبيعُ نفْسَها: أمامَ الناسِ تحتَـــشِمْ!
لكنهمْ عوراتُهمْ مكشوفةٌ وشــحْمُهمْ ورَمْ!
أشهدُ: لم يَبقَ عليكُمْ غيرَ أنْ تستــأصِلوا الوَرمْ!
* * *
أشهدُ أنِّى قد شهِدْتُ:
اكتملَتْ شَهادتى.. ورفْرَفَ الآنَ العَــلَمْ
وانطوَتِ الصَّحائفُ المُمَوَّهاتُ.. جفَّتِ الدَّواةُ..
لم يبقَ سِوى نُقطةِ دمْ
هىَ المِدادُ الأحمـرُ القانِى
الذى به تُدوَّنُ الشَّهاداتُ.. وتُستَمْــلَى المَعانِى
ثُم تُجْــلَى
حين تُتلَى كُلُّها بالحَـرْفِ.. والرَّقمْ!
…………………………..
أشهدُ أنِّى قد شهدْتُ:
انكشفَ الوجْهُ عن القِناعِ..
فلأُطِلَّ مِن عَلٍ علَى أشباحِكُمْ إطلالةَ الوَداعِ..
ثُم أختتِمْ:
ليسَ علَى الشَّهيدِ إلاّ ما وَعَى
ولا علَى الشَّاعِرِ إلا ما نظَمْ!
========================
* من قصيدة طويلة بعنوان: [هذه كربلاء وأنا لست الحسين].. أبريل 2003.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.